« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ باقر الايرواني
بحث الأصول

47/08/18

بسم الله الرحمن الرحيم

 -التنبيه السادس ( العلم الإجمالي في التدريجيات ) – تنبيهات العلم الاجمالي– العلم الإجمالي - الأصول العملية.

الموضوع: - التنبيه السادس ( العلم الإجمالي في التدريجيات ) – تنبيهات العلم الاجمالي – العلم الإجمالي - الأصول العملية.

 

التنبيه السادس:- العلم الإجمالي في التدريجيات.

وفي توضيح ذلك نقول إنَّ اطراف العلم الإجمالي تارةً تكون دفعيةً أي أنها موجودة في زمانٍ واحد، من قبيل وجود اناءين علمت بأنَّ كليهما موجود الآن وعلمت بأن أحدهما قد اصابته نجاسة، فهذا العلم الإجمالي هو علم اجمالي بين طرفين موجودين في زمانٍ واحدٍ فالأطراف هنا يعبَّر عنها بالدفعية أي أنها موجودة دفعةً وفي زمانٍ واحد، وأخرى تكون الأطراف تدريجية، أي توجد في أزمنه مختلفة، مثل المرأة التي ينزل عليها الدم من دون نقطاع، فإن المرأة حينما يأتيها دم الحيض فعادة يأتيها مرة واحدة في الشهر ولمدة ثلاثة ايام أو سبعة أو عشرة ولكن قد يستمر بها الدم لعارضٍ لشهر أو أكثر ففي مثل هذه الحالة سوف تعلم هذه المرأة بأن سبعة أيام من هذا الشهر هي دم حيض ولكن لا تدري أي سبعة هي فهل هي السبعة الأولى أو الثانية أو الثالث وإنما يكون أمرها مردداً، فهنا يكون العلم الإجمالي بين أطراف تدريجية.

ولك أن تقول بعبارة أخرى:- مرة يكون زمان الأطراف واحداً، وهنا يكون العلم الاجمالي في الأطراف الدفعية، لأنَّ المفروض أنَّ جيمع اللاطراف موجودة في زمانٍ واحد وأنا اعلم بأن كل واحد منها نجس مثلاً، وأخرى لا تكون في زمانٍ واحد - كمثال المرأة - وإنما الزمان مختلف.

وبهذا يتضح أنَّ شرط العلم الإجمالي ذي الأطراف الدفعية هو وحدة الزمان، فإذا لم يكن الزمان واحداً لم تكن الأطراف دفعية، وأما إذا كان زمان الأطراف مختلف فهذه الأطراف تكون دفعية لا تدريجية.

ولا كلام في كون هذا العلم الإجمالي منجزاً إذا كانت اطرافه دفعية، وهذا شيء متفق عليه بين الأصوليين، وإنما الكلام فيما إذا كانت اطرافه تدريجية، ويمكن أن يقال إنَّ العقل لا يفرق في التنجيز بين كون الأطراف دفعية أو تدريجية.

ولكن قد يشكل على ادخال العقل في المسألة وذلك بأن يقال:- إنَّ مدرك الأحكام هو النصوص الشرعية من كتاب وسنة دون العقل فإنَّ العقل مرفوض عند المدرسة الامامية والمدرسة الامامية تتبع النص في اثبات الحكم لا العقل؟

والجواب واضح حيث يقال:- إنَّ الجميع يتقف على أنَّ العلم الإجمالي منجز ولكن السؤال هو أنه ما هو مدرك المنجزية فهل يوجد نص من آية أو رواية تدل على ذلك أو ماذا؟ وهنا يقال إنه لا يوجد نص يدل على ذلك المدرك لذلك هو العقل، حيث يقول العقل مرةً أنت تعلم بوجود السمّ في هذا الاناء بعينه فهنا يحكم العقل بلزوم تركه لأنه لابد للعاقل أن لا يوقع نفسه في الخطر أو الموت، وهذا حكم عقلي واضح لا يحتاج إلى نص شرعي، وإذا كان يوجد نص شرعي في المقام فهو مؤكد لما عليه العقل، وأما إذا كان هذا السمّ موجوداً ولكنه كان ومردداً بين اناءين فهنا العقل يحكم ايضاً بعدم جواز شرب احدهما لأنَّ هناك علم اجمالي بأنَّ احدهما يوجب تناوله الموت وحينئذٍ لابد من ترك كلا الاناءين، وهذا حكم عقلي أيضاً وهو من الأمور البديهية فإنه قطعٌ والقطع حجيته من الأمور المسلَّمة البديهية وإلا فسوف يختل جميع نظام البشر، فالقطع إذاً إشكال في حجيته من دون فرقٍ بين أن يكون القطع قطعًأ تفصيلياً وبين أن يكون قطعاً اجمالياً.

فإذاً منجزية العلم الإجمالي قضية عقلية قطعية بديهية واضحة وليست لمدركٍ شرعي فإننا قد نعجز عن الحصول على مدرك شرعي لإثبات منجزية العلم الاجمالي في الأمور الدفعية أو التدريجية، وعليه فمنجزية العلم الإجمالي كما هي حجة وثابتة في الأطراف الدفعية كذلك هي حجة وثابتة في الاطراف الترديجية، فالمراة التي حالها ما ذكرهاه عليها أن تحتاط في أمرها.

وقد اختار المحقق العراقي(قده) تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات بعد أن قام بتحويل العلم الإجمالي في التريجيات إلى علمٍ اجماليٍ في الدفعيات.

ويتبنغي أن نخرج مورداً عن محل البحث:- وهو ما إذا كان التكليف فعلياً ومعلوماً على كلا التقديرين ولكن كان التأخر في أحد الطرفين إنما هو بلحاظ الزمان، فنحن نعلم بوجود حكم تكليفي فعلي ثابت في أمور تدريجية، كما لو فرض أنَّ شخصاً علم أنه نذر قراءة سورة يس ولكنه تردد بين يومين أو ثلاثة وأنه هل نذر أن يقرأها اليوم أو غد أو بعد غد، فهذا ما يعبر عنه بالعلم الإجمالي في الأمور التدريجية، وهذا العلم الإجمالي يكون منجزاً، فإنَّ وجوب الوفاء بالنذر هو ثابت من الآن غايته أنَّ متعلقه يكون مردداً بين كونه قراءة سوة يس في هذا اليوم أو قراءتها في يوم غد أو في بعد غد، فأنا عندي علم اجمالي بلزوم قراء السورة في أحد هذه الأيام وفي مثل هذه الحالة يثبت التنجيز مادام الحكم منجزاً وفعلياً غاية الأمر أني لا أعلم بثبوت وجوب القراءة في اليوم أو في غدٍ أو في بعد غد، وهذا العلم بالوجوب ثابت وليس مردداً وإنما المردد هو متعلقه، فالعلم بوجوب القراءة - الذي هو الحكم - ثابت جزماً ولكن متعلق القراءة الذي هو إما قراءة سوة يس هذا اليوم أو قراءتها في يوم غداً أو قراءتها في بعد غد، فيكون هذا العلم الإجمالي بلا اشكال.

نعم إنما يشك في التنجيز فيما إذا فرض أنَّ الحكم لم يكن ثابتاً من الآن كما في مثال المرأة المتقدم فإنّ هذا العلم الإجمالي هو علم اجمالي في التدريجيات وقد وقع الكلام في أنه حجة أو لا، وأما العلم الإجمالي في الدفعيات فلا اشكال في كونه منجزاً.

logo