« قائمة الدروس

الأستاذ السيد كمال الحيدري

بحث الاصول

33/02/06

بسم الله الرحمن الرحیم

بحوث تمهيدية لبحث تعارض الادلة (3)

 بحوث تمهيدية لبحث تعارض الادلة (3)
 وعود على ما سبق حول اهمية السنة بمعناها العام يعني ما ورد من الروايات عن النبي الأكرم(ص) وأئمة أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام) سواء في الفقه الأصغر أو الحلال والحرام او في باب العقائد، او الأخلاق او في بيان تفسير الآيات وغير ذلك من المعارف الدينية.
 قلنا تُعدالسنة المنبع الثاني الأصلي لاستكشاف منظومة المعارف الدينية، والطريق الاول كتاب الله.
 وقلنا: من أهم الفروق بين المنبع الأوّل والمنبع الثاني أنّه وقع الاختلاف الشديد في المنبع الثاني، اما القرآن فهو نصٌ قطعي لم تقع فيه الزيادة والنقيصة.
 ومن أهم الطرق التي ذكرت في النصوص لرفع الاختلاف في المنبع الثاني هو الاحتكام إلى المنبع الأوّل، ولذا في حديث الثقلين جعل القرآن هو الثقل الأكبر في قبال العترة، ولعلّ واحدة من معاني الأكبرية وعدم الأكبرية هو أن ذاك هو الأصل وهذا لابدَّ أن يقاس إليه. وروايات العرض أيضاً كثيرة ونحن لا نحتاج إلى روايات العرض،لان روايات حديث الثقلين المتواترة بين المسلمين كافية لبيان محورية القرآن لأن هذه المشكلة التي ابتليت بها الروايات لم يبتلي بها النص القرآني. وقضية الأكبر وغير الأكبر واردة في نصوصهم بنحوٍ أفضل مما هي واردة في نصوصنا، في شرح مشكل الآثار لأحد أئمة أهل السنة وهو (الإمام الطحاوي، المتوفى سنة 321 من الهجرة) يعني في عصر الغيبة الصغرى. الرواية:<كأني دعيت فأجبت أني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر>من الواضح أن المراد من الأكبر ليس العترة وإنما الأكبر هو الكتاب، <كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض> وعلق شعيب الأرنؤوط وهو من كبار المحققين المعاصرين يقول: [فالحديث صحيحٌ] وعنده كلام في بعض رجال السند له بحث آخر.
 ونفس هذه الرواية واردة وصححها مجموعة من الأعلام منهم الذهبي ومنهم ابن كثير وغيرهم في (البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي) <أحدهما أكبر من الآخر> قال بعد نقل الرواية: [قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي وهذا حديثٌ صحيح] وفي الحاشية يقول [أخرج هذا الحديث الحاكم في المستدرك وعلّق وقال هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي].
 ولكن مع كلّ هذا لاتزال المشكلة موجودة لان الاختلاف في الروايات ألقى بظلاله على فهم القرآن. لأنه لا يمكن تفسر الآية ما لم نرجع إلى الرواية، والروايات فيما بينها متضادة متناقضة متخالفة.
 وهذا هو منشأ الاختلاف بين علماء المسلمين في بعض الأحيان بمائة وثمانين درجة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وكل طرف يستند إلى النصوص.
 ولذا علماء المسلمين من اليوم الأوّل الذي عرفوا خطورة ذلك، بدؤوا يؤسسون لمجموعة من العلوم لمعرفة النصوص الروائية، وهو ما اصطلح عليه في كلماتهم بعلم الدراية، فهو بمعناه العام يشمل عدّة شعب من علوم الحديث.
