47/07/16
الموضوع: المعاملات / كتاب الخيارات (71)
قول الماتن: (وسابعها: خيار الرُّؤية، وهو ثابت في بيع الأعيان الشَّخصيّة مع عدم المطابقة، فيتخيَّر من وصف له) [1]
يقع الكلام في أربعة أمورٍ:
الأوَّل: بيان هذا الخيار.
الثَّاني: في الدَّليل عليه.
الثَّالث: في مورد هذا الخيار.
الرَّابع: هل هو مختصّ بالمشتري، أم يشمل البائع؟
أمَّا الأمر الأوَّل: فهو عبارة عمَّا لو اشترى أو باع شيئاً من غير مشاهدةٍ، وإنَّما اشتراه أو باعه بالوصف، ثمَّ ظهر على خلاف الوصف، فيثبت له خيار الرُّؤية.
ثمَّ اعلم أنَّه لا إشكال في صحَّة هذا البيع؛ لأنَّ الوصف المذكور يكون رافعاً للغرر والجهالة.
وبعبارة أخرى: أنَّ الغرر -المنهيّ عنه للحديث النَّبويّ المشهور نهى النَّبيّ (صلى الله عليه وآله) عن بيع الغرر، وقد عرفت تسالم الأعلام على العمل به- ليس من الأمور الواقعيّة، بل هو عبارة عن الخطر، وهو أمر نفسانيّ، فإذا اطمأنَّ المشتري بوصف البائع للمبيع، أو بوصف غيره، وأقدم على شراء العين معتقداً بأنَّها متَّصفة بذلك، فتكون المعاملة صحيحةً، وليست غرريّةً؛ لارتفاع الغرر، أي: الخطر بالاطمئنان بوجود الصِّفة، فإذا ظهر الخلاف، فيثبت له الخيار.
وفي الجواهر: (لا ريب في صحَّة البيع كذلك نصّاً وفتوى، بل الإجماع بقسمَيْه عليه...)[2] .
والخلاصة: أنَّه لا إشكال في صحَّة البيع مع وصف المبيع الرَّافع للجهالة والغرر، وإن لم يرَ المشتري المبيع.
الأمر الثَّاني: قدِ استدلّ لثبوت هذا الخيار بعدَّة أدلَّة:
منها: الإجماع المدَّعى من بعض الأعلام.
وقد أُشكل عليه: بعدم حجيَّة الإجماع المنقول بخبر الواحد.
مضافاً إلى ذلك: أنَّه مدركيّ أو محتمل المدركيّة، فلا يكون إجماعاً تعبُّديّاً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام).
ولكنَّ الإنصاف: أنَّ هناك تسالماً بين الأعلام، بحيث أوجب ذلك الاطمئنان، أو القطع بقول المعصوم (عليه السلام).
ومنها: حديث (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).[3]
ووجه الاستدلال به: أنَّ لُزوم البيع وعدم تسلُّط المشتري على فسخه ضررٌ عليه، وإضرار به، فيكون منفيّاً.
وإذا انتفى اللُّزوم فثبت الخيار؛ إذ لا واسطة بينهما.
وحاصل الحديث الشَّريف: أنَّ الشَّارع المقدَّس لم يحكم بحكم يكون فيه الضَّرر، ولم يُسوِّغ إضرار المسلمين بعضهم بعضاً، ولم يمضِ لهم تصرُّفاً فيه ضرر على المُمضى عليه.
وفيه أوَّلاً: أنَّه لا إشكال في صحَّة الحديث -كما ذكرنا في أكثر من مناسبة-.
وثانياً: قد أشكل على الاستدلال بهذا الحديث بجملة من الإشكالات نقتصر على المهمّ منها، وهو أنَّ حديث (لا ضرر) -على فرض جريانه في المقام- غاية ما يترتَّب عليه هو نفي اللُّزوم في المعاملة.
وأمَّا إثبات الخيار، بحيث يقبل الإسقاط، وينتقل إلى الورثة بالموت، أو يُصالح عليه في مقابل شيءٍ، بأنْ يرفع اليد عنه بكذا مقدار من المال، فلا؛ لأنَّ نفي اللُّزوم أعمّ من الخيار؛ لإمكان نفي اللُّزوم بجواز المعاملة جوازاً حُكميّاً غير قابلٍ للإسقاط، ولا الانتقال إلى الورثة بالموت، ولا المصالحة عليه.
والخلاصة: أنَّ غاية ما يثبت بحديث نفي الضَّرر هو رفع اليد عن اللُّزوم، وأمَّا إثبات الخيار فلا.
وهذا الإشكال محكم.
وبالنَّتيجة: فإنَّ هذا الدَّليل أيضاً ليس تامّاً.
ومن جملة الأدلَّة على ثبوت هذا الخيار: صحيحة جميل بن درَّاج (قال: سألتُ أبا عبد الله (عليهالسلام) عن رجل اشترى ضيعةً، وقد كان يدخلها ويخرج منها، فلمَّا أن نقد المال صار إلى الضَّيعة فقلَّبها، ثمَّ رجع فاستقال صاحبه فلم يقله، فقال أبو عبد الله (عليهالسلام): إنَّه لو قلب منها، ونظر إلى تسعة وتسعين قطعةً، ثمَّ بقي منها قطعةً، ولم يرها، لكان له في ذلك خيار الرُّؤية) [4] .
___________________