47/08/20
لو كان قاصداً من الميقات للعمرة المفردة...، لو كان مريضاً ولم يتمكّن من النزع.../فصل في أحكام المواقيت /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في أحكام المواقيت /لو كان قاصداً من الميقات للعمرة المفردة...، لو كان مريضاً ولم يتمكّن من النزع...
(مسألة4): لو كان قاصداً من الميقات للعمرة المفردة وترك الإحرام لها متعمّداً، يجوز له أن يُحرم من أدنى الحلّ، وإن كان متمكّناً من العود إلى الميقات، فأدنى الحلّ له مثل كون الميقات أمامه، وإن كان الأحوط مع ذلك العود إلى الميقات، ولو لم يتمكّن من العود ولا الإحرام من أدنى الحلّ بطلت عمرته[1] .
ذكر المصنّف (قده) أنّ مَن قصد العمرة المفردة، ولم يُحرم من المواقيت الخمسة التي وقّتها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عامداً، مع كونه متمكّناً من الرجوع إلى الميقات، جاز له الإحرام من أدنى الحلّ، فكأنّ المعتمر بذلك يكون له ميقاتان طوليّان، أحدهما: أحد المواقيت الخمسة، والآخر: أدنى الحلّ. فإنّ ترك الإحرام من أحد المواقيت الخمسة وإن كان معصية، إلّا أنّ الإحرام من أدنى الحلّ يكون صحيحاً ومجزئاً.
وقد أفاد المصنّف (قده) سابقاً أنّ المكلّف إذا تجاوز الميقات من دون إحرام، وكان أمامه ميقات آخر، جاز له الإحرام من الميقات الذي أمامه، وإن كان قد عصى بترك الإحرام من الميقات الأوّل.
وقد تبنّى صاحب الجواهر (قده) هذا الرأي أيضاً، فحكم بجواز الإحرام من أدنى الحلّ.
وعليه، فإنّ العمرة كالحجّ يجب الإحرام لها من المواقيت الخمسة، غير أنّ صاحب العروة وصاحب الجواهر (قدّس سرّهما) يريان أنّ مَن تعمّد في ترك الإحرام للعمرة المفردة من الميقات، فقد عصى بترك الواجب، لكنّه مع ذلك يجوز له الإحرام من الميقات الذي أمامه، وهو أدنى الحلّ. فكما أنّ للحجّ ميقاتين طوليّين ـ كذو الحليفة والجحفة بعدها ـ كذلك للعمرة المفردة ميقاتان: المواقيت الخمسة، وأدنى الحلّ.
ويُلاحظ عليه: بما تقدّم سابقاً من أنّ المكلّف إذا تجاوز الميقات من دون إحرام عالماً عامداً، وكان متمكّناً من الرجوع إلى الميقات والإحرام منه، تعيّن عليه ذلك، ولا يجزئه الإحرام من الميقات الذي أمامه، بخلاف ما ذهب إليه المصنّف (قده) من الحكم بصحّة الإحرام من الميقات الثاني.
وتدلّ على عدم جواز الإحرام من الميقات الذي أمامه روايات متعدّدة، فمنها: معتبرة إبراهيم بن عبد الحميد التي تمنع من الإحرام من ذات عرق لمن كان في المدينة، حيث قال: «سألته عن قوم قدموا المدينة فخافوا كثرة البرد وكثرة الأيام يعني: الإحرام من الشجرة، وأرادوا أن يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها، فقال: لا (وهو مغضب)، مَن دخل المدينة فليس له أن يحرم إلّا من المدينة»[2] .
ثمّ، لو سلّمنا جواز الإحرام من الميقات الذي أمامه، فإنّ ذلك إنّما هو في الحجّ دون العمرة المفردة، فإنّ الروايات التي استدلّ بها المصنّف (قده) على جواز الإحرام من الميقات الثاني مع ترك الإحرام من الميقات الأوّل إنّما هي واردة في الحجّ، ولا تشمل العمرة المفردة؛ إذ لم يرد فيها ما يدلّ على كون أدنى الحلّ ميقاتاً للعمرة المفردة بالنسبة إلى البعيد، كأهل العراق أو خراسان إذا قصد العمرة ابتداء.
