48/01/15
منهج التحقيق في مصادر عاشوراء: إثبات التواتر الإجمالي
في البدء، أحببت هذا العام أن أتطرق إلى منهج رجالي في كتب المقاتل؛ وهذا المنهج يوفر تواتر القرائن واستفادة الشواهد على جملة كبيرة من أحداث عاشوراء. وهذا البحث في عاشوراء، كما مر، ليس مقتصراً على حادثة عاشوراء، بل يعم سيرة المعصومين صلوات الله عليهم؛ ولكن كنموذج بارز له نتناول حادثة كربلاء وعاشوراء.
مدخل إلى منهج التواتر الإجمالي في أحداث عاشوراء
وهذا المنهج الذي نريد أن نخوض فيه هو منهج رجالي في مصادر تراث عاشوراء وكتب المقاتل، سواء المتأخرة منها أم المتقدمة، وهو يبرهن بقوة على أنَّ القرائن والشواهد متواترة تواتراً إجمالياً.
ولا يخفى أنَّ السيد الخوئي (رحمه الله)، على سبيل المثال، قد بنى على حجية التواتر الإجمالي في كتابه معجم رجال الحديث.[1] ومع أنَّ المنهج الذي سنعرضه يغاير مبنى السيد الخوئي، إلا أنه يثبت النتيجة عينها. والحق أنَّ ما نستعرضه ليس منهجاً من ابتكارنا، بل هو منهج رجالي قائم بذاته.
فائدة: إنَّ المناهج الرئيسة في علم الرجال قد تبلغ ثمانية عشر منهجاً.[2]
والحاصل: أنَّ المنهج الذي سنستعرضه يقودنا إلى نتيجة التواتر الإجمالي. وسيأتي بيانه لاحقاً، ويمكن أن نسميه مؤقتاً: “منهج التحقيقات والتحريات”، وهو منهج ذو نمط عقلائي نظير ما هو متبع في علم الآثار، إذ يجمع بين المناهج التاريخية وغيرها، وسنأتي لبيانه إن شاء الله.
والنتيجة التي يؤدي إليها هذا المنهج هي ثبوت التواتر الإجمالي لأحداث عاشوراء.
والسؤال الآن: ما الفائدة الصناعية المترتبة على إثبات هذا العلم الإجمالي أو التواتر الإجمالي؟
والجواب: أنَّ هذا التواتر الإجمالي هو ذاته المبنى الذي اعتمده السيد الخوئي في علم الرجال، حيث بنى عليه حجية تفاصيل أقوال الرجاليين استناداً إلى التواتر الإجمالي لكتب الرجال. ففي المجلد الأول من معجم رجال الحديث، قرّر السيد الخوئي أنه ما دامت لدينا شواهد وقرائن تفيد بتواتر كتب الرجال، فإنَّ تفاصيل ما ورد فيها من أقوال للرجاليين تكون معتبرة، حتى وإن لم يصلنا سندها على نحو تفصيلي.[3]
وهذا ليس قفزاً في الاستنتاج، بل هو تطبيق لمبنى السيد الخوئي الذي إذا تم الالتزام به، فإنه يعم بآثاره سائر العلوم الدينية من فقه الفروع، وعلم الأخلاق، والسنن، والسيرة، والتفسير؛ وذلك لأنَّ علم الرجال هو الذي يمهد الطريق للاستنباط في كل هذه العلوم.
على أننا لسنا الآن في صدد تقرير هذا البحث من زاوية أصولية، وإنما هو مجرد فهرسة للمبحث لمن أراد التثبت من أنَّ السيد الخوئي قد بنى في جُلّ علم الرجال على التواتر الإجمالي لكتب الرجال. وهذا المبنى، وإن كان محل أخذ ورد بين المحققين، حتى قيل إنه شبيه بمبحث الانسداد[4] وليس عينه، فإنَّ كثيراً من تلامذة السيد الخوئي قد ارتضوه وفاقاً له.
