48/01/16
منهجية تتبع مصادر واقعة عاشوراء وتعددها
كان الكلام في بيان أحد المناهج الرجالية التي تبيّن أن أسباب ومناشئ نقل حادثة عاشوراء وكربلاء، وذلك عبر تلك المنابع والمصادر، هي من أكثر المصادر تعداداً وتنوعاً وتكثراً، كما مرّ بنا في الليلة الماضية، وذلك عبر تتبع المقتل المأثور الذي رواه الصدوق بطرق عديدة أو بروايات متعددة، يشكّل مجموعها مقتل سيد الشهداء صلى الله عليه وسلم.
دور الأئمة في حفظ ونقل أحداث عاشوراء
فتتبع هذه الطرق يبيّن لنا أن حرص أئمة أهل البيت عليهم السلام، سواء بدءاً من النبي (صلى الله عليه وآله) قبل استشهاد سيد الشهداء، وأمير المؤمنين، والحسن، أو بعد استشهاده من الإمام زين العابدين والتسعة من ولد الحسين، وحرصهم على نقل لقطات وأحداث عاشوراء، وهي بلا شك عين راصدة وحيانية، لا تخضع لقيود الحسّ وسجونه. وكما مرّ بنا أن الأئمة عليهم السلام إذا كانوا في التفسير المأثور يروون ويذكرون قصص الأنبياء صغيرها وكبيرها وتفاصيلها، فكيف بهذا الحدث الجلل؟ ويتجلى ذلك في شدة تعلق أئمة أهل البيت أجمعين بالحسين، والتشبث بالحسين، وزيارة الحسين، والبيتوتة عند الحسين، والبكاء على الحسين، وكل ما له صلة بسيد الشهداء.
وتُعدّ سيرة الإمام زين العابدين (عليه السلام) طيلة حياته بعد عاشوراء شاهداً على ذلك، فقد كان يومياً هو بنفسه صلوات الله عليه يقيم مجالس ندبة، القارئ فيها هو نفس الإمام زين العابدين، والباكي فيها هو نفسه، والراثي فيها هو نفسه، فكيف لا يحدّث بذلك تلاميذه وأصحابه؟ وهذا أمر يقتضيه المنطق السليم.
فهذا أحد المصادر التي كثرت منها الأمثلة في الروايات التي نقلها الشيخ الصدوق في الأمالي، من المجلس الرابع والعشرين إلى المجلس الواحد والثلاثين، وهي قرابة ثمانية مجالس، جلها في أحداث عاشوراء. ونلاحظ في المجلس الثلاثين الذي لم نستعرضه بالأمس رواية مهمة في هذا الباب.
على أن منهجنا ليس الآن في شرح الأسانيد التي ذكرها الصدوق لأحداث عاشوراء، ولا في تحليل متون هذه الروايات وكيفية انسجامها مع متن روايات أخرى تاريخية وروائية، فلسنا في هذا الصدد الآن، وإنما نحن فقط في صدد تتبع كيفية النقل، وكأننا نراقب بعدسة خاصة وكالات الأنباء التي انبثقت من مشهد عاشوراء. ومنها ما ذكرناه بالأمس ومرّ بنا من وكالات الأنباء النسوية، سواء من الهاشميات والعلويات والفاطميات أو غيرهن، وقد كنّ على حرص شديد في نقل هذه الأحداث، وهذا مصدر عظيم جداً.
تعدد مصادر النقل: من النساء إلى الأعداء
كما أن جلاوزة النظام أنفسهم، سواء كانوا موالين لبني أمية أو أياً كان موقفهم، فهم على اختلاف مواقفهم قد خذلوا أهل البيت. وعلى أي تقدير، فإن هؤلاء الجلاوزة هم أنفسهم أيضاً، كما مرّ بنا في مثال سابق، كانوا يسردون ما وقع. أو أناس كانوا على الحياد، مع أن الحياد في مثل هذا الموقف لا معنى له، بل هو عين الظلم لأهل البيت، ولكنهم في الظاهر كانوا كذلك، كالجصّاص والعمّال وما شابه ذلك ممن شهد هذه الأحداث، سواء في الكوفة أو في الشام أو في كربلاء.