بل إنّ المستفاد من النصوص أنّ أدنى الحلّ ميقات لمن كان في مكّة وأراد الإتيان بالعمرة المفردة، وإن لم يكن من أهلها، كالنائي الذي أتى بالحجّ وبقي في مكّة ثمّ أراد الاعتمار، فيخرج إلى أدنى الحلّ ـ كالتنعيم ـ ويحرم منه. وعليه، فإنّ أدنى الحلّ ميقات لمن كان في مكّة وأراد العمرة، وإن لم يكن من أهلها، أمّا البعيد، فلم يرد في النصوص ما يدلّ على أنّ ميقاته للعمرة المفردة هو أدنى الحلّ.
كما أنّ أدنى الحلّ ميقات للعمرة المفردة بالنسبة إلى البعيد الذي خرج من بلده لغرض آخر غير العمرة المفردة، كقتال أو معاملة أو زواج، ثمّ أراد العمرة بعد وصوله إلى قرب الحرم، فإنّه يُحرم من أدنى الحلّ. كما فعل النبي (صلّى الله عليه وآله) حين رجع من غزوة حنين فأحرم من الجعرانة، وهي من أدنى الحلّ.
وعليه، فإنّ أدنى الحلّ يكون ميقاتاً للعمرة المفردة في هذين الموردين فقط، وأمّا في غيرهما فلا دليل على كونه ميقاتاً لها.
ثمّ، إنّه حتّى لو نسي المكلّف الإحرام من المواقيت التي وقّتها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أو جهل الحكم بوجوب الإحرام من هذه المواقيت، ولم يتمكّن من الرجوع إلى المواقيت لأجل العمرة، فلا يجوز له الإحرام من أدنى الحلّ، بخلاف مَن جاء للحجّ وتجاوز الميقات نسياناً أو جهلاً، فإنّ النصوص تدلّ على أنّه يجب عليه الرجوع إلى الميقات والإحرام منه، فإن لم يتمكّن من ذلك لضيق الوقت وخوف فوات الحجّ، أحرم من مكانه إذا كان خارج الحرم، أو خرج من الحرم وأحرم إذا كان داخل الحرم.
فمن هذه النصوص صحيحة عبد الله بن سنان قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مرّ على الوقت الذي يُحرم الناس منه فنسي أو جهل فلم يُحرم حتّى أتى مكّة، فخاف إن رجع إلى الوقت أن يفوته الحجّ؟ فقال: يخرج من الحرم ويُحرم ويجزيه ذلك»[3] .
وكذلك صحيحة معاوية بن عمّار قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة كانت مع قوم فطمثت، فأرسلت إليهم فسألتهم؟ فقالوا: ما ندري، أعليك إحرام أم لا وأنت حائض، فتركوها حتّى دخلت الحرم، فقال (عليه السلام): إن كان عليها مهلة فترجع إلى الوقت فلتُحرم منه، فإن لم يكن عليها وقت فلترجع إلى ما قدرت عليه بعدما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها»[4] .
وهذه الرواية الثانية تقيّد الرواية الأُولى حيث تدلّ على وجوب الخروج من الحرم بقدر ما يتمكّن منه، فيخرج من الحرم إلى أبعد موضع يتمكّن منه بعد الخروج من الحرم، ويُحرم من ذلك الموضع الذي هو قبل أدنى الحلّ.
وكذلك صحيحة الحلبي التي تمسّك بها المحقّق الخوئي (قده) على تعميم الحكم حتّى للعامد، بخلاف ما ذكرناه من أنّها منصرفة إلى الجاهل والناسي، حيث قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ترك الإحرام حتّى دخل الحرم، فقال: يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم، فإن خشي أن يفوته الحجّ فليحرم من مكانه، فإن استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج»[5] ، فإنّها واردة في الحجّ أيضاً، ولو سلّمنا إطلاقها فهي لا تشمل العمرة المفردة.
وقد يقال: إنّ العمرة المفردة تلحق بالحجّ من باب الأولويّة، بدعوى أنّ الحجّ ـ بجميع أنواعه من الإفراد والقران والتمتّع ـ أهمّ من العمرة، سواء كان الحجّ واجباً أو مستحباً، والعمرة في مقابل ذلك دونه في الأهمّية، فإذا ثبت في الأهمّ، وهو الحجّ، كفاية الإحرام من الموضع الذي هو فيه عند تعذّر الرجوع إلى الميقات في صورة النسيان أو الجهل، فمن باب أولى يثبت ذلك في العمرة المفردة أيضاً. وعليه، تكون العمرة كالحجّ في شرطية الإحرام من الميقات في صورة نسيان الإحرام من الميقات أو الجهل به. وهذا هو القول الذي اختاره المحقّق الحيكم (قده).