وليس غرضنا الآن الخوض في صحة هذا المبنى من عدمها، أو المفاضلة بينه وبين غيره من المباني؛ فإنَّ في علم الرجال خيارات متعددة ومناهج شتى، لا تنحصر في خيار واحد أو اثنين، بل إنَّ المناهج الرجالية البارزة تبلغ ثمانية عشر منهجاً، فضلاً عن غيرها.
**
خارطة البحث: مقتل الصدوق في الأمالي كنموذج تطبيقي
إذن، ما هي خارطة البحث؟** إنَّ لدينا أبحاثاً أخرى في فقه عاشوراء، كالفقه العقدي والفقه السياسي، سنصل إليها إن شاء الله، لكن هناك بحثاً متقدماً في سلسلة الاعتبارات نعاود الكلام عنه الآن. فمحل بحثنا الآن هو ذلك المنهج الرجالي الذي أسميناه “منهج التحقيقات والتحريات” وتطبيقه على قضية عاشوراء.
ولنستعرض الآن معالم هذا المنهج: سنذكر لهذا المنهج نموذجاً تطبيقياً عملياً من كتب المقاتل، وسنختار أحد كتب المقاتل القديمة المعتبرة والمعول عليها، وهو مقتل الشيخ الصدوق في كتابه الأمالي.
توضيح: إنَّ كتاب الأمالي للشيخ الصدوق، والذي يسمى أيضاً مجالس الصدوق، ينتمي إلى نمط من التصنيف يعرف بـ”الأمالي” أو “المجالس”، كـأمالي المفيد وأمالي الطوسي. وهذا النمط هو عبارة عن سلسلة من الدروس في علم الحديث ونقله، يمليها أحد الأعلام — كالشيخ الصدوق أو المفيد أو الطوسي — على تلامذته. وهذا هو ما صنعه الشيخ الصدوق في المجالس من الرابع والعشرين إلى الواحد والثلاثين تقريباً، مع وجود روايات أخرى فيها غير مرتبطة بمحور الموضوع الأصلي.
فمن طبيعة التأليف والإملاء عند أعلام الحديث، كالشيخ المفيد والطوسي والسيد المرتضى وقبلهم الصدوق، أن يكون لديهم هذا النوع من التصنيف. وفي هذا النمط، يذكرون سلسلة السند متصلة، على خلاف منهجهم في كتب أخرى مثل التهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه، التي قد تعتمد على المشيخة أو تروي من كتب متقدمة. أما في الأمالي، فيُذكر السند كاملاً لكل رواية، وكأنها مرويات لم تؤخذ من كتب حديث سابقة، بل هي من محفوظات الشيخ التي يمليها من صدره.
ويشهد لذلك قول النجاشي في فهرسته عند ترجمته للرواة، حيث يفرق بين “كتبه” و”رواياته”، فيقول: “رويت لنا كتبه ورواياته”، والمقصود بـ”رواياته” هي تلك التي لم يودعها في مصنفاته، وإنما أملاها حفظاً عن مشايخه على تلامذته.
والحاصل: أنَّ هذا النمط من نقل الرواية، المسمى بـ”الأمالي” أو “المجالس”، هو أسلوب متعارف عليه عند أعلام الطائفة وشيوخ الحديث.
وقد ضمّن الشيخ الصدوق (رحمه الله) كتابه الأمالي ما يقارب أربعة وتسعين مجلساً. وما يهمنا منها هو ما يبدأ من المجلس الرابع والعشرين تقريباً إلى المجلس الواحد والثلاثين، فقد جعل الشيخ الصدوق هذه المجالس غالباً، لا دائماً، مخصصة لأحداث الطف، وإن تخللتها موضوعات أخرى متفرقة على سبيل الكشكول. فمن المجلس الرابع والعشرين إلى الواحد والثلاثين (أي المجالس: 24، 25، 26، 27، 28، 29، 30، 31)، وهي نحو ثمانية مجالس، خصصها الصدوق لمقتل الطف وما يرتبط به من شأن الإمام الحسين (عليه السلام)، ويحتوي كل مجلس منها على سبع روايات أو عشر، أو ما يزيد على ذلك وينقص.
