47/07/17
الموضوع: المعاملات / كتاب الخيارات (72)
وجه الاستدلال في هذه الصَّحيحة: هو أنَّها دلَّت على أنَّ مَنْ رأى عيناً -كالضَّيعة مثلاً- ولاحظها، ثمَّ بعد فترةٍ من الزَّمن اشتراها بدون أن يراها حال العقد، ثمَّ ظهرت على خلاف ما رآه من الأوصاف، فله الخيار في فسخ العقد أو إمضائه.
ولكن قد يُشكل: بأنَّ هذه الصَّحيحة لا تدلّ على تخلُّف الوصف؛ إذ لم يوجد في الصَّحيحة أنَّ القطعة الَّتي لم يقلِّبها ولم يرَها ظهرت على خلاف ما كانت عليه، بل هي ظاهرة في أنَّ مَنْ اشترى شيئاً ولم يرَه فله خيار الرُّؤية.
ومن هنا، قد يُشكل: بأنَّها ظاهرة في بطلان المعاملة للغرر، حيث لم يرها حين المعاملة، ولم تُوصف له، ويكون من قوله: (لكان له في ذلك خيار الرُّؤية)[1] هو الخيار بالمعنى الآخر -لا المعنى الاصطلاحيّ- وهو أنَّ له الخيار في الشِّراء مرّةً أُخرى.
ولكنَّ الإنصاف: أنَّها دالَّة على خيار الرُّؤية؛ وذلك لقول السَّائل في الصَّحيحة (فلمَّا أن نقد المال صار إلى الضَّيعة فقلبها، ثمَّ رجع فاستقال صاحبه)[2] ، فإنَّه ظاهر في أنَّه نادم على هذا الشِّراء، وأنَّ هذا النَّدم إنَّما حصل له بعد دخوله الضَّيعة لا قبله.
وعليه، فلو كانت الضَّيعة كما اعتقدها لما كان لندمه وجه؛ لأنَّه لو كان نادماً على أصل المعاملة لكان نادماً من الابتداء، لا بعد دخوله، وبما أنَّ ظاهر الصَّحيحة أنَّ النَّدم بعد الدُّخول، وبعد تقلُّب الضَّيعة، فيُفهم منها أنَّ السَّبب في ذلك هو عدم رُؤية الضَّيعة على ما وُصفت، أو عدم رُؤية الضَّيعة على ما اعتقده من الأوصاف.
والخلاصة: أنَّها دالَّة على خيار الرُّؤية.
والظَّاهر: أنَّ المراد: له الخيار في المجموع -أي: في كلِّ الضَّيعة- لا خصوص ما لم يرَه، والَّذي يحصل التّضرُّر به بتبعُّض الصَّفقة على البائع؛ وذلك لأنَّ الضَّمير في قوله: (لكان له فيه خيار الرُّؤية) [3] راجعٌ إلى الضَّيعة، لا إلى القطعة.
ومنها: صحيحة زيد الشّحَّام (قال: سألتُ أبا عبد الله (عليهالسلام) عن رجل اشترى سهام القصَّابين من قبل أن يخرج السَّهم، فقال: لا تشترِ شيئاً حتَّى تعلم أين يخرج السَّهم، فإن اشترى شيئاً فهو بالخيار إذا خرج) [4]
قال صاحب الحدائق (رحمه الله): (توضيح معنى هذا الخبر ما رواه الشَّيخان المذكوران -أي: الشَّيخ الكلينيّ، والشَّيخ في التَّهذيب- في الصَّحيح عن عبد الرَّحمان بن الحجاج عن منهال القصَّاب «قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): أشتري الغنم، أو يشتري الغنم جماعة، ثمَّ يدخل داراً، ثمَّ يقوم على الباب فيعد واحداً واثنين وثلاثة وأربعاً وخمساً، ثمَّ يخرج السَّهم، قال: لا يصلح هذا، إنَّما تصلح السِّهام إذا عدّلت القسمة»[5] [6]
ثمَّ قال: (والمراد منه: أنَّه إذا اشترى عشرة مثلاً مائةً من الغنم، فيدخل بيتاً، فيخرج من الغنم كيف ما اتَّفق، فإذا بلغ المخرج خمسةً مثلاً أخرج اسم رجل، فمَنْ خرج اسمه يعطيه هذه الخمسة، فلم يجوِّزه (عليه السلام) للغرر، وعدم تحقُّق شرائط القسمة، إذ من شروطها تعديل السِّهام أوّلاً، فربَّما وقع في سهم بعضهم كلّها سماناً، وفي سهم الآخر هزالاً.
ومن أجل هذا أنَّه لو اشترى -والحال هذه- فإنَّ له الخيار، كما صرَّح به في صحيح الشّحَّام «إذا خرج الرَّدى في ذلك السَّهم».
