الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الاصول
33/02/01
بسم الله الرحمن الرحیم
بحوث تمهيدية لبحث تعارض الادلة (2)
بحوث تمهيدية لبحث تعارض الادلة (2)
البحث الخامس: معرفة أهميّة السنّة في فهم واستكشاف المعارف الدينية، وهذه قضية محوريّة وأساسيّة فما لم نلتفت إلى أصل الحاجة إلى السنّة أولاً، ومقدار الحاجة إلى السنّة ثانياً نبقى نتخبط. وهنا منهجان:
الأول يقول: ظواهر القرآن ليس بحجة فلا طريق له لفهم المعارف الدينية إلاَّ من خلال من خلال السنّة، إما الروايات النبوية فقط على مبنى القوم وإما الأعمّ من النبوية والولويّة على مبنى مدرسة أهل البيت.
الثاني: وهو الحق، يقول بأنَّ: القرآن والسنّة -بالمعنى الأعم - <كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً>. هما اساس المعارف الاسلامية.
سؤال: ما هو دور السنة بالنسبة إلى القرآن؟ هل هو دور المفسّر او دور المبيّن ، فإذا وقع تعارض أيهما يقدم؟ عشرات المسائل تُطرح على هذا المبنى، أما على المبنى الأوّل فلا مشكلة.
اذن لا إشكال ولا شبهة أن للسنة دور أساسي في فهم المعارف الدينية، وليس دوراً هامشياً. وهذا بنص القرآن الكريم، وليس من خارج القرآن الكريم، قال تعالى لرسوله <لتبين للناس ما نزل إليهم> لا أنه لتبيلغهم ما أوحي إليك، وكم هو فرق بين عنوان تبين وبين عنوان تبلغ.
القرآن الكريم في جملة من الأحكام بشكل صريح قال للرسول الأعظم <بلغ> أصلاً هذا أمر ليس مرتبط بك، وانما أنت واسطة ايصال الأمر الإلهي <بلغ ما أنزل إليك من ربك> ولكنه في مكان آخر قال للرسول الأعظم <لتنبين للناس ما نزل إليهم>.
ان قلت: القرآن نفسه <هذا بيان للناس> وهل يحتاج البيان الى بيان؟! هذا من إشكالات القائلين (كفانا كتاب الله، حسبنا كتاب الله) والآن أيضاً يوجد اتجاه حديث بدأ في بعض الدول الإسلامية يسمون أنفسهم القرآنيون يدعون للاخذ القرآن فقط لان كلّ الإشكاليات الموجودة في السنة غير موجودة فيه لا أقل تسعين بالمائة منها غير موجودة، فلماذا نضع هذا الأصل الأصيل الذي بأيدينا جانباً ونذهب الى طريق مليء بالاشكالات؟!
قلت: هناك فرق بين البيان والتبيين من الناحية اللغوية والمضمونية، فإنَّ القرآن بيان ووظيفة الرسول هل التبيان لا البيان.
وضمن لنا القرآن أن كلّ ما صدر من النبي (ص) حقٌ <ما ينطق عن الهوى * إن هو إلاَّ وحي يوحى>. إذن كلّ ما ينطقه النبي (ص) وحيٌ يوحى، أعم من أن يكون قرآناً أو روايةً.
وقد صرّح كبار علماء المسلمين أنّ الوحي على نحوين: وحيٌ قرآني ووحيٌ نبوي، ولذا في رواياتٍ صحيحة السند ان رسول الله كان يأمر <أكتب ما يخرج من فيّ فإنه لا يخرج إلاَّ حقٌ>وذلك عندما منع بعض الصحابة من كتابة كلام رسول الله (ص) وقالوا أن رسول الله له حالة رضا وحالة غضب وحالة كذا، فغضب وقال لماذا لا تكتبون؟ قالوا: قالوا لنا أن رسول الله له حالات مختلفة رضا وغضب و... قال: <أكتب كلّ ما يخرج من فيّ فإنه لا يخرج مني إلاَّ حق> وهو كذلك.