تحديد جهة البحث: إنَّ غرضنا من هذا الاستعراض ليس شرح أسانيد هذه الروايات سنداً سنداً، ولا قراءة متونها تفصيلاً، إلا على نحو عابر. كما أننا لسنا في صدد تنقيح الأسانيد للحكم عليها بالاعتبار أو عدمه، ولا نحن بصدد استنباط فقه المتن أو تفاصيل أحداث الواقعة.
إذن، ما هو الهدف؟ الهدف هو أمر آخر تماماً، وهو أن نقرأ في هذه الأسانيد وبعض مقاطع المتون لغاية محددة. إننا بصدد الإشراف على مدى تداول أحداث عاشوراء جيلاً بعد جيل؛ لنرى كيف كان يتم تداول رواياتها في زمن الإمام السجاد، والباقر، والصادق، والكاظم، والرضا، والجواد، والهادي، والعسكري عليهم السلام، ومن بعدهم إلى عصر الصدوق وما تلاه. فمقصودنا إذن هو النظر في هذه المنهجية لإبطال ما يُظن من أنَّ روايات المقاتل منحصرة حصراً في كتب المقاتل المشهورة، وهو خطأ شائع.
الإشكال المطروح: هو حصر رواة أحداث عاشوراء في حميد بن مسلم أو أبي مخنف أو الطبري، وهذا خطأ كبير وقع فيه كثير من الباحثين، بل جُلّهم. وما سنقرأه من أسانيد الصدوق يخدم غرضنا في إثبات هذه الظاهرة العلمية في تراثنا، والتي إذا ثبتت، فإنها ستؤدي بنا إلى نتيجة مهمة.
والنتيجة هي: أنَّ أحداث عاشوراء قد نُقلت إلينا بالتواتر عبر أنماط وطرق ونماذج متعددة ومتنوعة جيلاً بعد جيل. بل إنَّ أنماط نقلها أوسع بكثير من أنماط نقل روايات فقه الفروع، بل وحتى روايات المعارف، التي قد تسلك طريقاً إطارياً مقرراً. وسنأخذ في بيان ذلك على نحو تفصيلي، لا في تفصيل الطرق والمتون، بل في تفصيل الشواهد الدالة على أنَّ أحداث عاشوراء كانت تُنقل بآليات لا حصر لها في كل جيل.
فبحثنا إذن ليس في لقطة معينة من عاشوراء أو سند خاص، بل في الآلية الكلية للنقل. ويُعتبر مقتل الشيخ الصدوق هذا “مقتلاً مأثوراً”، أي أنه مسند بالكامل. وهو يضم في هذه المجالس الثمانية ما يقارب الخمسين أو الستين رواية أو أكثر، وسنرى من خلالها أنَّ طرق نقل أحداث عاشوراء لم تكن على وتيرة واحدة.
ومثال ذلك: شبكة المعلومات الرقمية (الإنترنت)، التي لا يمكن حصر مساراتها بزاوية واحدة أو بضع زوايا. فكيف يمكن لهذه الروايات الخمسين أو الستين أن تحصر نقل أحداث عاشوراء بما رواه حميد بن مسلم أو أبو مخنف في الطبري؟ من قال إنَّ أحداث عاشوراء محصورة بهذا الباب الضيق؟ إنَّ الأمر أوسع من ذلك بكثير، كما سيتبين لنا إن شاء الله.
فهذه دراسة قائمة على التحري والتحقيق لإثبات أنَّ طرق نقل واقعة عاشوراء كانت متداولة بين الأجيال بأنواع شتى، على نحو لم تتمكن الدول المتعاقبة، من أموية وعباسية وعثمانية وغيرها، من طمس هذه الحادثة. وقد هُيِّئ لهذه الواقعة أمر سماوي قبل أن يُخلق سيد الشهداء (عليه السلام)، بل قبل أن يُخلق سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله).