ويتفرع على ذلك أن الأجيال اللاحقة في القرون الثاني والثالث والرابع والخامس من كبار أعلام الطائفة كانوا مهتمين بهذا النقل، وقد يصلهم هذا النقل من المصدر النسوي ممن شهد الأحداث، أو يصل إليهم من الأئمة، أو من الموالين والمحبين لأهل البيت، أو يصل إليهم حتى من أعداء أهل البيت أنفسهم. فكثير من الروايات، كإدماء السماء والجدران، قد رواها بنو أمية، فهم أنفسهم شهدوا هذه الأحداث ورووها، كمروان وغيره. وقد مرّ بيان أنها تقرب من ألفي رواية، ولا مبالغة في هذا القول، في مصادرهم ومصادرنا.
فلاحظ إذن أن هذا الكمّ من النقولات هو غير النقل الوحياني من قِبَل الباري تعالى أو من قِبَل سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وهلم جراً. فإذاً، لقد رصدت السماء لحادثة عاشوراء منابع نقل كثيرة. بل إنَّ إحدى فلسفات أخذ النسوة مع سيد الشهداء إلى كربلاء، حيث شاء الله أن يراهنّ سبايا، هو أن يكنّ مصدراً للنقل، ومصدراً شاهداً. لا سيما أن المرأة بما أوتيت من عاطفة، حين ترى غلظة الأحداث وفظاعتها، تكون مصدراً عظيماً للنقل، فكيف بنساء متعددات من أهل البيت وقد حصل لهن ما حصل؟ فمن الطبيعي حينئذٍ ألا يفترن عن الحديث يومياً عن حادثة عاشوراء إلى مماتهن صلوات الله عليهن، وهذا أمر طبيعي.
فضلاً عن نساء الأنصار اللاتي كنّ مع نساء أهل البيت، وهن نساء شريفات غيورات نجيبات ناصرن الحسين. وعليه، فإن المصدر النسوي نفسه يُعدّ أصلاً عظيماً في نقل الواقعة، هذا في خصوص ما وقع في كربلاء، فضلاً عما وقع في الكوفة أو في الشام أو في غيرها من الأماكن. إذاً، فإن حصر المصادر براوي الطبري أو بمقتل أبي مخنف هو قول لا معنى له. لسنا الآن في صدد تفاصيل الأحداث، بل في صدد تفاصيل كيفية النقل، وهذه نقطة مهمة.
تحليل مقتل الصدوق: نموذج تطبيقي على تعدد الطرق
ولنقرأ اليوم المجلس الثلاثين للصدوق الذي نقل فيه مقتلاً كاملاً.
يقول الصدوق: حدثنا محمد بن عمر البغدادي الحافظ[1] ، قال: حدثنا أبو سعيد الحسن بن عثمان بن زياد التستري من كتابه، قال: حدثنا إبراهيم بن عبيد الله بن موسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، قاضي بلخ. وهنا نلحظ كيف أن الرواية تصدر من عاشوراء لتصل إلى بلخ في أفغانستان ثم تعود، فالمعلومة تنتقل كأنها عبر وكالة أنباء، لتصل إلى الصدوق بواسطة قاضي بلخ السبيعي، وهذه الأسرة السبيعية عائلة معروفة بالتأريخ.
قال: حدثتني مريسة بنت موسى بن يونس بن أبي إسحاق وكانت عمتي. قال: حدثتني صافية بنت يونس بن أبي إسحاق الهمدانية وكانت عمتي. وهؤلاء كلهم أرحام، وهو ما يبيّن كيف أن بيتاً واحداً متخصصاً في التاريخ قد رصد المقتل كاملاً. قال: حدثتني بهجة بنت الحارث بن عبد الله التغلبي، عن خالها عبد الله بن منصور. وهذه كلها طرق نسائية.