وفيه: إنّ الحكم بجواز الإحرام من موضعه إنّما ثبت فيما إذا كان الرجوع إلى الميقات مستلزماً لفوات الحجّ، في حين أنّ محلّ الكلام هنا في العمرة المفردة، والمعتمر إذا رجع إلى الميقات لا يلزم من ذلك فوات عمرته؛ لأنّ العمرة يصحّ الإتيان بها في جميع أيّام السنة، فلا يصدق عليها عنوان الفوات بسبب الرجوع إلى الميقات. وعليه، لا يمكن تصوير أنّ الرجوع إلى الميقات في العمرة المفردة يوجب فواتها.
هذا، مضافاً إلى أنّ محلّ الكلام هنا هو الترك العمدي للإحرام من الميقات، لا الجهل والنسيان، وقد دلّت الأدلّة على أنّ الترك العمدي للإحرام من الميقات في الحجّ يوجب بطلان الإحرام والعمل، فكذلك الحال في العمرة المفردة، فإذا ترك المكلّف الإحرام من الميقات عمداً، ولم يتمكّن من الرجوع، بطل إحرامه وعمله.
وعليه، فلا يساعد الدليل لتأييد ما أفاده صاحب العروة وصاحب الجواهر (قدّس سرّهما) في المقام.
(مسألة5): لو كان مريضاً ولم يتمكّن من النزع ولبس الثوبين يجزئه النية والتلبية، فإذا زال عذره نزع ولبسهما، ولا يجب حينئذ عليه العود إلى الميقات. نعم، لو كان له عذر عن أصل إنشاء الإحرام لمرض أو إغماء ثمّ زال وجب عليه العود إلى الميقات إذا تمكّن، وإلّا كان حكمه حكم الناسي في الإحرام من مكانه إذا لم يتمكّن إلّا منه، وإن تمكّن العود في الجملة وجب. وذهب بعضهم إلى أنّه إذا كان مغمى عليه ينوب عنه غيره لمرسل جميل عن أحدهما (عليهما السلام) في مريض أُغمي عليه فلم يفق حتّى أتى الموقف، قال (عليه السلام): يُحرم عنه رجل. والظاهر أنّ المراد أنّه يحرمه ويجنّبه عن محرّمات الإحرام، لا أنّه ينوب عنه في الإحرام، ومقتضى هذا القول عدم وجوب العود إلى الميقات بعد إفاقته، وإن كان ممكّناً، ولكن العمل به مشكل، لإرسال الخبر وعدم الجابر فالأقوى العود مع الإمكان وعدم الاكتفاء به مع عدمه[6] .
ذكر المصنّف (قده) في هذه المسألة فرعين:
الأوّل: أنّ المكلّف إذا كان مريضاً، ولم يتمكّن من نزع ثيابه ولبس ثوبي الإحرام، يجزئه النيّة والتلبية، فإذا ارتفع عذره نزع ما عليه من المخيط ولبس ثوبي الإحرام.
وهذه المسألة في الحقيقة ترجع إلى بيان كيفيّة الإحرام وواجباته، ولا يناسب ذكرها في أحكام المواقيت. كما أنّ التعبير بقوله: «يجزئه النيّة والتلبية» غير تامّ؛ إذ المناسب هو الحكم بوجوب النيّة والتلبية، لا الاكتفاء بهما على نحو الإجزاء، فالمكلّف هنا مستطيع وقد وجب عليه الحجّ وحضر الميقات، ومرضه لا يرفع عنه وجوب الإحرام من الميقات، بل يجب عليه الإحرام بالنيّة والتلبية، وإن كان لابساً للمخيط؛ لأنّ حقيقة الإحرام هو النيّة والتلبية، وأمّا لبس ثوبي الإحرام، فهو من واجبات الإحرام ولكنّه ليس دخيلاً في حقيقته.
نعم، ما ذكره المصنّف (قده) من وجوب نزع المخيط بعد زوال العذر في محلّه؛ لأنّ لبس المخيط محرّم على المُحرم حدوثاً وبقاء، فمع زوال العذر يحرم عليه الاستمرار في لبس المخيط، وأمّا لبس ثوبي الإحرام بعد زوال العذر، فإنّ وجوبه إنّما هو حدوثيّ لا استمراري، ولذا يجوز نزع ثوبي الإحرام بعد انعقاد الإحرام.