« قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/05/21

بسم الله الرحمن الرحيم

أصل البراءة مبحث الأصول العملية.

الموضوع:- أصل البراءة- مبحث الأصول العملية.

أصل البراءة الشرعيوالكلام يقع في أنه ماذا يقتضي الشرع ، وهذه قضية ينبغي أن تصير واضحة ، وهي إنه إذا انتهينا شرعاً إلى البراءة فالأصل العقلي ماذا نفعل به ، يعني في مورد قوّة الاحتمال الذي كان الأصل العقلي فيه هو الاحتياط بينما يوجد عندنا الأصل الشرعي يقتضي البراءة فماذا نصنع ؟إننا نرفع اليد عن الأصل العقلي ، فإنَّ العقل أو العقلاء يحكمون بمنجّزية الاحتمال ولزوم الأخذ به عند قوته إذا لم يحكم الشرع بالبراءة ، أما إذا حكم بها فحينئذٍ العقلاء يرفعون أيديهم ، فحكم العقلاء حكم معلّق.

ولو قلت:- ما هي فائدة هذا البحث ، فمن الأوّل لا تبحث الأصل العقلي مادام معلقاً ، وبالتالي نأخذ بالأصل الشرعي فلماذا نضيع الوقت في هذ البحث ؟

والجواب:- هذا صحيح ولكن توجد نكات علمية قد اتضحت في البين مضافاً إلى أنه قد تتصوّر أحياناً ثمرات ولو علمية ، كما إذا فرض التعارض بين الأصول الشرعية فنصل حينئذٍ إلى الأصل العقلي ، وهذا ثمرة ، والأصول العقلية لا تتعارض لأنَّ العقل لا يوجد تعارض في أصوله وأحكامه.

الكلام في الأصل الشرعيوقد استدل عليه بعدة آيات ثم بعدة روايات:-

أما الآيات:- فهي:-

الأولى:- قوله تعالى ﴿ لا يكلف الله نفياً إلا ما آتاها ﴾[1] ، فقد تمسّك بها الشيخ الأعظم(قده)[2] ، ولكن من الملفت للنظر أنَّ صاحب الكفاية(قده) لم يتعرض إلى ذلك ، وأحتمل أنه بنى القضية على الاختصار ، وإلا فلا توجد نكتة أخرى ، وكان من المناسب أن يذكرها حتى يحصل فيها البحث فإما ينتهى إلى دلالتها أو ينتهى إلى عدم دلالتها وهذه قضية ثانية ، ولكن واقع الحال أنَّ صاحب الكفاية(قده) لم يذكر ذلك وإنما ذكر آيةً واحدة وهذا يدل على أنَّه بنى القضية على الاختصار ، وهذه قضية جانبية ليست مهمة.

وكيف نستدل بهذه الآية الكرية ؟

أوّلاً لابد من أن نعرف أنَّ هذه الآية الكريمة أين وردت ؟ إنها وردت فيما إذا كانت الزوجة مطلّقة وكانت حاملاً فلابد من الانفاق عليها إلى أن تضع حملها ، حيث قالت ﴿ وإن كنَّ اولات حملٍ فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ﴾ ، فـ ﴿ وإن كنَّ أولات حمل ﴾ يعني المطلقات ، والخطاب للأزواج حيث قال تعالى ﴿ فانفقوا عليهن ﴾ يعني أيها الأزواج أنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ، ثم بعد ذلك قالت ﴿ لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ﴾ يعني لينفق الزوج من الميسور ، ثم قالت ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ﴾[3] ، فـ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ﴾ ورد ذيلاً في قضية الانفاق على الزوجة المطلقة.

ومن هنا يتولد إشكالان:-

الاشكال الأول:- إنَّ قوله تعالى ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ﴾ ليست واردة في مسألة التكليف وأن الله تعالى لا يكلف بحكمٍ أو بتكليفٍ إلا إذا آتاه ، فهي ليست بهذا الصدد ، وإنما هي ناظرة إلى مسألة الانفاق على الزوجة ، فتكون أجنبية عن المقام ، فالآية الكريمة تقول لا يكلّف الله شخصاً إلا بالمقدار الميسور الذي يتمكن عليه.