  في (مقباس الهداية للمامقاني، ج1، ص41) يقول: في المقدمة [فهو أن الدراية في اللغة ... وقد عُرف في الاصطلاح علم يبحث فيه عن متن الحديث وسند الحديث وطرقه من صحيحها وسقيمها وعليلها وما يحتاج إليه ليُعرف المقبول منه من المردود] وعرّفه الشيخ البهائي في الوجيزة بأنه [علم يبحث فيه عن سند الحديث ومتنه وكيفية تحمله وآداب نقله] ثمَّ يفصل الكلام.
 في كتاب (أسباب اختلاف الحديث ص14) يشير إلى مجموعة من شعب العلوم المرتبطة بعلم دراية الحديث مثلاً: علم غريب الحديث وهناك عشرات الكتب مكتوبة في معرفة غريب الحديث، علم مختلف الحديث، علم مشكل الحديث، علم فقه الحديث ونحو ذلك.
 إذا اتضحت هذه المقدمة المختصرة، لابدَّ أن أشير إلى أنّ بحث تعارض الأدلة المبحوث عنه في علم الأصول واحد من شعب علم اختلاف الحديث.
  اما ما هي أهم خصائص مباحث تعارض الأدلة الشرعية في علم الأصول؟ له خصوصيتان:
 الخصوصية الأولى: ان يكون الاختلاف بحد التنافي والتضاد والتناقض، وإلا ليس كلّ اختلاف يؤدي إلى التضاد والتناقض والتنافي، فقد يقع اختلاف بنحو الزيادة والنقيصة، هذا لا يؤدي إلى التنافي في كثير من الأحيان،
 ولذا قالوا في تعريف التعارض: التنافي بين مدلولي الدليلين.
 الخصوصية الثانية: أغلب القواعد في باب التعارض إن لم أقل جميعها إنَّما تنفع في الفقه الأصغر ،لا مطلقاً، فلا يُعقل الجمع العرفي في روايات العقائد او التفسير.
 سؤال: إذن ماذا نفعل بروايات التفسير المتعارضة في تفسير آية معينة؟ ما هي القواعد التي نتبعها للترجيح للجمع للقبول للرد للتخيير ماذا نفعل ما هي القواعد؟ مسكوتٌ عنه في حوزاتنا العلمية مع الأسف الشديد، لا يوجد عندنا علم يتبنى كيفية علاج الاختلاف والتعارض والتنافي في روايات التفسير، نظرة مختصة إلى كتاب البرهان، وكتاب نور الثقلين، تجد أن الآية الواحدة ينقل تحتها عشر روايات، وتلك الروايات متنافية متعارضة، فما هو الجمع بينها؟ ان قلت: نرجع الى العلاج السندي نأخذ الصحيح ونطرح غير الصحيح. قلت: إذا كانت كلها صحيحة ماذا نفعل؟ ان قلت: ناخذ بما موافق كتاب الله. قلت: إذا كانت بعض الروايات موافقة مع فلان آية في القرآن وبعضها الآخر موافقة مع آية أخرى في القرآن ماهو الحل؟
 وقد ذكرنا مراراً أن منظومة المعارف الدينية منظومة واحدة، وأي خلل في أي موقع منها يؤثر على باقي المواقع وباقي الدوائر، مثلاً في باب أصول العقائد، في أصول الكافي،وكتاب الحجة من البحار، الروايات متعارضة فما هو العلم الذي يُعالج لنا التنافي والاختلاف بين روايات العقائد؟
 أوسع من ذلك: الروايات الواردة في الأخلاق، مثلا من جهة عزوف عن الدنيا وانعزال عن الناس وفي المقابل مئات الروايات التي تقول <أن يد الله مع الجماعة> ما هو الطريق الصحيح للجمع بين هذه الروايات؟
 ولذا نحن مذ لعله عشرين عام دعونا إلى علم أصول التفسير، وإلى علم أصول العقائد.
 ولكن يصر البعض -إما جهلاً وفي الأعم الأغلب كذلك، وإما عناداً- على انه إذا صار الإنسان عالماً بعلم أصول الفقه فهو عالمٌ بكل المعارف، وهذا كلامٌ لا أساس علمي له.
