47/07/09
-التنبيه الثالث ( الاضطرار إلى بعض الأطراف ) – تنبيهات العلم الاجمالي– العلم الإجمالي - الأصول العملية.
الموضوع: - التنبيه الثالث ( الاضطرار إلى بعض الأطراف ) – تنبيهات العلم الاجمالي – العلم الإجمالي - الأصول العملية.
التنبيه الثالث:- الاضطرار إلى بعض الأطراف.
لا اشكال في أنَّ الاضطرار إلى اركاب ما هو حرام يرفع الحرمة لحديث رفع الستعة والذي من أحد فقراته ( رفع عن أمتي ما اضطروا ليه )، فما دام المكلف مضطراً فسوف ترتفع الحرمة، فكما أنَّ حدوث التكليف مقيد بعدم الاضطرار كذلك بقاءه مقيد بعدم الاضطرار أيضاً، وهذا من الأمور الواضحة، فمثلاً في باب الصوم لو كنت مضطراً إلى الإفطار لأنه كان يوجد مُكرِه يكهرني على ذلك فهنا يجوز الإفطار في البداية وكذلك في مرحلة البقاء، فإذا هددني ظهراً أن أفطر فهنا يجوز لي الإفطار لأنَّ هذا الاضطرار يرفع حرمة الإفطار.
لكن الكلام وقع بين الأصوليين في أنَّ الاضطرار هل يرفع التنجيز الثابت بلحاظ الطرف الثاني أيضا مضافاً إلى الطرف الأول المضطر إليه المكلف أو يرفعه بلحاظ الطرف الأول المضطر إليه فقط؟، إنَّ هذه المسألة وقعت محلاً للكلام بينهم بعد الاتفاق على عدم المنجزية بلحاظ الطرف الذي وقع عليه الاضطرار.
وفي هذا المجال نقول:- تارةً يقع الكلام عن حالة الاضطرار إلى راتكاب فردٍ معين، وأخرى يقع عن الاضطرار إلى ارتكاب فردٍ لا بعينه.
الاضطرار إلى ارتكاب المعين:-
إذا فرض أنَّ المكلف اضطر إلى ارتكاب فردٍ معين كما لو فرض أنه كان يعلم بنجاسة اناء الماء هذا ولكن وقعت فيه قطرة بول فصار متنجساً فلا يجوز حينئذٍ تناوله لأنَّ شرب النجس أو المتنجس غير جائز ولكن لو فرض أنَّ المكلف اضطر إلى تناوله حيث لا يوجد ماء آخر وإذا لم يشربه فسوف يموت أو يمرض مرضاً شديداً فهو مضطر إلى ارتكاب ذلك المعين.
وفي تحقيق الحال نقول:- تارةً يكون الاضطرار سابقاً على العلم الإجمالي، كأن اضطررت إلى تناول الماء وبعد أن اضطررت علمت بأنَّ أحد الانائين نجس فالاضطرار هنا حدث قبل تولد العلم الإجمالي وحدوثه، وأخرى يكون الاضطرار حادثاً بعد العلم الإجمالي، مع فرض أنَّ الاضطرار كان إلى فردٍ معين.
أما في حالة سبق الاضطرار على العلم الاجمالي:- فهنا لا اشكال بين الجميع في سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية، فإنَّ المكلف إذا التفت بعد اضطراره إلى نجاسة أحد الاناءين فلا يحصل له آنذاك علم اجمالي بوجوب الاجتناب عن أحدهما لاحتمال أنَّ النجس هو ما اضطر إليه، ومعه لا يعلم بحرمة احدهما؛ إذ لعل الحرام هو المضطر إليه، ومع كون الشيء مضطراً إليه سوف لا تثبت له الحرمة، نعم يوجد علم اجمالي بنجاسة أحدهما ولكن لا يوجد علم اجمالي بالحرمة؛ إذ لعل الذي اضطر إليه هو النجس فعلى هذا الأساس لا يعلم بثبوت الحرمة.
وأما إذا كان الاضطرار ثابتاً وحادثاً بعد العلم الاجمال:- كما لو كنت أعلم بنجاسة أحد اناءين ثم عطشت عطشاَ شديداً واحتجت إلى شرب الماء ولا يوجد عندي غير هذين الاناءين ففي مثل هذه الحالة وقع الخلاف بين العلمين الشيخ الأعظم(قده) والشيخ الخراساني(قده) في ذلك، ومن الواضح أنه بالسنبة إلى ارتكاب احدهما المضطر إليه هو جائز من دون اشكال لحديث ( رفع عن امتي ما اضطروا إليه ) وإنما الكلام بالنسبة إلى الاناء الثاني غير المضر إليه، فالأول شربته فارتفع اضطراري ولكن هل يجوز لي بعد ذلك ارتكاب الاناء الثاني، فالخلاف هو بلحاظ الثاني، وقد ذهب الشيخ الأعظم(قده) إلى وجوب اجتناب الثاني، والوجه في ذلك هو أنَّ المكلف قد تنجّز عليه وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي - وهو النجس الواقعي - وذلك يتوقف على تركهما معاً ولكن الشرع رخّص للمكلف في ارتكاب واحدٍ منهما المعين بسبب الاضطرار فيجوز ارتكابه آنذاك، ولكن وجمعاً بين الحقين – أي بين حق العبد في أنه مضطر ويحتاج إلى شرب احدهما وبين حق الله تعالى وهو تحريم النجس - فحينئذٍ يجوز للمكلف شرب واحدٍ منهما وهو الطرف المعين الذي هو بارد وأما الثاني الذي لم يكن مضطرا إلى ارتكابه قيلزمه تركه جمعاً بين الحقين[1] . ووافقه عليه الشيخ النائيني(قده)[2] في فوائد الأصول.
بيد أنَّ الشيخ الخراساني(قده)[3] خالف في ذلك وقال:- إنه يجوز شرب الطرف المضطر إليه لأجل الاضطرار وأما الثاني فيلزم تركه لأجل أنه غير مضطر إليه، وحينئذٍ واحدٌ يجوز راتكابه والثاني لا يجوز ارتكابه، والحرمة إنما ترتفع بسبب الاضطرار، والاضطرار قد ارتفع بتناول الأول وأما الثاني فلا اضطرار بلحاظه فلا يجوز تناوله، نعم إذ طرأ الاضطرار بعد ذلك إلى الثاني فيجوز حينئذٍ ارتكابه أيضاً.