في هذا الصدد، وهو صدد الأسانيد التي ذكرها الصدوق، فإنَّ هذه الأسانيد تبيّن تنوّع طرق النقل وتعدّدها، وقس عليه فعلاً وتفعيلاً؛ فقد كانت النماذج نمطية لها مثيلات ومماثلات إلى ما لا حصر له ولا عدد، وكل نمط فيه تنوّع وكثرة في أنماطه، والتنوّع إلى ما شاء الله.
شبكات النقل: تحليل نماذج من أمالي الصدوق
نبدأ بالمجلس الحادي والثلاثين، ونقرأ الرواية الأخيرة فيه قهقرى؛ لا شرحاً لحال الأسانيد، ولا شرحاً للمتن أو الأحداث، بل سنركّز على هذا النقل المأثور للمقتل، وكيفية تمام عملية النقل الإعلامي والمعلوماتي لأحداث عاشوراء في كل جيل، فنحن في هذا الصدد فحسب.
يروي الصدوق عن ابن الوليد، عن الحسن بن المتين الدقاق، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن الديلمي وهو سليمان المعروف، عن عبد الله بن لطيف التفليسي، [5] عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام). وهذه الرواية لم يتفرّد بها الصدوق، بل رواها الكليني والصدوق أيضاً في كتابه من لا يحضره الفقيه.[6] وعلى أي حال، لسنا في صدد شرح تفاصيل الطريق.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «لَمَّا ضُرِبَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِالسَّيْفِ، ثُمَّ ابْتُدِرَ لِيُقْطَعَ رَأْسُهُ، نَادَى مُنَادٍ…». ونحن هنا بصدد تركيز العدسة على سيد الشهداء (عليه السلام)، فلاحظ كيف أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) يتحدّث إلى تلاميذه عن لقطات خطيرة وحسّاسة في عاشوراء. وكما ترى، فإنَّ هذا هو ديدن الإمام الصادق (عليه السلام)، الذي كان من أكثر الأئمة إكثاراً من ذلك، كما هو منقول أيضاً عن الإمام الباقر (عليه السلام) وغيره، فكل الأئمة من السجاد والباقر ومن بعدهم، كالإمام الرضا والإمام الهادي (عليهما السلام)، كانوا يُكثرون من تذكير شيعتهم وتلاميذهم بحادثة عاشوراء.
إذن، الرواة لحادثة عاشوراء ليسوا سائر الناس فحسب، بل إنَّ في صدارتهم الأئمة (عليهم السلام) أنفسهم، الذين ينقلون بعدسة وحيانية لقطات مهمة وخطيرة. فالقضية ليست مرتبطة بهذه اللقطة أو تلك الرواية، بل إنَّ ذلك يبيّن وجود ديدن راسخ عند الأئمة (عليهم السلام) بعد وقعة عاشوراء لسرد تفاصيلها. فإذا كان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يتعرّضون في التفاسير الروائية كتفسير القمي والعياشي والفرات الكوفي وغيرها، لجلائل ودقائق قصص الأنبياء كقصة النبي يوسف (عليه السلام) في سورته، وإذا كان أبو حمزة الثمالي يعكف أياماً يتردّد على الإمام السجاد (عليه السلام) لنقل تفاصيل سيرته، فكيف الحال بمن هو أعظم شأناً، ويؤكّدون هم أنفسهم على الانشداد إليه بقول مطلق بلا حد؟ إنَّ انشداد الإمام زين العابدين (عليه السلام) لحادثة عاشوراء كان أشد بأضعاف مضاعفة من انشداده لغيرها، وهكذا كان دأب الإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الرضا وبقية الأئمة (عليهم السلام) في بيان قصص الأنبياء وسيرهم. فكم يا تُرى روى الأئمة من ولد الحسين (عليهم السلام) من لقطات وأحداث عن عاشوراء، حتى إنَّها قد تخفى على من حضر الواقعة نفسها؟ إنَّ عدسة الوحي لدى الأئمة (عليهم السلام) تختلف عن عدسة الحسّ بلا قياس. بل إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) كان يرسل جبرائيل (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما في روايات كثيرة، ليسرد له لقطات حسّاسة عن عاشوراء قبل ولادة سيد الشهداء (عليه السلام) وبعدها.