فمن هو عبد الله بن منصور هذا؟ لقد كان رضيعاً لبعض ولد زيد بن علي الشهيد، وهمهم لقطات عاشوراء لأنها تحمس الناس. وهذا يكشف عن أن التيار الثوري السياسي من أهل البيت كان يهتم أيضاً بنقل خصائص أحداث عاشوراء، إذ هي مادة للخطاب الثوري والسياسي لهم. وكان عبد الله بن منصور هذا رضيعاً في بيت زيد الشهيد من نسله. قال: سألت جعفر بن محمد الصادق، فقلت: حدثني عن مقتل ابن رسول الله. يطلب المقتل كاملاً من الإمام الصادق (عليه السلام)، وهذا يدل على علمهم بأهمية هذا المصدر.
وهل اكتفى عبد الله بن منصور بهذا السؤال؟ وهنا يلحظ أن المقتل الذي يرويه الصادق (عليه السلام) يمتد على إحدى عشرة صفحة، وهو مقتل كامل يبدأ من هلاك معاوية وما تلاه. فهل كان هو الوحيد الذي سأل الإمام الصادق؟ قطعاً لا، فكثير من تلاميذ الإمام الصادق وأصحابه الناشئة سألوه عما جرى. وهل اقتصر الأمر على الإمام الصادق؟ أم أن الباقر كذلك، والسجاد كذلك، والكاظم كذلك، والرضا كذلك، سُئلوا نفس السؤال؟ قطعاً.
إنَّ لدينا مصدراً وحيانياً، عيناً وحيانية ترسم لنا الحقيقة، وهي ليست من جنس العين الحسّية المحدودة. وهل يعقل أن الشيعة، الذين كانوا يسألون أئمتهم عن دقائق الحلال والحرام والمعارف والعقائد، قد تركوا السؤال عن هذا الحدث الجلل؟ كم كان عدد تلاميذ الأئمة؟
قيل إن تلاميذ الإمام الصادق وحده بلغوا أربعة آلاف، وفي نقل آخر تسعة آلاف راوٍ عنه. وأما الكاظم (عليه السلام) فالله أعلم. وهناك إحصائية لأحد الباحثين في هذا الصدد. الرواة الذين تتلمذوا على يد الإمام الصادق، والذين تتلمذوا على يد الإمام الباقر، والسجاد، ثم الرضا، وهلم جراً، ألم يسألوا جميعاً نفس هذا السؤال: “سألت جعفر بن محمد، فقلت: حدثني عن مقتل ابن رسول الله”؟ فقال: حدثني عن أبيه. ويسرد المقتل كاملاً.
ما الذي يتكون لدينا من انطباع؟ من الواضح أن تلاميذ الأئمة عليهم السلام، كالعسكري والهادي وغيرهما، كان يهمهم بلا شك معرفة أحداث عاشوراء، لأن الأئمة أنفسهم كانوا يحثون على التعلق بالإمام الحسين وزيارته والبكاء عليه وإقامة العزاء له.
الكم الهائل من الروايات في أبواب المزار والزيارات
وقد جمع صاحب الوسائل في كتابه مئة وعشرة أبواب في “أبواب المزار”. ومن الجيد مراجعة هذه الإحصائية لمعرفة عدد الروايات التي أوردها، من أول باب المزار في آخر كتاب الحج إلى آخر رواية، لتتحول إلى أرقام ومعلومات علمية دقيقة. وقد سبق استخراج العدد، وإن كان لا يحضرني الآن، فينبغي استخراجه مرة أخرى.