أمَّا إذا أمكن القسمة بعد تعديل السِّهام فإنَّه لا مانع؛ لأنَّه يشتري متاعاً، فإن اقتسموا بالتَّعديل فلا خيار، وإلَّا فإن خرج في سهمه الرَّدى كان له الخيار في القسمة، فالمتاع في صحيح الشّحَّام مبنيّ على ما هو دأبهم من شرائهم مجهولاً غير معدّلٍ، كما يشير اليه قوله في رواية منهال إنَّما يصلح السِّهام إذا عدّلت القسمة)،[7] انتهى كلامه رفع مقامه.
ثمَّ إنَّ قول صاحب الحدائق (رحمه الله) المتقدِّم: (في الصَّحيح عن عبد الرَّحمان بن الحجَّاج عن منها القصَّاب...)، هو أنَّ الرِّواية صحيحة إلى عبد الرَّحمان بن الحجَّاج، لا إلى آخر السَّند؛ لأنَّ منهال القصّاب مجهول.
ولذا تكون الرِّواية ضعيفة بجهالة منهال القصّاب.
ومن هنا، تعرف أنَّ هذه الرِّواية لا تصلح أن تكون بياناً لصحيحة زيد الشّحَّام.
أضف إلى ذلك: أنَّ رواية منهال دلَّت على بطلان هذا التَّقسيم، وعلى بطلان البيع، فلا دلالة
فيها على الخيار فيما إذا ظهر المبيع على خلاف ما اعتقده.
والخلاصة: أنَّها ضعيفة سنداً ودلالةً.
وأمَّا صحيحة الشّحَّام، فلا دلالة فيها أيضاً على خيار الرُّؤية؛ لأنَّ المشتري إن اشترى سهم القصَّابَيْن على نحو الإشاعة، كما هو الظَّاهر في تلك المعاملات، فالمعاملة صحيحة لا خيار فيها؛ لأنَّ تقسيم ما يخصّه منها على وجه صحيح أو باطل أمر آخر لا ربط له بصحَّة المعاملة ، وإن اشترى سهم القصَّاب الَّذي سيصير متعيّناً بعدما اشتراه القصَّاب، وعيَّن له من الشِّياه بالإخراج فالمعاملة باطلة؛ لأنَّ القصَّاب بعدُ لم يصر مالكاً للحصَّة المعيّنة، فكيف يبيعها قبل أن يملكها؟!
وعليه، فلا تدلُّ على خيار الرُّؤية.
وأمَّا ما في ذيلها من قوله (عليه السلام): (فإن اشترى شيئاً فهو بالخيار إذا خرج)[8] ، فليس المراد منه الخيار بالمعنى الاصطلاح عليه، بل المراد منه الخيار بالمعنى اللُّغويّ، بمعنى أنَّه بعد بطلان المعاملة، فهو غير ملزمٍ بالبيع، بل له الخيار في أن يشتريه ثانياً بالبيع الصَّحيح، وله أن يردّه، والله العالم.
الأمر الثالث: المعروف بين الأعلام: أنَّ مورد هذا الخيار هو بيع العين الشَّخصيّة الموصوفة غير المشاهدة حين المعاملة.
وقد ذهب بعض الأعلام أنَّ المراد بذلك ما قابل الكلِّيّ في الذِّمّة؛ باعتبار أنَّ الكلِّيّ في الذِّمّة لا يجري فيه هذا الخيار؛ إذ لا يُتصوّر فيه تخلُّف وصفٍ حتَّى يثبت فيه خيار الرُّؤية.
وأمَّا بيع المشاع والكلِّيّ في المعيَّن، فلا مانع من جريان هذا الخيار فيهما؛ لإمكان تصوُّر تخلُّف الوصف في كلٍّ من المُشاع والكلِّيّ في المعيّن، كما إذا وصفه البائع أو غيره بوصف، كما لو اشترى نصف الضَّيعة على نحو المُشاع، وقد وصف الضَّيعة بوصف، ثمَّ ظهر خلافه، أو اشترى صاعاً كلِّيّاً من صُبّرة على نحو الكلِّيّ في المعين، ووصف ذلك الكلِّيّ في المعيّن، ثمَّ ظهر خلافه، فله الخيار حينئذٍ.
ولكنَّ الإنصاف: أنَّه لا دليل على التّعدِّي من مورد العين الشَّخصيّة إلى بيع المُشاع أو الكلِّيّ في المعيّن؛ لأنَّ دليل هذا الخيار التَّسالم بين الأعلام، وصحيحة جميل بن درَّاج المتقدِّمة.
أمَّا التَّسالم، فهو دليل لُبِّيّ يُقتصر فيه على القدر المتيقَّن، وهو العين الشَّخصيّة.
وأمَّا صحيحة جميل بن درَّاج، فموردها العين الشَّخصيّة، ولا إطلاق فيها.
وأمَّا القول: بأنَّنا نقطع بوجود المناط فيهما، فيحتاج ذلك إلى دعوى علم الغيب.
والخلاصة: أنَّ مقتضى الإنصاف هو الاقتصار على بيع العين الشَّخصيّة.