« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه

47/08/06

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يجوز الإحرام قبل الميقات/فصل في أحكام المواقيت /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في أحكام المواقيت /لا يجوز الإحرام قبل الميقات

 

ثمّ، إنّه بعد الحكم بصحّة الإحرام قبل الميقات بالنذر أو بالعهد أو باليمين، لا يجب تجديد الإحرام في الميقات حتّى عند المرور به؛ إذ المحرّم إنّما هو المرور به من دون إحرام، وهذا قد مرّ عليه وهو مُحرم، فلا موجب لتجديد الإحرام. كما يجوز له أن يسلك طريقاً لا يمرّ بالميقات؛ لأن وجوب الذهاب إلى الميقات إنّما هو لأجل كونه مقدّمة للإحرام منه، ومع تحقّق الإحرام قبل الميقات يرتفع هذا الوجوب. نعم، لا بأس في تجديد الإحرام من الميقات احتياطاً ـ استحبابياً أو وجوبياً ـ خروجاً عن فتوى مَن منع صحّة الإحرام قبل الميقات، وهي الفتوى المنسوبة إلى ابن إدريس والعلّامة الحلّي والمحقّق في المعتبر.

ثمّ، يقع البحث في أنّه هل يصحّ نذر الإحرام قبل الميقات من دون تقييده بموضع معيّن، بحيث يكون المكلّف مخيّراً في الإحرام من أيّ موضع قبل الميقات، أم أنّ الصحّة متوقّفة على تعيين موضع الإحرام قبل الميقات؟

الظاهر اعتبار تعيين الموضع، فلا يصحّ نذر الإحرام قبل الميقات مطلقاً من دون تعيين موضع معيّن؛ وذلك لأنّ الروايات الدالّة على صحّة نذر الإحرام قبل الميقات إنّما وردت مقيّدة بذكر أماكن معيّنة، كالكوفة أو خراسان أو البصرة ونحوها، ولا إطلاق فيها يقتضي صحّة نذر الإحرام قبل الميقات من أيّ مكان غير معيّن. نعم، لا خصوصيّة لهذه الأماكن المذكورة، فيُتعدّى الحكم منها إلى كلّ مكان معيّن قبل الميقات؛ لكونها واردة على نحو المثال.

وعليه، يصحّ نذر الإحرام قبل الميقات بشرط تعيين موضع الإحرام قبل الميقات؛ لأنّ الحكم على خلاف القاعدة، فيُقتصر فيه على القدر المتيقّن الذي ورد فيه دليل، وهو المكان المعيّن، وأمّا المكان غير المعيّن، فلا دليل على صحّة نذر الإحرام منه، مع أنّه خلاف القاعدة وخلاف أدلّة النذر.

وأمّا ما أفاده المصنّف (قده) من عدم استبعاد صحّة نذر الإحرام قبل الميقات مع الترديد بين موضعين، كما لو قال: «لله عليّ أن أُحرم إمّا من الكوفة أو من البصرة»، فلا يتّضح وجهه؛ إذ لا دليل يدلّ على الفرق بين التريد بين موضعين وبين الترديد بين أكثر من ذلك، فإنّ منشأ المنع هو عدم الدليل على صحّة النذر مع عدم تعيين الموضع، وهو مشترك في الجميع. وعدم تعيين المكان يرجع إلى الترديد بين أماكن متعدّدة أو مكانين.

ولا فرق في جواز الإحرام قبل الميقات بين كونه للحجّ الواجب أو المندوب أو للعمرة المفردة؛ وذلك لأنّ الروايات الدالّة على جواز الإحرام قبل الميقات بالنذر (أو بالتزام الإحرام على نفسه بالعهد أو اليمين) قد جاءت مطلقة، وتركت الاستفصال في السؤال والجواب.

نعم، لو نذر الإحرام قبل الميقات لحجّ التمتّع في شهر رمضان مثلاً، لم يصحّ هذا النذر؛ لوقوع المنذور وهو الإحرام لحجّ التمتّع في غير أشهر الحجّ، وعدم الصحّة ليس من جهة بطلان النذر ووقوع الإحرام قبل الميقات، بل من جهة وقوعه في غير أشهر الحجّ. وعليه، يتوقّف صحّة نذر الإحرام قبل الميقات على وقوعه في أشهر الحجّ، ومع عدم تحقّق ذلك لا يصحّ النذر.