والكلام نفسه يقال عند رؤية هذا الكم الكبير من الروايات. هذا فضلاً عن أبواب المزار الموجودة في كتاب مستدرك الوسائل للنوري، والتي تبلغ ستمئة رواية في مئة وستة أبواب. ففي المستدرك قرابة خمسمئة رواية، وفي الوسائل ستمئة، ثم في البحار. ففي مجلد المزار من البحار، مع ما في المستدرك، نصل إلى قرابة ألف ومئة رواية، يضاف إليها خمسمئة أخرى في البحار، وبغض النظر عن المشتركات، نصل إلى ألف وستمئة رواية، هذا غير المجلد الثاني. فكم يكون العدد الإجمالي؟ قرابة ألف وستمئة رواية في أبواب المزار، جلها عن الحسين (عليه السلام)، بل يمكن القول إن نصفها يختص به. فلاحظ هذا الكم الهائل، أي قرابة ألف رواية فقط في المزار والزيارات. وكتاب كامل الزيارات لابن قولويه من أوله إلى آخره جله عن الحسين، وقليل منه في زيارة النبي والأئمة. فأبواب المزار أيضاً تصب في هذا الصدد، حيث كان الأئمة عليهم السلام في صدد شد المسلمين والمؤمنين إلى قضية الحسين.
فهل يعقل أن الإمام الصادق قد حدّث عبد الله بن منصور فقط؟ أم أنه حدّث هذا وذاك وغيرهم بلقطات من الواقعة؟ لا سيما تلك اللقطات التي قد لا يرصدها غير المعصوم، فالمعصوم لديه علم الملكوت، فيرصد حتى الأحاديث النفسانية وما يختلج في صدور الأشخاص الذين كانوا في حادثة عاشوراء، فهو شاهد على العباد. فلاحظ إذن هذا المصدر وهذا الكم، وكيف يكون مفصلاً لكل واحد من الأنصار، وماذا ارتجز وماذا صنع. فهو المقتل نفسه الذي يرويه الإمام الصادق عن أبيه عن جده. وهذا السبيعي، كما أشرنا، هو راوي هذا المقتل. فالمعصوم لديه مقتله الخاص عن جده الحسين (عليه السلام)، وهذا الأمر لا يختص بهذه الرواية وحدها.
وقطعاً فإنَّ الإمام الصادق (عليه السلام)، الذي أحاط به ذلك العدد الكبير من التلاميذ، بل وكل إمام من الأئمة، كان أصحابه وتلامذته يسألونه حتماً عن الصغيرة والكبيرة في حادثة عاشوراء؛ إذ جعل الأئمة عليهم السلام هذه الذكرى مصيبة راتبة يومياً.
ومثال ذلك: ما ورد في صحيحة معاوية بن وهب التي أوردها صاحب الوسائل في أبواب المزار[2] ، وهي مروية بطرق عديدة وتعد من الصحاح عالية الإسناد. وفيها أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) يسأل عن كيفية إحياء الزوار لذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) عند قبره في النصف من شعبان، فيأتيه الجواب بأنَّهم ما بين راثٍ وقاصٍّ وداعٍ. وقد استفيد من هذه الصحيحة وأمثالها قضايا مهمة في تأسيس قواعد الشعائر الحسينية. وفيها الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ ارْحَمْ تِلْكَ الْوُجُوهَ الَّتِي غَيَّرَتْهَا الشَّمْسُ… وَارْحَمْ تِلْكَ الصَّرْخَةَ الَّتِي كَانَتْ لَنَا»[3] . حتى إنَّ الراوي لما سمع عظيم ما لهم من الثواب، قال: «وَاللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ الْأَمْرَ يَبْلُغُ هَذَا كُلَّهُ مَا حَجَجْتُ وَأَتَيْتُهُ». فأجابه الإمام (عليه السلام) بأنَّ دعاء أهل السماء لهم أكثر من دعاء أهل الأرض.
والحاصل: أنَّ حث الأئمة عليهم السلام كان يومياً ومستمراً، فكيف يُتصور مع ذلك أن يطمس أهل البيت عليهم السلام تفاصيل الأحداث، أو أن لا يكون لدى الرواة الحافز لسؤالهم عن دقائقها؟ فهل يُعقل والحال هذه أن نقتصر في مصادرنا على طرق مؤرخي العامة؟ إنَّ المنهج المتبع هنا ليس في صدد تفصيل الطرق أو المتون، بل هو منهج رجالي يهدف إلى بيان كيفية النقل المتواترة لحادثة عاشوراء، لنستعلم من هذه الكيفية أنَّ مصادر نقل أحداثها تبلغ حد التواتر الإجمالي الكبير، سواء كان النقل عن لسان الوحي وأبوابه من الأئمة عليهم السلام، أم عن لسان النساء، أم عن لسان الأعداء، أم عن لسان من شارك في تلك الواقعة. وقد انتشرت هذه الروايات وتجاوزت البلدان رغم أجواء الخوف والتقية.
