الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الاصول
33/02/13
بسم الله الرحمن الرحیم
عود على ما سبق
عود على ما سبق
قلنا أن ظاهرة الاختلاف من الظواهر التي ابتلي بها النص الروائي مذ صدر الإسلام.
ثمَّ أشرنا إلى جملة من الاتجاهات لحل هذا الاختلاف.
وقلنا بان الاتجاه الذي عليه العمل لا أقل في المئتين سنة الأخيرة من زمان الشيخ الأنصاري وما بعد تقريباً.
الخطوات التي تمر بها عملية الاستدلال بنصٍ روائي عند المشهور من الأصوليين المتأخرين:
الخطوة الأولى: معرفة أن السند صحيح أو لا، فإذا كان السند غير تامٍ إذن لا قيمة لتلك الرواية ويضرب بها عرض الجدار، ولا قيمة لها، والرواية ليست بحجة.
ولكن صحة السند لا تعني الحجّيّة ، لأنّه بعد أن عُرف أن السند صحيح وأن الرواية لها ظهور نصل إلى حدّ المقتضي للحجية فيتوقف على عدم وجود المانع الذي أشرنا إليه فيما سبق، فإن لم يكن له معارضٌ عند ذلك يتم المقتضي فتكون حجة ونعمل بها ، ولا نحتاج ان نعرضها على الكتاب لأن العرض على الكتاب موقعه في خطوات متأخرة بناء على هذا المنهج.
الخطوة الثانية: عند وجود معارض للرواية، فهنا توجد حالتان:
الحالة الأولى: الجمعٌ العرفيٌ، وبعبارة أوسع: أن يوجد جمعٌ، أعم من أن يكون جمعاً عُرفياً أو جمعاً من خلال رواية أو الطائفة الثالثة من الروايات تعطينا دليلاً على حمل الطائفة الأولى على نحوٍ وحمل الطائفة الثانية على نحوٍ آخر، عند ذلك نجمع بينهما ونعمل بالروايات المتعارضة فنعمل هذه في موردها وتلك في موردها . وهذا هو التعارض البدوي أو التعارض غير المستقر، بحسب الاصطلاح.
الحالة الثانية: التعارض المستقر، وقد ذكروا له شروطاً، قال السيّد الشهيد(ره) في كتابه (تعارض الأدلة، تقريرات السيّد الهاشمي):[الشروط العامّة للتعارض غير المستقر الأوّل: أن يكون المتكلم بكلا الكلامين -المتعارضين المتهافتين- واحداً أو بحكم الواحد]، كما لو المتكلم الاول أمير المؤمنين والمتكلم الثاني الإمام الجواد، ولكن كأنّه كلامٌ واحد.
هذا الأصل الموضوعي لم يبحث في علم الاصول كغيره من الاصول الموضوعية المأخوذة من علم الكلام او الفلسفة او اللغة و... .
[الشرط الثاني: أن لا يكون هناك علمٌ إجمالي بعدم صدور أحد الخطابين] .
[ الشرط الثالث: أن يكون التعارض بين الدليلين تعارضاً ذاتياً لا تعارض بالعرض].
والمهم اننا في الحالة الأولى كنّا نجمع جمعاً دلاليّاً، أما في التعارض المستقر فالقضية تنتقل من الدلالة إلى نفس دليل الحجية.
ولذا قال الاعلام: التعارض المستقر عبارةٌ عن التنافي بين الدليلين بنحوٍ يسري إلى دليل الحجية، فيستحيل أن يكون شاملاً لهذا ولما يعارضه ولما يضادّه.
وبهذ الصدد توجد اتجاهات ثلاثة:
الاتجاه الاول: التساقط، فمقتضى دليل الحجية أن هذين الخبرين بما أنهما تعارضا يتساقطا.
الاتجاه الثاني: التخيير. مخير أن تأخذ بهذا أو أن تأخذ بذاك.
الاتجاه الثالث: الترجيح ونحاول أن نجد مرجحات لأحد الخبرين على الآخر.
هذا إذا نظرنا إلى نفس أدلة الحجية. ولكن هذه في التعارض المستقر.