في كتاب (المهدي وفقه أشراط الساعة، تأليف الدكتور محمد أحمد إسماعيل المقدم) من الكتب المفيدة جداً، بغض النظر أننا نوافق أو نختلف معه. عنده بحث تحت عنوان (الفصل الأوّل تحت عنوان الشبهة الأولى قول القرآنيين) عند مناقشة القائلون بنفي المهدوية لا المهدوية الشيعة فقط بل أصل فكرة المهدوية يقول: [الشبهة الأولى: لم يرد في القرآن إشارة إلى المهدي ولا حجة فيما سوى القرآن] قال:هذا كلامٌ سقيم، بل السنّة أيضاً حجة لابدَّ من اعتمادها، يقول: [بحث مفصل حول أدلة حجية السنة الشريفة الدليل الأوّل: عصمة الرسول، الدليل الثاني تقرير الله، الدليل الثالث: القرآن وأدلته على أقسام، الدليل الرابع: السنة الشريفة، الدليل الخامس: تعرض العمل بالقرآن الكريم وحده، الدليل السادس: أنه ثبت بالقرآن والسنّة أن السنّة وحيٌ كالقرآن الكريم، الدليل السابع: الإجماع].
البحث السادس: ان السنة تارة تؤخذ من عند رسول الله(ص) مباشرة كالذين عاصروه وعاشوا معه فلا مشكلة. واخرى بواسطة كما بالنسبة الينا ونحن لكي نعمل بنصٍ واردٍ من الرسول أو من الإمام لابدَّ من التوفر على أمور أربعة:
الأمر الأوّل: إثبات صدور هذا النص من المعصوم، نبياً كان أو إماماً لأنه ليس كلّ ما في الكتب صادر عنهم، خصوصاً إذا نظرنا إلى الروايات المتواترة، التي تقول:<من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار>. اذن يوجد من كذب على رسول الله (ص) وهذه الاحاديث المكذوبة موجودة في بطون كتب الحديث، ونحن لكي نعمل بحديث لابد من اثبات صدوره.
الأمر الثاني: بيان المراد من الألفاظ الواردة في النص.
الأمر الثالث: إثبات أن ظهوراتٌ هذه الألفاظ حجة علينا.
الأمر الرابع: أن لا يوجد ما ينافي تلك الظهورات الحجة لكي يسقطها عن الاعتبار.
وهذا هو علم الأصول.
أما الأمر الأوّل، فقد تكفل به بحث حجية خبر الواحد فهل يكفي خبر الثقة أو لابد ان يكون عادلاً العادل؟ وهل يشترط الظن بالصدور أو لا يشترط؟ هل يشترط تحصيل الاطمئنان بالصدور أو لا يشترط؟ عشرات المسائل كلها لإثبات الأمر الأوّل.
واما الأمر الثاني فيتكفل به مباحث الألفاظ في علم الأصول، ابتداءً من المعنى الحرفي والمعنى الاسمي والأوامر والنواهي والمفاهيم والمشتق والمطلق والمقيد والعام.
والأمر الثالث يؤمنه أبحاث حجية الظهور بعنوان (الظهور وحجية الظهور) فيما يتعلق بالموضوع وفيما يتعلق بالمحمول، ومتى ينعقد الظهور، وأن الظهور واقعاً هل يمكن اقتناصه من مجموع الأدلة أو لا؟ وهل أن الظهور ثابت أو متغير؟ بحيث يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والشروط أو لا يختلف. وغير ذلك من الابحاث التي بعضها طرحت في أبحاثنا الأصولية وكثير غيرها تنتظر أن تبحث في الأبحاث الأصولية، واحدة منها تعدد القراءات، هل أن تعدد القراءات حجة أو ليس بحجة؟
والأمر الرابع يتكفل به ابحاث تعارض وكلّ ما بحث في الأمر الأوّل والأمر الثاني والأمر الثالث ينهي إلى الحجية الاقتضائية ولا قيمة اذا كان هناك ما يعارضه نعم، إذا لم يوجد له ما يخالفه و ما يعارضه جاز العمل به. ولذا قلنا زبدة علم الأصول في باب التعارض.
هذا تمام الكلام في بيان أهميّة مباحث تعارض الادلة.