والحاصل: أنَّ جهاز الوحي، بدءاً من الله تعالى، ومروراً بجبرائيل (عليه السلام) وسيد الرسل (صلى الله عليه وآله)، وانتهاءً بالمعصومين (عليهم السلام)، قد جُنّد وقُيّض لرصد أحداث عاشوراء ولقطاتها. وإذا جُنّد الوحي لحدث ما، فمن الطبيعي أن يكون متواتراً جيلاً بعد جيل. وما هو ديدن سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) في هذا المجال؟ لقد حثّ النبي (صلى الله عليه وآله) على رواية مقطع من مقاطع عاشوراء، وهو بكاء السماء دماً، ومن أثار هذا الباب هو سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) نفسه، عندما أودع أم سلمة تراب أرض كربلاء وأخبرها بما سيجري. فإذا كان جهاز الوحي كله قد جُنّد لهذا الأمر، فكيف لا يكون متواتراً؟
الرواية الرابعة: في المجلس الحادي والثلاثين من أمالي الصدوق، يروي الصدوق عن محمد بن علي ماجيلويه القمّي، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن نصر بن مزاحم المؤرخ الكبير، عن لوط بن يحيى أبي مخنف، عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت علي (عليهما السلام)، وهي بنت أمير المؤمنين وأخت الإمام الحسين (عليهما السلام) من أم أخرى، وقد عُمّرت طويلاً. قالت: «ثُمَّ إِنَّ يَزِيدَ (لَعَنَهُ اللَّهُ) أَمَرَ بِنِسَاءِ الْحُسَيْنِ (ع) فَحُبِسْنَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (ع) فِي مَحْبِسٍ… وَ لَمْ يُرْفَعْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ حَجَرٌ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا وُجِدَ تَحْتَهُ دَمٌ عَبِيطٌ، وَ أَبْصَرَ النَّاسُ الشَّمْسَ عَلَى الْحِيطَانِ حَمْرَاءَ كَأَنَّهَا الْمَلَاحِفُ الْمُعَصْفَرَةُ… إِلَى أَنْ خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (ع) بِالنِّسْوَةِ وَ رَدَّ رَأْسَ الْحُسَيْنِ (ع) إِلَى كَرْبَلَاءَ».[7] كان لفاطمة بنت علي (عليها السلام) مواقف مُستأسِدة، حتى إنَّ المختار الثقفي استمد منها الدعم في ثورته، وكان الإمام الصادق (عليه السلام) يستشهد بسيرتها في بعض السنن النسائية. فحينما يريد المرء أن يعيش ذلك الجو، عليه أن ينظر في هوية النقَلَة وأدوارهم ومحوريتهم، ليرى أنَّ البيت الهاشمي والعلوي كان يزخر بنجوم تصدّوا لرصد أحداث عاشوراء ونقلها، مع أنَّ بعضهم لم يكن في الطف.
والمقصود: أنَّ بنات أمير المؤمنين (عليه السلام)، غير السيدة زينب (عليها السلام)، قد تصدّين أيضاً لنشر حقائق عاشوراء وأحداثها، وهذا جانب نسوي مهم. وسيأتي ذكر صفية بنت عبد المطلب، عمة الرسول (صلى الله عليه وآله)، التي تصدّت أيضاً لنقل أحداث عاشوراء عن لسان الرسول (صلى الله عليه وآله) قبل وقوعها. فلاحظوا كيف كان البيت الهاشمي، من الهاشميات والعلويات، بمثابة بوق كبير ومطهّر لنقل أحداث عاشوراء، ولا يُستهان بالجانب النسوي في الإعلام. فهذا مصدر آخر ونمط آخر من النقل، ويقتصر البعض على حميد بن مسلم أو أبي مخنف، ولكن من قال إنَّ النقل محصور بهما؟ إننا هنا بصدد اكتشاف شبكات النقل المتعددة، التي تثبت أنَّ الواقعة متواترة تواتراً في تواتر.