إن قلت: توجد عندنا أدلة خاصة على العلاج في حالة التعارض فنرجع اليها، نعم، لو أن الشارع لم يعالج الاختلاف لكنا نرجع إلى أدلة الحجية.
قلت: نفس الروايات العلاجية متعارضة.
ولذا قال السيّد الشهيد(ره) (ص337 من تقريرات السيّد الهاشمي): [ننتهي إلى ما هو مقتضى الأدلة العلاجية وهي الأخبار الواردة عن المعصومين لعلاج حالات التعارض والاختلاف الواقع بين الروايات ، والطريف أن هذه الأخبار قد ابتلت بنفسها بالتعارض فيما بينها] فلابدَّ أولاً نحل مشكلة الروايات العلاجية حتّى نجعلها علاجاً للروايات المتعارضة.
ومن الروايات العلاجية روايات العرض على الكتاب وقلنا سابقا ان منهجنا ان العرض على الكتاب هو الخطوة الأولى سواء كانت الرواية لها معارض أم لا، وسواء كانت صحيحة السند أم لا، فان تبين أنها مخالفة للكتاب نضرب بها عرض الجدار.
أما الأعلام فقد جعلوا العرض على الكتاب في الخطوة الرابعة اوالخامسة اوالأخيرة
ولذا لم نقبل: المنهج السندي، لسببين:
اولاً: لان المنهج السندي يثبت لنا الحجية وعدم الحجية، وهما أعم من الصدور وعدم الصدور، ونحن في المنهج المضموني نبحث عن الصدور وعدم الصدور لا عن الحجية وعدم الحجية.
ثانياً: أن المنهج السندي مبتلى بإشكالية غير قابلةٍ للحل وهي أنّ التوثيقات مبنية على ملاكات متعددة من كلامية إلى قرآنية إلى ... ومن هنا تجد أنه قد يوثق على ملاكٍ عقدي ولا يوثق على ملاك آخر.
والثمرة المترتبة على هذا جدُ مهمة، وهي أنه على المنهج الذي نحن نقوله قبل أن نصل إلى بحث التعارض آلاف الروايات نجدها مخالفة للقرآن فنسقطها عن الاعتبار، فتضيق دائرة الروايات المتعارضة، أما على المنهج الأوّل خصوصاً على المنهج الذي يقول كلّ روايات الكتب الأربعة صحيحة تكون دائرة التعارض واسعة جداً.
مثلاً: مسألة سهو النبي(ص) فيها الروايات، وجملة منها صحيحة السند، ولذا أفتى بها بعض أعلامنا المتقدمين لأن هذا المنهج كان المنهج السندي، والروايات صحيحة السند. انتهت القضية.
أما إذا جئت إلى النص القرآني ووجدت أنه يجعل رسول الله في أعلى درجات العصمة فهذه الروايات كلها إما اشتباه من الناقل إما خطأ إما ....
وهكذا في علم النبي وعلم الأئمة وهكذا مقامات النبي وهكذا في أحكام الصلاة وهكذا في أبواب المعاملات و..
المسألة الثانية: وهي الاهم، ما معنى العرض على الكتاب؟ مشهور الأصوليين من زمان الشيخ وما بعد ذلك قالوا على كل آيةٍ اية في القرآن. في (ص318- 319 من تقريرات السيّد الهاشمي للسيد الصدر) <سألت أبا عبد الله عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به، قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله، أو من قول رسول الله وإلا فالذي جاءكم به أولى به>] وتفسير السيّد الشهيد هذا الروايات قال: [والتفسير المشهور لمفاد هذه الطائفة من الروايات أنّ كلّ حديث لا يكون في القرآن دلالة ولو بالعموم والإطلاق يوافق مدلوله ويشهد عليه لا يكون مقبولاً].
والخلاصة: أولاً: ان العرض على الكتاب عندنا هو الخطوة الاولى خلافا للمشهور الذي يجعله في آخر الخطوات.
وثانياً: ان العرض على منظومة مفاهيم الكتاب لا على اية اية كما يقول المشهور.