47/07/09
الموضوع: المعاملات / كتاب الخيارات (69)
الأمر الثَّاني: فيما لو كان الزَّمان قيداً للحكم أو المتعلّق:
فتارةً: يكون مجموع آنات الزَّمان ملحوظةً على وجه الارتباطيّة قيداً واحداً، نظير العامّ المجموعيّ، بحيث لو خلا آن واحد عن وجود المتعلّق أو الحكم لارتفع المتعلّق، والحكم عن أساسه، كما في باب الصَّوم، فإنَّ حقيقة الصَّوم هو الإمساك من الطُّلوع إلى الغروب، فقد قيّد الإمساك بكونه في مجموع آنات النَّهار من حيث المجموع، فيتحقّق العصيان إذا خلا آن من آنات النَّهار عن الإمساك.
وأخرى: يكون ملحوظاً على نحو كون آنٍ من آنات الزَّمان قيداً مستقلّاً بنحو يتكثَّر المتعلّق، أو الحكم بتكثُّر آنات الزَّمان، فيتعدَّد المتعلّق أو الحكم بتعدُّد الآنات، وبكون لكلِّ آنٍ حكم أو متعلَّق يخصّه لا ربط له بالحكم أو المتعلّق الموجود في الآن الآخر.
نظير العموم الاستغراقيّ، كما لو ورد في الخطاب: يجب أكرم زيد في كلِّ زمانٍ، أو أنَّ إكرام زيدٍ واجبٌ في كلِّ زمانٍ، فإنَّ تقسيم العامّ إلى المجموعيّ والاستغراقيّ كما يجري في الأفراد يجري في الأزمان.
والفرق بين كون الزَّمان ملحوظاً على نحو العموم المجموعيّ أو الاستغراقيّ هو أنَّه على الأوَّل تكون الإطاعة أو المعصية واحدةً، بخلافها على الثَّاني فإنَّها تتعدَّد بتعدُّد الآنات.
هذا كلُّه إذا كان الزَّمان قيّداً للحكم أو المتعلّق.
وأمَّا إذا كان الزَّمان ظرفاً لهما، فالمعروف بين الأعلام أنَّ مفاد العامّ حكم واحد شخصيّ مستمرّ، ويكون هذا الحكم الواحد ثابتاً لمجموع آنات الزَّمان على نحو غير قابلٍ للتّكثُّر.
ويترتَّب على ذلك: أنَّه لو ورد دليل على نفي الحكم عن فرد في زمان معيّن، ثمَّ شكّ في ثبوت الحكم له بعد زمان التّخصيص، فلا مجال حينئذٍ للتّمسُّك بدليل العموم لإثبات حكمه بعد زمان التَّخصيص؛ لأنَّ الدَّليل لم يتكفّل إلَّا لإثبات حكم شخصيّ مستمرّ زماناً لموضوع شخصيّ مستمرّ، وقد انقطع بالدَّليل المخصّص.
الأمر الثَّالث: أنَّ اعتبار العموم الزَّمانيّ، سواء أكان العموم عموماً مجموعيّاً أم استغراقيّاً:
تارةً: يدلُّ عليه دليل الحكم بنفسه، كقوله في العموم الاستغراقيّ: أكرم العلماء في كلِّ زمانٍ، أو في كلِّ يومٍ.
وفي العموم المجموعيّ: أكرم العلماء دائماً أو مستمرّاً.
وأُخرى: يُستفاد العموم الأزمانيّ من دليل لفظي آخر.
كما في صحيحة زرارة (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ فَقَالَ حَلَالُ مُحَمَّدٍ حَلَالٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَحَرَامُهُ حَرَامٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَكُونُ غَيْرُهُ وَلَا يَجِيءُ غَيْرُهُ...) [1] .
وثالثةً: يُستفاد من الإطلاق، ومقدِّمات الحكمة، وذلك فيما لزم من عدم العموم الأزمانيّ لَغويّة الحكم، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾[2] ، فإنَّه لو لم يجب الوفاء بالعقد في كلِّ زمانٍ يلزم لَغويّة تشريع وجوب الوفاء بالعقود؛ لأنَّه لا فائدة في وجوب الوفاء بها في الجملة، وفي آن ما.
إذا عرفت ذلك، فنقول:
إذا كان العموم على نحو العموم الاستغراقيّ: فلا إشكال في أنَّه إذا خُصّص بعض أفراد هذا العامّ في بعض الأزمنة، وشكَّ في خروجه في الباقي، فيكون المرجع فيه بالنِّسبة إلى الأزمنة المشكوكة هو العموم الأزمانيّ، كمرجعيَّة العموم الاستغراقيّ في الأفراد فيما لو شكّ في أصل التَّخصيص، أو في زيادة التَّخصيص.
وعليه، فالمرجع عند الشَّكّ في العموم الأزمانيّ المتكفِّل لنحو ثبوت الحكم في كلِّ قطعةٍ من قطعات الزَّمان لبقائه على حجيّته في غير ما دلّ عليه المخصِّص، ومعه لا مجال الجريان استصحاب حكم الخاصّ مع وجود العموم الأزمانيّ -مع قطع النَّظر عن عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكليّة-، بل لا مورد لجريان الاستصحاب، ولو مع قطع النَّظر عن وجود هذا العامّ فيما إذا كان الزَّمان في ظرف الخاصّ ملحوظاً على نحو القيديّة؛ لأنَّه يكون من إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر.
وأمَّا إذا كان الزَّمان ملحوظاً في العموم الأزمانيّ على نحو العموم المجموعيّ، كقوله: أكرم العلماء دائماً أو مستمرّاً: فإن كان العموم الأزمانيّ ملحوظاً في المتعلّق، فلا يصحّ الرُّجوع إلى العموم حينئذٍ؛ لارتفاع ما تكفّله دليل العامّ من الحكم الشَّخصيّ المستمرّ بالتَّقطيع في بعض الأزمنة وعدم تكفّلها أيضاً لإثبات حكم آخر بعد التَّقطيع المزبور، وحينئذٍ لا محيص من الرُّجوع إلى استصحاب حكم المخصّص فيما إذا كان الزَّمان مأخوذاً في الخاصّ على نحو الظَّرفيّة لا القيديّة.
ومع قطع النَّظر عن عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكليّة.
ثمَّ إنَّه لو شككنا: في كون العموم الأزمانيّ، هل هو على نحو العموم الاستغراقيّ أو المجموعيّ، فقد ذكرنا في علم الأصول في مبحث العامّ، أنَّه إذا دار الأمر بين العموم الاستغراقيّ بالنِّسبة للأفراد وبين المجموعيّ، فالأصل اللَّفظيّ الإطلاقيّ يقتضي الاستغراقيَّة؛ لاحتياج المجموعيَّة إلى مؤنة زائدة، وهي لحاظ جميع الأفراد على وجه الاجتماع، وجعلها موضوعاً واحداً.
وهكذا هنا نقول، فإنَّ العموم المجموعيّ الأزمانيّ يحتاج إلى مؤنة زائدة، وهي لحاظ جميع الأزمنة على وجه الاجتماع، وجعلها موضوعاً واحداً.