والجواب على ذلك:- صحيح إنَّ المورد هو الانفاق على الزوجة ولكن القرآن الكريم أعطى قاعدة كلّية تشمل هذا المورد وتشمل غيره فنتمسّك بالاطلاق ، وسوف تصير النتيجة هي أنه لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها يعني في مسألة الانفاق وهذا فعلٌ من الأفعال ، فـ ﴿ لا يكلف نفساً إلا ما آتاها ﴾ يعني بالمقدار الذي آتاها وأقدرها ومكّنها منه ، كما تشمل مورد الحكم والتكليف أيضاً ، وحينئذٍ إذا فرض أنَّ الحكم لم يصل إلى المكلّف فيصدق أنه ﴿ لا يكلّف الله نفسا إلا ما آتاها ﴾ ، فإذاً نتمسّك بإطلاقها ، وسوف يصير الاستدلال هو إنه وإن كان مورد الآية الكريمة هو الانفاق على الزوجة ولكن مقتضى الاطلاق الشمول للمال الذي هو الانفاق ولغير المال وهو كل فعل غير مقدور ، كأن كلّفني بالجهاد وكنت لا أستطيع ذلك فلا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ، وكذلك الحج فلو لم أتمكن منه فلا أكون مكلفاً به ...وهكذا ، فالإطلاق حينئذٍ يشمل المال والفعل والتكليف - والمهم لنا هو التكليف - فنتمسّك بالاطلاق ، فتكون الآية الكريمة دالة على أنَّ الله تعالى لا يكلّف بحكمٍ إلا إذا آتاها ، وآتاها بمعنى أوصل ذلك التكليف وبيّنه للمكلف ، فالمورد هنا لا يخصص الوارد ، فصحيح أنَّ المورد هو الانفاق على الزوجة ولكنه لا يخصّص القاعدة العامة التي ذكرتها الآية الكريمة.

إن قلت:- إنَّ هذا يلزم منه استعمال الايتاء في أكثر من معنى ، فإنَّ الايتاء بلحاظ الفعل - كالحج أو الجهاد - هو بمعني القدرة ، أما بلحاظ التكليف فهو الايصال والوصول والإعلام ، فيلزم استعمال كلمة ( الايتاء ) في أكثر من معنىً وهو لا يجوز ؟

والجواب:- إنَّ المقصود من الايتاء معنىً واحد وهو الاعطاء ، فـ ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ﴾ نفسّره بمعنىً واحد وهو الاعطاء ، ولكن اعطاء كلٍّ بحسبه باختلاف الموارد ، فالإعطاء بلحاظ الأفعال يكون بمعنى القدرة ، وبلحاظ التكليف يكون بمعنى الإعلام والوصول ، فلا يلزم من ذلك استعمال الكلمة في أكثر من معنى ، بل قد استعملت في معنىً واحد ، غاية الأمر هذا الاعطاء يختلف باختلاف الموارد ، وهذا اختلاف في المصداق وليس اختلافاً في المفهوم ، فلا يكون المورد من الاستعمال في أكثر من معنى.

الاشكال الثاني:- ما أشار إليه الشيخ الأعظم(قده)[4] ، حيث ذكر إنه لو فسّرنا كلمة ( ما ) في عبارة ( ما آتاها ) بالتكليف يعني ( لا يكلف الله نفساً بتكليفٍ إلا بالتكليف الذي آتاها ) فهذا يصير مفعولاً مطلقاً ، فتصير الهيئة وهي نسبة الفعل الذي هو ( يكلف ) إلى ( ما ) مستعملة في النسبة إلى المفعول المطلق ، أما إذا قلنا بأنَّ المقصود من ( ما ) ليس هو التكليف وإنما المقصود هو الفعل فالنسبة إلى الفعل فالنسبة إلى الفعل هي النسبة إلى المفعول به ، فإن الفعل يكون متعلّقاً للإيتاء فهو مفعول به ، لا أنه نسبة إلى المفعول المطلق ، فلزم من ذلك استعمال الهيئة في نسبتين وهذا غير ممكن.

