47/08/05
لا يجوز الإحرام قبل المواقيت/فصل في أحكام المواقيت /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في أحكام المواقيت /لا يجوز الإحرام قبل المواقيت
وبالجمّلة: يصحّ نذر الإحرام قبل الميقات؛ لدلالة الروايات على ذلك، ولا فرق في صحّته وانعقاد بين أن يكون الإحرام للحجّ الواجب أو المندوب أو العمرة المفردة؛ وذلك لإطلاق السؤال الوارد في الروايات وترك الاستفصال في الجواب، حيث سُئل الإمام (عليه السلام) عمّن نذر الإحرام من الكوفة أو من خراسان، فأجاب (عليه السلام) بصحّته مطلقاً من دون تقييد بكون نذر الإحرام قبل الميقات لحجّ أو عمرة.
ثمّ، يقع الكلام في أنّ جواز الإحرام قبل الميقات هل يختصّ بالنذر أو يُحلق به العهد واليمين أيضاً؟ فهل يجوز التعدّي من مورد الروايات وهو النذر إلى العهد واليمين، بحيث يصحّ الإحرام قبل الميقات وينعقد إذا حلف أو عاهد الله على أن يُحرم قبل الميقات، أم أنّ هذا الحكم ـ لكونه على خلاف القاعدة المقتضية لوجوب الإحرام من الميقات ـ يختصّ بالنذر فقط دون غيره؟
وقد ذُكر في المقام ثلاثة أقوال:
الأوّل: إلحاق العهد واليمين بالنذر في جواز الإحرام قبل الميقات، وهو مختار صاحب العروة (قده).
الثاني: عدم الإلحاق، وهو ما مال إليه صاحب الجواهر (قده)، بدعوى أنّ الروايات إنّما وردت في النذر خاصّة، وهو حكم على خلاف القاعدة، فلا يجوز التعدّي منه إلى غيره ممّا لم يرد فيه نصّ.
الثالث: إلحاق العهد بالنذر دون اليمين.
وقد أفاد المصنّف (قده) أنّ القول الأوّل لا يخلو من قوّة؛ لإمكان استفادته من الروايات، غير أنّ الأحوط هو القول الثاني، لأنّ جواز الإحرام قبل الميقات حكم على خلاف القاعدة، فيُقتصر فيه على مورد الروايات فقط، وهو النذر.
ومن الروايات التي استُدلّ بها على القول الأوّل هي صحيحة الحلبي المتقدّمة، حيث قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل جعل لله عليه شكراً أن يُحرم من الكوفة، قال: فليُحرم من الكوفة، وليفِ لله بما قال»[1] .
إلّا أنّ هذه الصحيحة مختصّة بالنذر، فلا تكون دليلاً على القول الأوّل؛ لأنّ النذر هو أن يجعل الناذر شيئاً على نفسه لله تعالى، بحيث يكون الله تعالى طرفاً في الجعل، بمعنى أنّه يلزم نفسه بشيء لله تعالى، فيكون الله طرفاً في هذا الالتزام، وتكون المقابلة بينه وبين الله تعالى، بخلاف العهد واليمين، فإنّهما التزامان نفسانيان مرتبطان بالله تعالى، من دون أن يكون الله طرفاً للجعل (بل الله مرتبط بالعهد ومرتبط باليمين). وعليه، فإنّ هذه الصحيحة لا تشمل العهد واليمين.
ومن هنا يتبيّن أنّ ما ذكره المحقّق الحكيم (قده) من أنّ النذر هو إتيان عمل لله، وأنّه يتضمّن تمليك عمل لله، غير صحيح؛ لأنّ النذر هو الزام النفس بشيء لله، فلا معنى لتمليك عمل لم يوجد.
ولكن يمكن الاستدلال للقول الأوّل بموثّقة أبي بصير المتقدّمة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، فإنّه قال: «سمعته يقول: لو أنّ عبداً أنعم الله عليه نعمة أو ابتلاه ببليّة فعافاه من تلك البليّة فجعل على نفسه أن يُحرم بخراسان كان عليه أن يُتمّ»[2] ، وهذه الرواية لم يذكر فيها أن يجعل لله على نفسه شيئاً، ولم تقيّد الالتزام النفساني بكونه نذراً، وإنّما المذكور فيها عنوان «جعل على نفسه»، وهو مشترك بين النذر والعهد واليمين، فإنّ الجميع يرجع إلى التزام الناذر نفسه بشيء، غاية الأمر في النذر يكون الله طرفاً للجعل، بخلاف العهد واليمين الذي يكون الالتزام فيهما مرتبطاً بالله تعالى. وعليه، فإنّ هذه الموثّقة تكون دليلاً على القول الأوّل.