الرواية الثالثة: عندما يرى الباحث أنَّ شيوخ الصدوق الكبار، وهم رؤساء الطائفة، يحرصون على جمع هذه اللقطات عن أحداث عاشوراء، فإنَّ ذلك يكشف عن مدى ترسّخ هذه الحادثة في وعي الأجيال اللاحقة، لا فقط الأجيال المعاصرة للواقعة أو التي تلتها بقليل، بل حتى في القرون الثالث والرابع. فهذا باب آخر وشبكة أخرى للنقل، تضاف إلى شبكة النقل النسوي المتمثلة بفاطمة بنت علي وصفية بنت عبد المطلب وأم سلمة وغيرهن، وهو جانب كان ألصق بالحادثة وأكثر اعتماداً في نشر مظلومية أهل البيت (عليهم السلام). وقد نقلنا سابقاً قول أحد كبار علماء أهل السنة بأنَّ كتب مقتل سيد الشهداء (عليه السلام) لا تُعد ولا تُحصى.
شبكة النقل الثالثة: شهادات من داخل جهاز السلطة الأموية
يروي الصدوق هذه الرواية عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، عن الجلودي، عن محمد بن زكريا، عن محمد بن يزيد، عن أبي نعيم، عن حاجب عبيد الله بن زياد. فالناقل هنا هو حاجب عبيد الله بن زياد نفسه، فانظر إلى أين امتدت عدسة النقل؛ إلى قلب جهاز السلطة الأموية. قال الحاجب: «لَمَّا جِيءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ (لَعَنَهُ اللَّهُ) أَمَرَ فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ…».[8] ثم يذكر تفاصيل ما جرى.
ثم أمر بعلي بن الحسين عليهما السلام فغُلَّ وحُمِل مع النسوة، فخطبت زينب (عليها السلام) قائلةً: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَنَا بِمُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) وَطَهَّرَنَا تَطْهِيراً»[9] . وقد جاء ذلك رداً على قول ابن زياد: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم. فقالت (عليها السلام): «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَنَا بِمُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) وَطَهَّرَنَا تَطْهِيراً، إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ وَيَكْذِبُ الْفَاجِرُ». فقال ابن زياد: كيف رأيتِ صنع الله بأهل بيتك؟ قالت: «مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلْجُ يَوْمَئِذٍ». فغضب ابن زياد عليها وهمَّ بقتلها، فسكنه عمرو بن حريث، وذلك ضمن تفاصيل أمر السبايا وغضبه.
والشاهد هنا: أن الناقل لهذه الأحداث هو حاجب عبيد الله بن زياد نفسه. وهذا تفصيل له دلالته، إذ يتبين منه أن جهاز السلطة الظالم نفسه، بما فيه من عناصر، سواء كانت سيئة أم محايدة أم مائلة لمحبة أهل البيت عليهم السلام، قد أسهم في نقل وقائع الطف. فقد نقلها أبو نعيم، وأحمد بن محمد بن يزيد، حتى وصلت إلى طرق مشايخ الإمامية. فخبر صدر من داخل سلطة الظالمين، أو تقارير من جلاوزتهم وأعوانهم، وصل إلى بيئة مشايخ الإمامية.
ومما يثير النظر الوقوف على أنواع شبكات النقل هذه؛ فإذا أردنا استخدام مصطلح معاصر، فإننا نجد ما يشبه وكالات الأنباء التي نقلت أحداث عاشوراء، فهناك وكالة أنباء نسوية، ووكالة أنباء من بني هاشم، بل ووكالة أنباء من نفس الأعداء وجلاوزة السلطان، وهي وكالات أنباء لا حصر لها. والحق أن شبكات النقل، على التحقيق، لا تكاد تعد ولا تحصى. فإذا قيل إن وكالات الأنباء في العالم تبلغ مئة وخمسين أو مئتي وكالة، فإن وكالات أنباء عاشوراء ومحطات نقلها وبثها أكثر من ذلك بكثير جداً. ونمر على هذا الباب سريعاً، لننتقل في الجلسة القادمة إلى المباحث الأخرى.
