47/07/15
الموضوع: المعاملات / كتاب الخيارات (70)
وأمَّا تطبيق ذلك على مسألتنا هذه، فنقول: إنَّ قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾[1] هو إرشاد إلى لُزوم العقد، وأنَّه لا ينفسخ إذا فسخه أحد المتعاقدين -إذا لم يكن له خيار-
وعليه، فما ذكره المحقِّق الكركيّ (رحمه الله) لا إشكال في صحَّته، فإنَّه إذا خصّص في زمان، وحكم فيه بتأثير الفسخ، وعدم اللُّزوم، وشككنا في اللُّزوم بعد ذلك الزَّمان، فلابُدّ من التّمسُّك بعموم ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [2] ، حيث إنَّه دلّ على لُزوم العقد، وعدم ارتفاعه بالفسخ في كلّ واحدٍ من أفراد الزَّمان.
وإذا حكم بخروج زمان وفرد من تلك الأفراد، فلا محالة يرجع في غيره على العامّ، وبذلك يثبت كون الخيار على الفور في المعاملات الغبْنيّة.
ثمَّ إنَّه لو فرضنا عدم إمكان التّمسُّك بالعموم لسبب من الأسباب، فهل يمكننا التّمسُّك بالاستصحاب -أي: استصحاب حكم المخصّص-.
أمَّا بناءً على عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكليّة -كما هو الصَّحيح عندنا- فلا إشكال في عدم جريانه في المقام؛ لأنَّ استصحاب حكم المجعول معارَض باستصحاب عدم الجعل، كما ذكرنا في محلِّه.
وأمَّا إذا قلنا: بجريان الاستصحاب في الأحكام الكليّة -كما هو مبنى المشهور، ومنهم الميرزا النَّائينيّ (رحمه الله)- فهل يجري الاستصحاب هنا أم لا؟
أقول: مقتضى الإنصاف عدم جريان الاستصحاب هنا؛ وذلك لوجود خصوصيَّة في المقام تقتضي عدم جريان الاستصحاب هنا، وهي أنَّ مدرك خيار الغبْن إمَّا أن يكون الشَّرط الضِّمنيّ، وهو عبارة عن أنَّ بناء العقلاء على أنَّ المعاملة مشروطٌ فيها التَّساوي بين القيمتَيْن، فلو زاد الثَّمن على قيمة المثمن، أو زادت قيمة المثمن على الثَّمن ثبت الخيار للآخر.
وإمَّا أن يكون مدركه قاعدة نفي الضَّرر، أو يكون مدركه الإجماع، فإن كان مدركه الشَّرط الضِّمنيّ، فلا يجري الاستصحاب عند الشَّكّ في ثبوته في الآن الثَّاني؛ لأنَّ هذا الخيار إنَّما جعل في فرض التّخلُّف عن المرتكز عند العقلاء، وهو التَّساوي القيمتَيْن.
وهذا الارتكاز إنَّما هو موجود في الآن الأوَّل دون الآن الثَّاني المشكوك؛ لأنَّه في الآن الثَّاني يعلم بالتَّفاوت، فلا يكون خلاف المرتكز عندهم، فإثبات الحكم في الآن الثَّاني يكون من إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر، وهو قياس محرّم.
وأمَّا إذا كان مدركه قاعدة نفي الضَّرر، فأيضاً لا يجري الاستصحاب؛ لأنَّ الضَّرر إنَّما يحصل بدوام اللُّزوم فإذا ارتفع لُزوم العقد في آن فقد ارتفع الضَّرر أيضاً فإثبات الحكم الغير المتضرِّر قياس؛ لأنَّ لُزوم العقد في الآن الثَّاني ليس بضرريّ.
وأمَّا إذا كان مدركه الإجماع فأيضاً لا يجري الاستصحاب؛ لأنَّ الإجماع دليل لُبِّيّ يُقتصر فيه على القدر المتيقّن، وحيث لا يدري أنَّ الحكم ثبت لعنوان المتضرِّر، أو العنوان المغبون، فنشكّ حينئذٍ في بقاء الموضوع؛ لأنَّه إن كان هو عنوان المتضرِّر فهو مرتفع قطعاً؛ لأنَّ المشتري في الآن الثَّاني مع تركه الخيار في الآن السَّابق باختياره غير متضرِّرٍ، وإن كان هو عنوان المغبون فهو باقٍ.
ومع الشَّكّ في بقاء الموضوع، فلا يجري الاستصحاب.
والخلاصة في نهاية المطاف: أنَّ الصَّحيح هو التّمسُّك بعموم قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾[3] ، وبذلك يثبت أنَّ خيار الغبْن على الفور، والله العالم بحقائق أحكامه.
* * *
قول الماتن: (ويُعذر مع الجهل بأحدهما)[4]
أي: يُعذر مع الجهل بالحكم، أو الجهل بالغبْن.
والظَّاهر أنَّه لا خلاف بين الأعلام في معذوريَّة الجاهل بالخيار في ترك المبادرة، ولا فرق بين الجاهل بالغبْن، والجاهل بحكمه، وليس ترك الفحص عن الحكم الشَّرعيّ منافياً لمعذوريّته، كترك الفحص عن الغبْن وعدمه.
كما أنَّه معذور في الجهل بالفوريَّة.
وبالجملة، فبما أنَّ المدرك الصَّحيح لخيار الغبْن هو الاشتراط الضِّمنيّ، وهو موجود حال الجهل بالحكم أو الموضوع، كما أنَّه موجود حال النِّسيان، والله العالم بحقائق أحكامه.
* * *
قول الماتن: (وسابعها: خيار الرُّؤية، وهو ثابت في بيع الأعيان الشَّخصيّة مع عدم المطابقة، فيتخيَّر من وصف له)[5]
يقع الكلام في أربعة أمورٍ:
الأوَّل: بيان هذا الخيار.
الثَّاني: في الدَّليل عليه.
الثَّالث: في مورد هذا الخيار.
الرَّابع: هل هو مختصّ بالمشتري، أم يشمل البائع؟