48/04/15
-الوجه الثالث لشرطية الفحص في جريان البراءة - العلم الإجمالي - الأصول العملية.
الموضوع: - الوجه الثالث لشرطية الفحص في جريان البراءة - العلم الإجمالي - الأصول العملية.
كان كلامنا في الوجوه على شرطية الفحص لجريان بالراءة، فإنَّ المعروف بين الأصوليين أنَّ البراءة لا تجري إلا بعد الفحص عمّا يدل على ثبوت التكليف، وفي هذا المجال ذكرت عدّة وجوه.
وكان الوجه الأول:- إنَّ أدلة البراءة ليست تأسيسة وعلى خلاف المرتكزات العقلائية بل هي إمضاء للمرتكزات العقلائية، ومن المعلوم أنَّ المرتكزات العقلائية لا تساعد على الحكم بالبراءة قبل الفحص.
والخلاصة أن القضية عقلائية قبل ان تحتاج إلى مثبت وإلا إذا صار البناء على جريان البراءة من دون فحصٍ لصار الكثير من الدين هو براءة، لأننا سوف لا نفحص عن الدليل على الحرمة أو الوجوب وسوف نجري البراءة عن كل شيءٍ نشك في وجوبه أو حرمته وهذا شيءٌ غير محتمل.
وكان الوجه الثاني:- ما أفاده السيد الشهيد(قده) من أنَّ أدلة البراءة على نحوين بعضها يدل على لزوم الفحص من قبيل قوله تعالى:- ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ﴾ ونحو آخر يدل على اجراء البراءة مطلقاً من قبيل حديث ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون )، ومقتضى الدليل المطلق - وهو مثل حديث الرفع - أنَّ كل شيءٍ نشك في حرمته أو وجوبه سوف نجري البراءة عنه من دون فحص، وفي المقابل يوجد ما يدل على لزوم الفحص من قبيل قوله تعالى ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ﴾ فإنه يدل على أنَّ شرط التكليف هو بيان ذلك التكليف، وعلى هذا الأساس نقول إنه مع احتمال وجود التكليف في المصادر الشرعية - أعني الكتاب أو السنة - فلا يجوز حينئذٍ الحكم بالبراءة، وبهذا تتحقق المعارضة بين الأدلة الدالة على اجراء البراءة مطلقا وبين الأدلة الدالة على لزوم الفحص، وعلى هذا الأساس يكون مقتضى الأدلة الدالة على لزوم الفحص قبل اجراء البراءة – وهو مثل الآية الكريمة المتقدمة - هو لزوم الفحص في الكتاب والسنَّة قبل الحكم بالبراءة، بينما مقتضى الأدلة الدالة على اجراء البراءة مطلقاً هو أنَّ التكليف مرفوع مطلقاً إذا شك في ثبوته من دون لزوم الفحص، وبعد تحقق المعارضة يلزم التقييد، يعني الأدلة الدالة على اجراء البراءة مطلقا مثل حديث الرفع بما دل على لزوم الفحص، يعني يقدَّم الكتاب الكريم على حديث الرفع ويكون بمثابة المقيِّد له، فحديث الرفع يرفع بشكلٍ مطلق من دون اشتراط بينما الاية الكريمة تنفي التكليف إلا إذا أوتي للمكلف فإذا لم يُؤتَ له - يعني إذا لم يدل عليه لا الكتاب الكريم ولا السنَّة الشريفة - فحينئذٍ يكون مرفوعاً، وبالتالي نقيد حديث الرفع بالآية الكريمة التي تقيد الرفع بعدم الإيتاء باعتبار أنَّ هذا الدليل من الكتاب وهو قطعي السند فيكون مقدماً[1] .
في التعليق نقول:- إنَّ غاية ما تدل عليه الآية الكريمة هو نفي التكليف إذا لم يثبت من خلال الكتاب الكريم أو السنَّة الشريفة - الواردة من الرسول صلى الله عليه وآله أو الائمة عليهم السلام - وهذا أمرٌ مسلَّم، ولكن نقول:- إنها لا تدل على أنه لو شك في ثبوت التكليف في الكتب الأربعة امكن نفي التكليف، بل هل يلزمه الفحص حينئذٍ في احاديث الرسول والائمة عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام أو لا؟، وما بينه السيد الشهيد(قده) لا يدل على ذلك، والمهم هو التعرض إلى هذه القضية ولكنه لم يتعرض إليها.
وكان الوجه الثالث:- إنَّ البراءة لو جاز اجراؤها قبل الفحص للزم انحصار الشريعة في حكمٍ واحدٍ وهو البراءة عن غير المعلوم، بل يلزم عدم وجود حتى هذا الحكم الواحد.
فهذا الوجه فيه دعويان، الاولى لزوم انحصار الشريعة في حكمٍ واحد، والثانيه إنه حتى هذا الحكم الواحد ليس بثابت أيضاً.
أما أنه يلزم ثبوت حكم واحد:- فالوجه فيه أنه بناءً على عدم وجوب الفحص يلزم الاكتفاء بتعلّم حكمٍ واحدٍ والالتفات إلى حكمٍ واحدٍ وهو مثلاً ( أيها الناس متى ما شككتم في ثبوت حكمٍ فلا يلزمكم تعلّمه بل تجري البراءة لنفيه )، وأما أنه يلزم عدم اشتمالها حتى على حكمٍ واحدٍ فلأنَّ مثل هذا الحكم الواحد هو بمثابة عدم الحكم، وبالتالي يلزم أن لا تكون الشريعة مشتملة على أيّ حكمٍ إلزامي، بل متى ما شككنا في شيءٍ يلزم أن تكون البراءة جارية وبالتالي لا يكون هناك حكم إلزامي في الشريعة.