توثيق المظلومية: منهج الأئمة من الحسين إلى الكاظم
وقد أسلفنا أنَّ هذه المجالس التي أوردها الصدوق في أماليه لا تقتصر على مقتل الإمام الحسين (عليه السلام)، بل تتناول ما جرى على سائر الأئمة، كالإمام الكاظم والرضا عليهما السلام. وفي هذا السياق، نجد توثيقاً لمظلومية الإمام الكاظم (عليه السلام) يوازي في منطقه ما جرى في عاشوراء. فقد ورد في الرواية أنَّ السندي بن شاهك جمع ثمانين رجلاً من الوجوه، وأدخلهم على موسى بن جعفر (عليه السلام)، ثم قال لهم: «يَا هَؤُلَاءِ انْظُرُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ هَلْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ فَإِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ قَدْ فُعِلَ بِهِ وَيُكْثِرُونَ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا مَنْزِلُهُ وَفِرَاشُهُ مُوَسَّعٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مُضَيَّقٍ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ سُوءاً وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُهُ أَنْ يَقْدَمَ فَيُنَاظِرَهُ… وَهَا هُوَ ذَا صَحِيحٌ مُوَسَّعٌ عَلَيْهِ». فلما سألوا الإمام (عليه السلام)، قال: «أَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّوْسِعَةِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرَ، غَيْرَ أَنِّي أُخْبِرُكُمْ أَيُّهَا النَّفَرُ أَنِّي قَدْ سُقِيتُ السُّمَّ فِي تِسْعِ تَمَرَاتٍ وَإِنِّي أَخْضَرُّ غَداً وَبَعْدَ غَدٍ أَمُوتُ»[4] .
فائدة: لقد وثّق الإمام الكاظم (عليه السلام) مظلوميته بنفسه، وقطع الطريق على محاولات الطمس والتدليس التي أرادها خصومه. وهذا المنهج في الحرص على توثيق المظلومية هو نفسه الذي نجده في قضية الإمام الحسين (عليه السلام). بل نُقل عن أحد المحققين الكبار -وإن لم يرضَ بطبع كتابه- أنَّه بحسب تتبعه، كان مع ركب الإمام الحسين (عليه السلام) شخص أمره الإمام والسيدة زينب عليهما السلام بكتابة الأحداث فقط، دون المشاركة في القتال، لتبقى شهادته محفوظة. ومقتضى القول المأثور: «شاء الله أن يراهن سبايا» أن يكنَّ شاهدات ومبلغات، لا السيدة زينب (عليها السلام) وحدها، بل سائر النساء كذلك.
وعليه، فإنَّ الإنصاف والموضوعية يقتضيان التسليم بأنَّ حدثاً جللاً كهذا، حضرت له السماء والأرض، لا يمكن أن تكون مصادر رصده ونقله محدودة؛ فكل عين كانت عدسة تصوير، وكل أذن كانت مسجلاً للصوت، فكيف لا يرصد الأئمة عليهم السلام نقل هذه الأحداث وتوثيقها؟
إنَّنا في صدد رصد أنواع كيفيات النقل التي جرت في عاشوراء، عبر مثال تطبيقي يسير، وهو المقتل المأثور الذي أورده الصدوق في عدة روايات ضمن مجالسه. ومن المفيد أن يقوم الباحث برصد الروايات من المجلس الرابع والعشرين إلى المجلس الواحد والثلاثين من أمالي الصدوق، فسيجد أنَّ الصدوق قد أورد مقاتل بقية الأئمة عليهم السلام أيضاً، ومن ذلك رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) في أنَّ الزهراء (عليها السلام) تُقتل وتُكسر ضلعها ويُسقط جنينها، وهي رواية أوردها في تلك المجالس. لكن التركيز الأكبر كان على الإمام الحسين (عليه السلام) وعاشوراء.