نعم، يصحّ النذر (لإحرام الحجّ قبل الميقات) في شعبان، على أن يكون الحجّ قبل الميقات في أشهر الحجّ.

ثمّ، إنّه لو نذر الإحرام قبل الميقات من موضع معيّن، ثمّ خالف نذره ولم يُحرم من ذلك الموضع نسياناً أو عمداً، وأحرم من الميقات، فإنّ إحرامه لا يبطل، وتجب عليه الكفّارة مع المخالفة العمديّة.

أقول: أمّا في النسيان، فعدم البطلان واضح؛ لعدم تحقّق العصيان، وإنّما ترك العمل بالنذر لأجل النسيان، وقد رُفع النسيان، ولعدم مبغوضيّة الإحرام من الميقات فيكون صحيحاً.

وأمّا في العمد، فلا يبطل الإحرام من الميقات وإن كان المكلّف قد خالف نذره؛ وذلك لأنّ ما صدر منه عملان، الأوّل: ترك الإحرام المنذور قبل الميقات، وهو معصية توجب الكفّارة، والثاني: الإحرام من المقات، وهو عمل آخر صحيح في نفسه.

إلّا أنّ بعض الفقهاء ذهبوا إلى عدم صحّة الإحرام من الميقات، بدعوى أنّ النذر يقتضي تمليك العمل لله تعالى، فإذا أحرم من غير موضع النذر، أي: من الميقات، فقد فوّت الواجب المملوك، فيكون الإحرام من الميقات عملاً مبغوضاً، فلا يصحّ عبادة. وقد اختاره المحقّق الحكيم (قده)[1] .

ويُلاحظ عليه: إنّ النذر لا يقتضي تمليك العمل لله، بل غايته التزم المكلّف بفعل لله تعالى، ولا معنى لتمليك العمل لا قبل وجوده ولا بعده.

ثمّ، إنّ نذر الإحرام من الميقات لا يغيّر حقيقة الواجب الأصلي، وهو الإحرام من الميقات، ولا يقيّده، وإنّما يضيف إليه خصوصيّة زائدة التزم بها المكلّف باختياره بالنذر. وبذلك يكون في المقام تكليفان: أحدهما: وجوب الإحرام من الميقات، والآخر: وجوب الإحرام قبل الميقات وفاء بالنذر، وهو وجوب ناشئ من فعل المكلّف ونذره، نظير ما لو نذر أن يصلّي جماعة أو يصلّي في المسجد، حيث يجب عليه الإتيان بتلك الخصوصيّة وفاء للنذر من دون تقييد وجوب الصلاة به.

وعليه، فإنّ النذر لا يوجب تقييد المأمور به الأوّل ولا تغييره، بل يبقى الأمر بالطبيعة على حاله، ويكون الإتيان بالإحرام من الميقات امتثالاً صحيحاً لذلك الأمر، وإن ترك المكلّف الخصوصيّة المنذورة. نعم، يكون تاركاً للنذر وآثماً من هذه الجهة، وتجب عليه الكفّارة، من دون أن يستلزم ذلك بطلان الإحرام من الميقات؛ لأنّ الواجب المنذور (الإحرام قبل الميقات) واجب في ضمن واجب، وترك الخصوصيّة المنذورة لا يمنع من صحّة أصل العمل المأمور به أوّلاً.

وبعبارة أُخرى: يصحّ الإحرام من الميقات؛ لأنّ الإحرام قبل الميقات إنّما ثبت من جهة النذر، ولكنّ الأمر بالإحرام من المواقيت التي وقّتها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) باق على حاله، وهذا الأمر لا يرتفع بمجرّد النذر. فلو خالف المكلّف نذره وأحرم من الميقات، كان إحرامه صحيحاً؛ لأنّ الأمر بالشيء، أي: الأمر بالإحرام قبل الميقات لا يقتضي النهي عن ضدّه وهو الإحرام من الميقات، كما تقرّر ذلك في الأصول.

 


logo