« قائمة الدروس

الأستاذ السيد كمال الحيدري

بحث الاصول

33/02/09

بسم الله الرحمن الرحیم

اتجاهان في قبول الرواية وردها

 اتجاهان فی قبول الرواية وردها
 قلنا: بأنه واحدة من أهم المباني التي توجد عند أعلام الإمامية المتقدمين هي الاعتقاد بصحة ولكنها ليست الصحة باصطلاح المتأخرين وهذه نكتة أساسية أشار إليها جملة من الأعلام منهم الفيض الكاشاني في مقدمة كتاب الوافي مهمة (ص22) قال: [قد اصطلح متأخروا فقهائنا على تنويع الحديث المعتبر في صحيحٍ وحسنٍ وموثّق فإن كان جميع سلسلة سنده إماميين ممدوحين بالتوثيق سمّوه صحيحاً، أو إماميين ممدوحين بدون التوثيق كلاً أو بعضاً مع توثيق الباقي سمّوه حسنا، أو كانوا كلاً أو بعضاً غير إماميين مع توثيق الكل سمّوه موثقا] فإذا لم يكن واحد من هذه الأقسام الثلاثة فهو ضعيف. [وأول من اصطلح ذلك وسلك هذا المسلك العلامة الحُلي وهذا الاصطلاح لم يكن معروفاً بين قُدمائنا (قدس الله أرواحهم) كما هو ظاهرٌ لمن مارس كلامهم، بل كان المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على كلّ حديثٍ اعتضد بما يقتضي الاعتماد عليه واقترن بما يوجب الوثوق به والركون إليه]
 ما هي القرائن؟ [كوجوده في كثير من الأصول الأربعمائة المشهورة بينهم، وكتكرره في أصلٍ أو أصلين فصاعداً بطرقٍ مختلفة، وكوجوده في أصل معروف الانتساب، و...].
 والشاهد على ذلك ان الشيخ الطوسي مع أنه قائل بحجية خبر الواحد، ولكن خبر الواحد على طريقة المتأخرين يعني ما نقله الثقة أو خبر الواحد بمعنى آخر هو يقوله؟ قال:[وسألني أن أقصد إلى رسالة شيخنا إلى أبي عبد الله الموسومة بالمقنعة لأنّها شافيةٌ في معناها كافيةٌ في أكثر ما يُحتاج إليه من أحكام الشريعة وأنها بعيدةٌ من الحشو وأن أقصد إلى أول بابٍ يتعلق بالطهارة وأترك ما قدمّه قبل ذلك ما يتعلق بالتوحيد والعدل والنبوة والإمامة] وياليت أن الشيخ بدأ بالروايات المتعارضة في أبحاث الأصول والعقائد وان وعد بذلك قال: [وأذكر مسألةً مسألة، فأستدلّ عليها أولاً: إما من ظاهر القرآن أو صريحه أو فحواه أو دليله أو معناه] هكذا كان منهج القدماء الرجوع للقرآن اولاً.. فإذا لم أجد،:[وإما من السنّة المقطوع بها من الأخبار المتواترة] وإذا لم تكن أخبار متواترة [أو الأخبار التي تقترن إليها القرائن التي تدل على صحتها] هذا منهج القدماء الصحة من خلال القرائن لا قال فلان الثقة نعم، قول الثقة احدى القرائن. قال: [وإما من إجماع المسلمين إن كان فيها، فإنَّ لم أجد إجماع الفرقة المحقّة] مراده من المسلمين العمة والخاصة [ثمَّ أذكر بعد ذلك ما ورد من أحاديث أصحابنا المشهورة في ذلك، وأنظر فيما ورد بعد ذلك ما ينافيها أو يضادّها وأبين الوجه فيها إما بتأويلٍ أجمع بينها وبينها ..] إلى آخره.
 اذن الشيخ الكليني عندما يقول: [ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة] لا يريد ان يوثق كلّ رجال السند الموجودين في الروايات التي نقلها حتّى يرد عليهبان بعضهم معروفٌ بالكذب.
 ونفس هذا الكلام في أول من كتاب لا يحضره الفقيه : [ما أعتقد وأفتي بصحته] ليست قضية صحته يعني كلّ أسناد الروايات ثقة ثقة .. وانما هذه الروايات عنه اطمئنان بصدورها من المعصوم.
 والحق والإنصاف لا أقل فيما يتعلق بباب الحُجة من أصول الكافي وجدت الحق معه كاملاً، فهو عندما ينقل رواية أو روايتين أو ثلاثة في بابٍ ولعل في بعض الروايات يوجد ضعف السند بل في أكثر الروايات فيها ضعف السند ولكن هذا المضمون وارد في مائة او مئتين رواية، فهو منتخب مجموعة منها خصوصاً هو يدعي بأنَّ هذا الكتاب مبنيٌ على الاختصار [ووسعّنا قليلاً كتاب الحُجّة وإن لم نكمله على استحقاقه لأنّا كرهنا أن نبخس حضوضها كلها وأرجوا أن يسهل الله إمضاء ما قدمّنا من النية إن تأخر الأجل صنفّنا كتاباً أوسع وأكمل].
 
 المسلك الثاني: يجمع بين الروايات جمعاً دلالياً لأن المفروض أن هذه الروايات كلها صدرت من الأئمة، قال الشيخ الطوسي ص4: [فإذا اتفق الخبران على وجهٍ لا ترجيح لأحدهما على الآخر، بينت أن العمل يجب أن يكون بما يوافق دلالة الأصل] ما هو مراده من الاصل؟ لان الأصول عملية ظهرت في زمن الشيخ الأنصاري المسألة لابد ان تبحث هل هو أصل عقلي أصل قرآني او قواعد مسلمات ...؟
 قال:[وترك العمل بما يخالفه، وإن كان الحكم مما لا نص فيه على التعيين حملته على ما يقتضيه الأصل] كثير من الحوادث لا يوجد فيها نص ما هو حكمها؟ يقول حكمها حكم الأصل؟ ما هو المراد من الأصل هنا؟ [ومهما تمكنت من تأويل الأحاديث من غير أن أطعن في إسنادها فلا أتعدّاه واجتهد أن أروي في معنى ما أتأول الحديث عليه حديثاً آخر].
 وخلاصة الاتجاه الاول: ان كل ما في الكتب الاربعة صحيح وللتخلص من مشكلة التعارض يوجد مسلكان اولهما التخيير وثانيهما الجمع الدلالي.
 الاتجاه الثاني: لا يقول أن كلّ ما ورد في الكتب الأربعة صحيح وانما ينظر في كل رواية رواية، فإنَّ تم سندها على اصطلاح العلامة ومن بعد، يعني ورد توثيق بحق الراوي فيقول رواية صحيحة، فإنَّ لم يكن لها معارض، عمل بها، وإن كان لها معارض عمل بالجمع العرفي فإن لم يتمكن منه عمل بما قاله الشيخ الطوسي من الرجوع إلى المرجحات. ما هي المرجحات؟ نعرض كلتا الروايتين على النص القرآني، فإن كانت هناك آية في القرآن إما عموم آية إما إطلاق آية - عبر عنه ما تشاء- يوافق أحدهما عمِلنا وأعرضنا عن الآخر، وإن لم يوجد أو كلاهما موجود في القرآن نتقل إلى مخلفة العامة وهكذا إلى الآخر. وأفضل من يمثل هذا الاتجاه هو السيّد الخوئي(قده) وجملة من أعلام تلامذته، ولا فرق عندهم أن الرواية واردة في الكافي أو في المستدرك في أي مكان، وانما المهم صحة السند وعدمه.
 الاتجاه الثالث -الذي اعتقده- وهو: أنّه ما من روايةٍ وصلت إلينا من طرقنا أو طرقهم الخطوة الأولى فيها عرضها على القرآن الكريم، قبل كلّ شيء، حتّى لو كان سندها صحيحاً اعرضها على القرآن الكريم فان لم تنسجم مع القرآن الكريم اتركها ولا ينفعنا السند شيئاً ، ولكن ما معنى العرض على القرآن الكريم؟ هنا يوجد نظريتان:
 النظرية المشهورة: تقول: العرض على القرآن يعني العرض على آيةٍ آيةٍ في القرآن الكريم وبعبارة السيّد الشهيد: العرض على القرآن حرفيّاً.
 النظرية الثانية: العرض منظومة معارف القرآن الكريم، يعني مثلاً: نظرية القرآن الكريم في العدل الاجتماعي كم نظرية القرآن في التوحيد، ما هو التوحيد، ما هي قواعد التوحيد؟ وهكذا في المعاد، وفي المعاملات، عندنا روايات كثيرة تقول:<أي شيء سألتمونا فاسألونا أين في كتاب الله>.
 مثال للتقريب: كلّ القوانين التي تشرّع في المجالس النيابية جذورها موجودة في القوانين الدستورية وكل قانون نيابي ليس له جذر في الدستور يكون مرفوضاً.
 وهذا معناه: ان الفقيه عندما يريد أن يدخل في عملية استنباط أحكام المعاملات، أولاً: يذهب إلى القرآن الكريم لتستنبط كلّ القواعد العامة الموجودة للمعاملات في القرآن ثمَّ يأتي إلى الرواية فيعرضها على الأصول العامة فإنَّ اتفقت فبها وإلا<زخرفٌ لم نقله> مثلاً: باب الاحتكار، روايات كثيرة تقول: <الناس مسلّطون على أموالهم> خرج بالدليل بعض الاطعمة واما احتكار الكهرباء والغاز الاجهزة الالكترونية كالكمبيوتر و... هل يدخل في حرمة الاحتكار او لا؟ بقي الأعلام في حيرة لماذا؟ لأن الأدلة دالّة على حرمة الاحتكار لم تنص على ذلك. ولكن عندما ترجع إلى القرآن الكريم تجد بأنَّ البُعد الاجتماعي مُغلّب على حقوق الأفراد بما هم، يعني إذا تزاحمت حقوق المجتمع مع حقوق الفرد النص القرآني يقدم البُعد الاجتماعي،فإذا كان هذا الاحتكار يضر بالمجتمع مباشرةً افتي بالحرمة والروايات التي لا تمنع الاحتكار اضرب بها عرض الجدار وان كانت صحيحة السند لانها مخالفة مع قواعد القرآن.
 والنتيجة: سقوط كثير من الروايات لانها مخالفة للقواعد العامة في القران الكريم.

logo