إنَّ رؤساء الطائفة والمراجع العظام كانوا يهتمون بنقل هذه الأحداث، فالصدوق كان المرجع الأعلى في زمانه، وابن قولويه، أستاذ الشيخ المفيد، كان المرجع الأعلى في بغداد، وقد ألف كتاباً كاملاً فيما يرتبط بالإمام الحسين (عليه السلام)، وهو كتاب كامل الزيارات، الذي قال عنه السيد الخوئي (رحمه الله) إنَّه من أعظم مصادر الحديث[5] . فترى أنَّ ديدن علمائنا الكبار هو الكتابة في مقاتل عاشوراء وأحداثها. ويمكن التحقق من ذلك بالرجوع إلى فهرست النجاشي أو فهرست الشيخ الطوسي، والبحث تحت عنوان “مقتل الحسين”، لترى قائمة بأسماء أعلام الطائفة الذين صنفوا في هذا الباب، سواء في عصر الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، أو في عصر الغيبة الصغرى والكبرى. فليس هذا الاهتمام حكراً على المؤرخين، بل هو اهتمام مراجع وفقهاء وأعلام.
ويتأكد هذا المعنى بالنظر في الروايات التي تحث على معرفة ظلاماتهم، كرواية فضل زيارة الإمام الرضا (عليه السلام): «مَنْ زَارَهُ عَارِفاً بِحَقِّهِ»، فلما سُئل الإمام عن معنى معرفة حقه، قال: «يَعْلَمُ أَنَّهُ إِمَامٌ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ، غَرِيبٌ شَهِيدٌ»[6] .
تنبيه: لقد جعل الإمام (عليه السلام) من ضمن المعرفة الواجبة بحقه، معرفة كونه “غريباً شهيداً”، أي معرفة مظلوميته. وهذه لعلها من أوائل الروايات التي تؤسس لهذا المفهوم.
والنتيجة: أنَّه إذا كانت معرفتنا بظلاماتهم وتفاصيلها منعدمة، فإنَّ معرفتنا بالأئمة أنفسهم تكون ناقصة. فليس المطلوب معرفة مقامهم وفضائلهم فحسب، بل لا بد من معرفة ما جرى عليهم من الظلم، فهو جزء من حقيقة الإمام.
ومما يؤيد هذا الاهتمام بأخبار أهل البيت عليهم السلام ما يرويه الطوسي والصدوق في أماليهما من أنَّ اصطفاء فاطمة بنت أسد أعظم من اصطفاء مريم بنت عمران[7] . إنَّ في الأحاديث كنوزاً وجواهر عجيبة، لكن الجو العلمي العام قد جانب قراءة الروايات والتدبر فيها. فهل ينزل علينا الوحي من جديد، أم أنَّ المأمور به هو التمسك بالثقلين؟
وفي هذه المجالس نفسها يروي الصدوق روايات مستفيضة عند الفريقين، منها قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم: «النَّظَرُ إِلَى عَلِيٍّ عِبَادَةٌ»[8] ، وقوله: «لَا يُقْبَلُ عَمَلُ عَبْدٍ إِلَّا بِوَلَايَتِهِ». وهذا المضمون هو عين مفاد قوله تعالى: ﴿…الْيَوْمَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا…﴾ [المائدة - 3]. ويُنقل عن السيد الخوئي (رحمه الله) في شرحه على العروة الوثقى قوله بأنَّ دلالة هذه الآية على الشهادة الثالثة «لا شبهة فيها»[9] ، بمعنى أنَّ رضا الرب بالشهادتين مشروط بالشهادة الثالثة بالولاية. وهذا المعنى متطابق مع الروايات المستفيضة التي مفادها أنَّه لا يُقبل إيمان عبد إلا بولايتهم، بل ورد في بعض طرق العامة ما هو شبيه بهذا المضمون: «عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إِيمَانَ عَبْدٍ إِلَّا بِمَوَدَّتِهِمْ».