 وتكمن الخطورة في مسألة اختلاف الحديث عندما تأخذ البُعد الكلامي، فقد العامّة والخاصة بأن واحدة من أهم المخاطر المترتبة على اختلاف الحديث هو أن لازمه التشكيك العقدي إما بنبوة الأنبياء أو بنبوة النبي الأكرم(ص) وإما بإمامة الأئمة (عليهم أفضل الصلاة والسلام). لانه لو كان من عند الله لما اختلف.
 أنقل لكم بعض الكلمات في هذا المجال.
 المورد الأوّل: في (شرح مشكل الآثار، للإمام الطحاوي، في مقدمة هذا الكتاب الجزء الأوّل في ص80) من المقدمة أو من التحقيق المحقق، يقول عنده كتاب اسمه (شرح معاني الآثار) أيضاً من كتبه المهمة، وهو أول تصانيفه، يقول في صدره [سألني بعض أصحابنا من أهل العلم أن أضع له كتاباً أذكر فيه الآثار المأثورة عن رسول الله(ص) في الأحكام] التفت [التي يتوهم أهل الإلحاد والضعفة من أهل الإسلام أن بعضها ينقض بعضاً لقلة علمهم بناسخها من منسوخها وما يجب عليه العمل منها، إذن صار هذا سبباً لأن يطعن في نبوة النبي الأكرم(ص)]. هذا على مستوى الروايات النبوية
 المورد الثاني: مستوى الأحاديث الواردة عن أئمة أهل البيت، في (مقدمة، تهذيب الأحكام، للشيخ الطوسي) يقول: [ذاكرني بعض الأصدقاء أيده الله ممن أوجب حقه علينا، بأحاديث أصحابنا أيدهم الله ورحم السلف منهم وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد] التفت [حتّى لا يكاد يتفق خبرٌ إلاَّ وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديثٌ إلاَّ وفي مقابلته ما ينافيه] ما المشكلة في هذا؟ قال: [حتّى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا]. اذ واحدة من أهم أدلة المخالف للطعن في الأئمة هي اختلاف الروايات عن الأئمة.
 قال: [حتّى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا وتطرقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا وذكروا أنه لم يزل شيوخكم السلف والخلف يطعنون على مخالفيهم بالاختلاف الذي يدينون الله تعالى به ويشنعون عليهم بافتراق كلمتهم في الفروع] طبعاً في الأصول كذلك، [ويذكرون أن هذا مما لا يجوز أن يتعبد به الحكيم ولا أن يبيح العمل به العليم، وقد وجدناكم أشد اختلافاً من مخالفيكم وأكثر تبايناً من مباينيكم] ممن باينكم، [ووجد هذا الاختلاف منكم مع اعتقادكم بطلان ذلك] يعني دليل بطلان مذهب القوم [دليلٌ على فساد الأصل الذي أنتم عليه]هذا أدلة المخالفين لنا، البُعد الكلامي، اما البُعد الداخلي.
 قال:[حتّى دخل على جماعة ممن ليس لهم قوةٌ في العلم ولا بصيرة بوجوه النظر ومعاني الألفاظ] ماذا؟ [شبهة وكثيرٍ منهم رجع عن اعتقاد الحق] هذا كلام الشيخ الطوسي، يقول: أن بحث تعارض الأدلة فيه بُعد كلامي.
 قال: [وكثيرٍ منهم رجع عن اعتقاد الحق لما اشتبه عليه الوجه في ذلك، وعجز عن حل الشبهة فيه، سمعت شيخنا أبا عبد الله أيده الله يذكر أن أبا الحسين الهاروني] في مكان آخر الهروي، [العلوي كان يعتقد الحق ويدين بالإمامة فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الحديث وترك المذهب ودان بغيره]. والآن توجد طبقة إما في الأوساط العلمية أو خارج أوساطنا العلمية بدأت تسقط او تخفف من دور الحديث في فهم المعارف الدينية.

logo