وتوجد عنده اضافة:- وهي أنه قال: إنه لا توجد نسبة جامعة بين النسبتين ، ولو فرض وجودها فالحمل على إرادتها هذه يحتاج إلى قرينة ، فإنَّ الظاهر أنه مستعمل في معنىً واحد لا أنه مستعمل في نسبة جامعة بين النسبتين فإنَّ إرادة هذا يحتاج إلى قرينة لأنه خلاف الظاهر.

وقد أجيب بجوابين:-

الجواب الأول:- ما أفاده الشيخ العراقي(قده) في المقالات[5] ، وحاصله: إنَّ الهيئة مستعملة في نسبة جامعة بين النسبتين ، ومقصودنا من الهيئة هي نسبة ( لا يكلف ) إلى ( ما ) ، فهذه الهيئة مستعملة في النسبة الجامعة بين النسبتين - والنسبتين هي النسبة إلى المفعول به والنسبة إلى المفعول المطلق - ، وهذا جوابه واضح حيث يقال: إنه لا توجد عندنا نسبة جامعة بين النسبتين ، فلا يوجد جامع حقيقي ، وإذا كان مقصودك ليس جامعاً حقيقياً وإنما هي نسبة تتلاءم مع كلتا النسبتين ، فالجواب: إنه لا ندري هل توجد نسبة تتلاءم مع كلتا النسبتين أو لا ، وعلى تقدير وجودها فإثبات أرادتها يحتاج إلى قرينة.

فإذاً ما ذكره غريب.وإذا قال قائل:- إنَّ مفهوم النسبة هو الجامع بينهما .فجوابه:- إنَّ مفهوم السنبة ليس بنسبة.

الجواب الثاني:- ويوجد تلميح إليه من قبل الشيخ العراقي(قده)[6] ، واختاره السيد الشهيد(قده) ، وهو الجواب الوجيه ، وحاصله أن يقال: إذا فسّرنا ( ما ) في ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا ما أتاها ﴾ بالفعل أو بالمال فقد قلنا تصير هذه نسبة الفعل إلى المفعول به ، أما إذا فسّرناها بالتكليف تصير النسبة إلى المفعول المطلق ، ونحن نقول: إنَّ التكليف يمكن أن يستعمل بمعنيين ، فمرة يراد منه نفس التكليف بمعنى المصدر ، ومرة يستعمل بمعنى الحكم الوجوبي والتحريمي فهذا مصداق للتكليف أيضاً ، فعلى تقدير تفسير كلمة ( ما ) بالتكليف بمعنى الحكم الوجوبي أو التحريمي - يعني لا يكلف الله نفساً بتكليفٍ يعني بحكمٍ وجوبي أو تحريمي إلا ما آتاها يعني إذا أوصله إليها - فهنا تصير النسبة هي النسبة إلى المفعول به لا إلى المفعول المطلق ، فإنَّ النسبة تصير إلى المفعول المطلق فيما إذا فسّرنا ( ما ) بالتكليف بمعنى التكليف المصدر ، أما فسّرنا التكليف بمعنى النسبة إلى المفعول به فلا تكون نسبة إلى المفعول المطلق ، وهذا استعمالٌ عرفي أيضاً ، فنحن نستعمل الحرمة والوجوب بمعنى التكليف ، لكنها في الحقيقية ليست هي التكليف بالمعنى الصدري وإنما هي بمعنى متعلّق الكُلفة ، فالتكليف يستعمل بهذا المعنى.

إذاً نفسّر كلمة ( ما ) بالتكليف ولكن التكليف ليس بمعنى خصوص المصدر وإنما بالمعنى الذي يصدق على الحكم الوجوبي أو التحريمي ، وبناءً على هذا تكون النسبة هي إلى المفعول به على جميع التقادير الثلاثة سواء كان مالاً أو فعلاً أو تكليفاً ولكن التكليف بمعنى الوجوب أو الحرمة ، وحينئذٍ لا يرد إشكال استعمال الهيئة في أكثر من نسبة.

[1] سورة الطلاق، .
[2] فرائد الأصول، الأنصاري، ج2، ص21.
[4] فرائد الأصول، الأنصاري، ج2، ص21- 22.
[5] مقالات في الأصول، العراقي، ج2، ص153.
[6] نهاية الأفكار، العراقي، ص57.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo