الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الاصول
33/02/08
بسم الله الرحمن الرحیم
اختلاف الحديث
اختلاف الحديث
اتضح فيما سبق أهمية بحث اختلاف الحديث. والذي قلنا: أنّ بحث تعارض الأدلة في عملية الاستدلال الفقهي يُعد واحدة من شعب أبحاث اختلاف الحديث.
من هنا أوضحنا البُعد الكلامي لهذه المسألة، وكذلك الإشكال الأساسي الذي يورده البعض لتضعيف دور الحديث في فهم المعارف الدينية، فواحدة من أهم الإشكالات التي أوردت على دور الحديث في مقام استكشاف المعارف الدينية قالوا أنّه ما من نصٍ بتعبير الشيخ الطوسي [إلاَّ وله ما يباينه ويضاده] وعلى هذا الأساس فكيف يمكن حصول الاطمئنان والوثوق بالروايات.
وهذه العبارة واقعاً من العبارات المهمة، طبعاً هذا ليس على مستوى كتبنا فقط، على مستوى كتب القوم أيضاً، قال: [وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتّى لا يكاد يتفق خبرٌ إلاَّ وبإزائه ما يضادّه، ولا يسلم حديثٌ إلاَّ وفي مقابلته ما ينافيه].
ولذا تجد من أهم الإشكالات التي أشكل بها المتكلم على المحدث ما في (كتاب: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة 213 - 276هـ) يعني كان معاصر لبعض الأئمة ومعاصر لجزء من الغيبة الصغرى.
(ص41) قال:[أما بعد أسعدك الله تعالى بطاعته وحاطك بكلائته ووفقك للحق برحمته وجعلك من أهله فأنك كتبت إليّ تعلمني ما وقفت عليه من ثلب أهل الكلام أهل الحديث] أهل الكلام يعيبون على أهل الحديث [وامتهانهم وإسهابهم في الكتب بذمهم ورميهم بحمل الكذب ورواية المتناقض حتّى وقع الاختلاف وكثرة النحل وتقطعت العصم وتعادى المسلمون وأكفر بعضهم بعضا وتعلق كلّ فريقٍ منهم لمذهبه بجنس من الحديث] كلّ هذا الذي حديث في تاريخ المسلمين منشأه أهل الحديث، لأنهم نقلوا إلينا هذه الأحاديث. لأنه لا يمكن أن ندعي بأنَّ هذه المشكلة منشأها النبي أو الأئمة لأنه يتنافى مع عصمتهم.
حاول الكثيرون أن يرجعوا منشأ اختلاف الحديث إلى المتلقي، إن شاء الله تعالى عندما نأتي إلى بحث مناشئ اختلاف الحديث سوف يتضح ان كثير من مناشئ اختلاف الحديث نفس المتكلم، <نحن أوقعنا الخلاف بينكم> لأسباب متعددة، بحثه يأتي. ونحن ما لم نتعرف على مناشئ اختلاف الحديث لا يمكننا الجمع بين الأحاديث. وبحثه سيأتي.
قال ابن قتيبة: [فالخوارج تحتج بروايتهم] برواية أهل الحديث [ضعوا سيوفكم على عواتقكم ثمَّ أبيدوا خضرائهم] هذه رواية [ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم خلاف من خالفهم] نفس هذه الروايات الآن يقرؤوها يكفر المسلمين، [والقاعد يحتج بروايتهم عليكم بالجماعة فإنَّ يد الله عز وجل عليها ومن فارق الجماعة قيد شبرٍ فقد خلع رقة الإسلام من عنقه اسمعوا وأطيعوا وإن تأمّر عليكم عبدٌ حبشي صلوا خلف كلّ بر وفاجر...] إلى آخره.
مثل هذه الروايات في كلا المدرستين موجودة.
[والمرجئ يحتج بروايتهم] وينقل مجموعة من الروايات، [والمخالف] للمرجئ [يحتج بروايتهم، والقدري يحتج بروايتهم، والرافضة تتعلق في إكفارها صحابة رسول الله بروايتهم ليردنّ على الحوض أقوام، ثمَّ ليختلجن دوني، فأقول: ولا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض و.... ومخالفوهم يحتجون في تقديم الشيخين ... ويتعلق مفضلو الفقر بروايتهم <اللهم أحييني مسكيناً وأمتني مسكيناً> ويتعلق القائلون بالبدع بروايتهم ...] عقائد وفقه عشرات الموارد يقول انظروا توجد روايات من الفريقين بهذا الاتجاه وبهذا الاتجاه.
ولذا إذا أردت أن تضع قدمك في وادي فهم المعارف الدينية، أولاً: لابدَّ أن تتخذ موقفاً من ظاهرة اختلاف الحديث وظاهرة تعارض الأدلة وإلا دخولك سوف يكون دخول أعمى.
اما ما هي مواقف علماء مدرسة أهل البيت في قبال ظاهرة اختلاف الأحاديث ومعالجة هذه المشكلة لكي نتغلب عليها حتّى نفتح الطريق للاعتماد على النصوص الروائية؟
يوجد أو اتجاهان أساسيان:
الاتجاه الأوّل: وهو الاتجاه -أنا أعبر عنه- الاتجاه التسهيلي، الاتجاه القائم على التوسعة، وهو موجود عند الخاصة والعامة.
وهو يقوم على أساس أن كلّ ما ورد من الروايات صحيحة ومعتبرة، إلاَّ ما دلّ الدليل على كذبها، وفي مدرسة أهل البيت هناك بحث هل هي كلّ الأحاديث أو خصوص الكتب الأربعة؟ الاتجاه العام عند جملة من أعلام الإمامية أن كلّ ما في الكتب الأربعة صحيحة إن لم تكن مقطوعة الصدور، ويوجد اتجاه يقول هناك اطمئنان بصدورها.
يقول المحقق الاسترابادي في كتابه (الفوائد المدنية ص 305- 306):[كما أنه لا يجوز التقصير في تبليغ الأحكام] كيف أن النبي والأئمة في عصر حضورهم لا يحق لهم التقصير في بيان المعارف الدينية، [لا ينبغي في الحكمة الإلهية أن لا يمهد لأهل زمان الغيبة الكبرى مرجعاً يرجعون إليه في عقائدهم وأعمالهم] إذا كانت الحكمة الإلهية تقتضي في عصر الحضور وجود مرجع للناس وهو النبي والأئمة (ع) كذلك في عصر الغيبة الكبرى. [فعُلم أن لنا كتباً ممهدة من جهة الأئمة بأمر الملك العلام] هيئوا لنا مجموعة من المصادر مقطوعة الصدور من الأئمة نرجع إليها.[ومن أن أسباب قطعنا بأحكامهم وأحاديثهم كثيرةٌ وافرةٌ من جملتها أنهم في مدةٍ طويلة تزيد على ثلاثمائة سنة أظهروا دين جدهم عند جمعٍ كثير وجمٍ غفير من الأفاضل الثقات المحققين يزيدون على خمسة آلاف رجل وأمروهم بأنَّ يكتبوا بين أيديهم ما يسمعونه منهم لتعمل به الشيعة لاسيما في زمن الغيبة الكبرى، ولأن لا تحتاج إلى سلوك ما سلكته العامة من الاستنباطات الظنية فألفوا بأمرهم أصولاً كثيرة كانت بخط تلك الأفاضل الثقات وبإملائهم ومن جملتها تقريرهم في تلك المدة الطويلة أصحابنا على الاعتماد على تلك الأصول في عقائدهم وأعمالهم بل تصريحهم بذلك، ومن تصريح الأئمة الثلاثة] الكليني والطوسي والصدوق أن هذه الكتب أخذوها من الأصول الأربعمائة، [وغيرهم (قدس الله أرواحهم) بأنهم أخذوا أحاديث كتبهم من تلك الأصول المجمع على صحتها أو بأنَّ كلها صحيح] إما مقطوعة او لا أقل صحيحة.
سؤال: قبلنا أن كلّ ما في الكتب الأربعة صحيح، ولكن ما في الكتب الأربعة فيه تعارض وتنافي فكيف يأخذ بها الشيعة في عصر الغيبة الكبرى؟ هنا وجد مسلكان.
المسلك الاول: يقول موسعٌ عليك فبأيهما أخذت من باب التسليم وسعك، قال الكليني في مقدمة كتابه أصول الكافي: [وقلت إنك تحب أن يكون عندك كتابٌ كافي يجمع فيه من جميع فنون علم الدين] يعني أصولاً وفروعاً وأخلاقاً [ما يكتفي به المتعلم ويرجع إليه المسترشد ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين].
ان قلت: كيف تقول الاثار الصحيحة نحن نرى فيها روايات ضعيفة، وروايات مرسلة، روايات من مجهول.
يقول: الصحيح على مسلك القدماء وليس الصحيح على مسلك المتأخرين.
قال:[والسنن القائمة التي عليها العمل وبها يؤدى فرض الله عز وجل وسنة نبيه] محل الشاهد [فاعلم يا أخي، أرشدك الله أنّه لا يسعُ أحداً تمييز شيء مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء] يعني الأئمة [التمييز برأيه إلاَّ على ما أطلقه العالم(ع) بقوله: <اعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله عز وجل فخذوه وما خالف كتاب الله فردوه> وقوله: <دعوا ما وافق القوم فإنَّ الرشد في خلافهم> وقوله <خذوا بالمجمع عليه فإنَّ المجمع عليه لا ريب فيه>].
يقول الكليني: لا توجد عندنا القدرة على تطبيق هذه الضوابط:[ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلاَّ أقله] من الذي يستطيع أن يعرف كلّ القرآن حتّى يأخذ بما وافقه ويترك ما خالفه، ومن الذي يستطيع أن يعرف كلّ ما قاله العامة حتّى يأخذ بما خالف العامة، ثمَّ أين المجمع حتّى نأخذه ما من مسألة إلاَّ وفيها عدة أقوال؟ إذن ماذا نفعل؟ قال:[ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من ردّ علم ذلك كله إلى العالم وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله <بأيهما أخذتم من باب التسليم وسعكم>].
وخلاصة المسلك الأوّل:
أولاً: كلّ الروايات معتبرة، و لا نحتاج لا إلى علاج ولا إلى تقديم ولا إلى جمع عرفي ولا.. وإنما بايهما (أخذتم من باب التسليم وسعكم ) هذه الرواية في أصول الكافي، رقم 199 <عن أبي عبد الله قال سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمرٍ كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه كيف يصنع؟ فقال: يرجئه حتّى يلقى من يخبره فهو في سعةٍ حتّى يلقاه>
وفي رواية أخرى: <بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك>.