الرواية الثانية التي ذكرها الصدوق في هذا المجلس الواحد والثلاثين، يرويها أيضاً عن أستاذه محمد بن موسى بن المتوكل، مما يدل على أن نفس المشايخ الذين يروون فقه الفروع أو المعارف كانوا يروون أحداث عاشوراء، وهو ما يعكس اهتماماً على مستوى كبار الطائفة. يرويها عن علي بن الحسين السعدآبادي، عن البرقي الابن، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن عبد الله بن الحسن المثنى، عن أمه فاطمة بنت الحسين عليهما السلام.
قالت فاطمة بنت الحسين عليهما السلام، التي شهدت الواقعة بنفسها: «دَخَلَتِ الْغَاغَةُ عَلَيْنَا الْفُسْطَاطَ، وَأَنَا جَارِيَةٌ صَغِيرَةٌ وَفِي رِجْلَيَّ خَلْخَالَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَفُضُّ الْخَلْخَالَيْنِ مِنْ رِجْلَيَّ وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟ فَقَالَ: كَيْفَ لَا أَبْكِي وَأَنَا أَسْلُبُ ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ فَقُلْتُ: لَا تَسْلُبْنِي. قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَجِيءَ غَيْرِي فَيَأْخُذَهُ. قَالَتْ: وَانْتَهَبُوا مَا فِي الْأَبْنِيَةِ حَتَّى كَانُوا يَنْزِعُونَ الْمَلَاحِفَ عَنْ ظُهُورِنَا»[10] .
فهذه لقطة من بنت الإمام الحسين (عليه السلام) نقلتها لابنها عبد الله بن الحسن، الذي كان في زمن الإمام الصادق (عليه السلام). إنها وكالة أنباء نسوية من داخل البيت العلوي، بل من داخل الخيام أصلاً؛ فحميد بن مسلم لم يدخل الخيام، فكيف له أن يعلم كل هذه التفاصيل، وإن دخل ففي مقطع لا في كل المقاطع.
الرواية الأولى التي نقرأها لنختم بها هذا المبحث في كيفية النقل، يرويها الصدوق أيضاً عن مشايخه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، عن البرقي الابن، عن داود بن أبي يزيد، وفي سند آخر عن أبي الجارود، وابن بكير، وبريد بن معاوية العجلي، عن الإمام الباقر (عليه السلام).
قال الإمام الباقر (عليه السلام): «أُصِيبَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَوُجِدَ بِهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ ضَرْبَةً بِسَيْفٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ»[11] ، وورد في الرواية أنها كانت كلها في مقدَّم جسده، لأنه (عليه السلام) كان لا يولّي.
والملحوظ هنا أن الإمام الباقر (عليه السلام) يحدث بهذا الحديث فقهاء أصحابه، كبريد وابن بكير وأبي الجارود، حول ما جرى على خصوص جسد الحسين (عليه السلام). وهي تفاصيل يركز عليها الأئمة عليهم السلام لقطةً بلقطة. ومن الطبيعي أن يشد الأئمة عليهم السلام تلامذتهم وأتباعهم بأحداث عاشوراء، وهم أدرى بما حدث. فكان مجلسه (عليه السلام) مِصداقاً لإحياء ذكر سيد الشهداء، سواء أقامه الإمام الباقر أم السجاد أم الصادق أم الكاظم أم الرضا أم الهادي عليهم السلام، وهو ما يمثل شبكة نقل متصلة بأنباء الوحي.
والحاصل: أن قضية عاشوراء لم تكن أمراً قابلاً للسبات أو الركود في مكان واحد، فكيف يصح القول بانحصار طرق المقتل بطريق واحد أو شبكة واحدة أو اثنتين؟ بل هي شبكات متعددة ومتصلة يداً بيد. وسنواصل إن شاء الله تسليط الضوء على كيفية النقل في أحداث عاشوراء عبر الأجيال، وصولاً إلى القرن الرابع والخامس وما بعدهما. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.