وقد يقال: إنّ إطلاق هذه الموثّقة يقتضي الشمول لكلّ مَن جعل على نفسه شيئاً، حتّى لو كان ذلك ضمن عقد، كما لو التزم بأنّ يُحرم قبل الميقات لأجل الوفاء بعقد شُرط عليه ذلك، دون أن يكون هذا الالتزام بالنذر أو بالعهد أو باليمين.
وفيه: لا يمكن الالتزام بهذه النتيجة والقول بأنّ كلّ مَن جعل على نفسه شيئاً حتّى لو لم يكن بنذر أو عهد أو يمين، فعليه أن يُحرم قبل الميقات؛ لأنّ الأخذ بهذا الإطلاق يؤدّي إلى رفع اليد عن الروايات الكثيرة الدالّة على وجوب الإحرام من الميقات، والروايات الكثيرة الدالّة على عدم جواز الإحرام وعدم انعقاده قبل الميقات بأنّ الإحرام قبل الميقات ليس بشيء أو كالعدم، وأنّ ذلك نظير ما لو صلّى في السفر أربع ركعات فقال له الإمام (عليه السلام) ربّ طالب خير تزّل قدمه.
وعليه، لا بدّ من الالتزام بهذه الموثّقة في النذر والعهد واليمين، لا في جميع موارد الالتزام.
وأمّا ما ذُكر من أنّ القول الثاني (وهو عدم إلحاق العهد واليمين بالنذر) هو الأحوط، فإن أُريد به الاكتفاء بالإحرام من الميقات وترك الوفاء بالعهد أو اليمين إذا كانا متعلّقين بالإحرام قبل الميقات، فإنّ ذلك خلاف الاحتياط؛ لأنّه يستلزم مخالفة العهد أو اليمين، مع احتمال صحّتهما. نعم، إنّ ترك الإحرام قبل الميقات من الموضع الذي حلف أو عاهد على الإحرام منه، وإن كان احتياطاً من جهة أنّ المعاهد أو الحالف أحرم من الميقات، إلّا أنّه على خلاف الاحتياط من جهة احتمال صحّة العهد واليمين المتعلّقين بالإحرام قبل الميقات.
وعليه، فإن كان المقصود من الاحتياط هو الاكتفاء بالإحرام من الميقات فقط، فهو خلاف الاحتياط، وبما أنّ الأمر في المقام يدور بين المحذورين؛ أي: يُحتمل صحّة العهد واليمين، فيجب عليه الإحرام قبل الميقات، كما يُحتمل عدم صحّة العهد واليمين؛ لعدم الدليل، فيجب عليه الإحرام من الميقات، فحينئذ مقتضى الاحتياط هو الجمع بين الأمرين، بأن يُحرم قبل الميقات ثمّ يجدّد الإحرام في الميقات.
وقد يقال: إنّ المعيار في فهم الروايات هو الفهم العرفي لا الدقّي، والعرف يفرّق بين النذر وبين العهد واليمين، فإنّ الروايات إنّما وردت في النذر فقط، فلا يُتعدّى منه إلى غيره. وعليه، فلا يصحّ القول الأوّل، وهو إلحاق العهد واليمين بالنذر في جواز الإحرام قبل الميقات.
وفيه: إنّ الموثّقة عبّرت بتعبير يشمل النذر والعهد واليمين، وهو أن يجعل على نفسه أن يُحرم من خراسان، وهذا التزام نفساني يكون مرتبطاً بالله، لا طرفاً فيه.
ثمّ، إنّ المعروف بين الفقهاء وجود قاعدة «النذر وأخويه» فيُلحق جميع أحكام النذر بالعهد واليمين وكذلك العهد واليمين بالنذر، فكلّ ما كان من حكم للنذر فهو للعهد ولليمين، وكلّ ما كان من حكم لليمين فهو حكم للعهد والنذر، وكلّ ما كان من حكم للعهد فهو حكم للنذر واليمين. وعليه، فإنّ هذه القاعدة تقتضي أن هذه الأمور الثلاثة حكمها واحد، فالصحيح هو القول الأوّل.