إلّا بمودّة أهل البيت، وهذا إيمان لا عمل، وهو إيمان لا يقبله الله إنْ تخلّف، فيكون مردوداً وليس بإيمان، وهو عين الشهادة الثالثة.
وهناك روايات أخرى لها طرق عند العامة قريبة المضمون، وهي متطابقة مع آية إكمال الدين: ﴿…الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا…﴾ [المائدة: 3]. ومفاد ذلك أنَّه بدون ما حصل في ذلك اليوم، فلا رضا من الله رب العالمين بدينكم المتمثل بالشهادتين. وهذه الآية حاكمة على كل شخص، وهي بمثابة حكومة تفسيرية ونصٌّ يكشف عن حقيقة عقائدية شرعية أسستها الآية، وهي توقيف من الله، ومقتضاه أنَّه لا رضا منه تعالى بالشهادتين إلّا بهذا الشرط الذي اشترطه رب العالمين. وليس للعبد أن يجبر ربه فيقول: ارضَ بما عندنا، فالله عز وجل لا يُجبَر على شيء.
فالله عز وجل قد اشترط شرطاً في حقيقة الدين الشرعية والعقائدية، فالدين واحد لا أديان. والإسلام الواقعي واحد، وأمّا ما يظهر من بعضهم فهو إسلام ظاهري. فمفاد الآية: ﴿…وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ هو أنَّ الرضا مشروط بما جرى في ذلك اليوم. وقد ذهب السيد الخوئي (رحمه الله) في شرحه على العروة إلى أنَّ دلالة الآية على هذا المعنى لا شبهة فيها[10] .
وكذلك يذهب السيد بحر العلوم (رحمه الله). وهذا يفتح الباب على بيان الفوائد العظيمة والأسرار العجيبة الكامنة في الروايات، والتي هُجرت في الأجواء الحوزوية، وهي كنوز في المعارف والفقه والتفسير. ففي بعض الروايات التي يرويها الصدوق عن النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم، نجد قيوداً دقيقة، من قبيل تقييد أزواجه بـ«الطاهرات من أزواجي أمهات المؤمنين»، وهو قيد عجيب لمن يتأمله. والجواهر التي يقف عليها المتتبع في بطون الروايات كثيرة، وفيها بحوث استدلالية تشير إلى قواعد مسلمة، بغض النظر عن البحث في سند كل رواية بعينها.
أهمية علم الحديث ودور الأعلام في الحفاظ عليه
إنَّ علم الحديث متروك اليوم، وقد يُقال لمن يهتم به: يا أخباري! والحال أنَّ كبار علمائنا كانوا محدِّثين. فالشيخ الطوسي، وهو أصولي، كان محدِّثاً ملماً بعلم الحديث، بل إنَّ كتبه الحديثية أكثر من كتبه الفقهية. وقد كُتب على كتابه التهذيب: الفقيه، المتكلم، الرجالي، المحدث، المفسر. وكذلك الشيخ المفيد، وهو المرجع الأعلى في زمانه، كان متكلماً وفقيهاً ومحدِّثاً، وله كتب في الحديث كالأمالي والمزار. بل إنَّ أكثر الكتب التي يرويها الشيخ الطوسي وصلت إليه عن طريق الشيخ المفيد، مما يدل على أنَّ للمفيد مجلساً لإملاء الحديث غير مجالس الفقه والكلام. وهذا ينسحب على النجاشي، المرجع الأعلى والفقيه. ومن اللافت أنَّ أكثر مؤلفات الشيخ المفيد كانت في علم الكلام والعقائد، وقليل منها في الفقه. ففكرة أنَّ علم الحديث يخص الأخباريين دون الأصوليين غير صحيحة، بل هو علم يشمل الطائفتين.
ومن شواهد اهتمام الأعلام بالحديث، أنَّ العلامة الطباطبائي والسيد هادي الميلاني، وهما فقيهان أصوليان مفسران، قد تباحثا في كتاب وسائل الشيعة متناً وسنداً من أوله إلى آخره، وهذا أمر معروف. فالعلامة الطباطبائي، على الرغم من كونه فيلسوفاً ومفسراً وفقيهاً وأصولياً، كان له اهتمام بالغ بالحديث. وقد نُقل عن السيد الخوئي قوله في حقه: لو تصدى للمرجعية لما نقص عن غيره شيئاً. وينقل تلميذه الشيخ جعفر السبحاني حفظه الله أنَّ العلامة الطباطبائي قرأ بحار الأنوار مرتين، ولخصه مرتين، وهذا يدل على كونه محدِّثاً أيضاً.
والشاهد من كل هذا هو بيان مدى اهتمام الأعلام بعلم الحديث، وكيف أنَّنا اليوم نحرم أنفسنا والمسار العلمي في الحوزات من هذا المعين. - فينقل فخر المحققين ابن العلامة الحلي في إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد أنَّه درس الفقه على والده دورتين كاملتين، وكان المتن المعتمد في الدرس هو كتاب تهذيب الأحكام، حيث كانوا يبحثون رواياته روايةً رواية. وقد أشار الميرزا النوري إلى هذا الموضع في خاتمة مستدرك الوسائل في معرض بيانه لفضل علم الحديث. - ويذكر الميرزا النوري (رحمه الله) أيضاً أنَّه شاهد نسخاً من التهذيب كُتبت بيد تلاميذ الشهيد الثاني. مع أنَّ الشهيد الثاني أصولي وليس إخبارياً، إلّا أنَّ اهتمامه بالحديث كان جلياً، فمن أين يستنبط الفقيه إنْ لم يكن من الحديث والآيات؟ - وكذلك ذُكر في ترجمة السيد بحر العلوم أنَّه كان يدرِّس الفقه على متون كتب الحديث لا على متون الكتب الفقهية؛ وذلك حتى لا يغفل الفقيه عن بعض المتون الحديثية.
والغرض من هذه الشقشقة هو التنبيه على أنَّ الإنسان عندما يتأمل بحر الجواهر والدرر في الأحاديث، يجدها تشير إلى قواعد قرآنية وحديثية متواترة، فالقضية ليست مجرد اعتماد على سند ظني.
إذاً، يتضح أنَّ كتابة مقتل سيد الشهداء كانت ديدن علماء الطائفة ورؤسائها ومراجعها العليا، لا مجرد عمل الرواة والخطباء؛ وذلك التفاتاً منهم إلى أنَّ هذا أمر ديني بالغ الخطورة. وفي هذا السياق، يُنقل عن السيد محمد الروحاني (رحمه الله) قوله: «جزا الله الخطباء خير الجزاء»، وحين سُئل عن السبب قال: «لأنَّ الحوزات طوال سبعة قرون اشتغلت بالفقه والأصول، وتركت الشعائر والعقائد…». فكان (رحمه الله) يعاتب على هذه المنهجية في الحوزة، ويرى أنَّها ناقصة وتحتاج إلى تكامل.
وقد ورد في رواية في كتاب عقاب الأعمال للصدوق ما يؤكد هذا المعنى، حيث جاء فيها: «مَنْ لَمْ يَعْرِفْ سُوءَ مَا أُوتِيَ إِلَيْنَا مِنْ ظُلْمِنَا وَ ذَهَابِ حَقِّنَا وَ مَا نُكِبْنَا بِهِ فَهُوَ شَرِيكُ مَنْ أَتَى إِلَيْنَا فِيمَا أُولِينَا بِهِ»[11] . وهذه رواية خطيرة، فإنَّها تجعل الجاهل بظلامتهم شريكاً للظالمين. ومقتضاها أنَّ أصل معرفة الأئمة لا تتحقق بدون معرفة الظلامة التي جرت عليهم.