الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الاصول
33/01/29
بسم الله الرحمن الرحیم
بحوث تمهيدية لبحث تعارض الادلة (1)
بحوث تمهيدية لبحث تعارض الادلة (1)
يعد البحث في تعارض الادلة من قبيل البحث في كتاب البرهان في المنطق،لان زبدة الأبحاث المنقطيّة إنَّما تبحث في كتاب البرهان، وإما يتعلق بالكليات ومباحث الألفاظ والقضايا كلها مقدمات لبحث كتاب البرهان.
أن كلّ ما قراناه في علم الأصول أو ما نقرأه تتوقف تماميته وحجيته على هذا الباب، كلّ تلك الأبحاث من قبيل المقتضي والمقتضي إنَّما يؤثر أثره لو لم يكن هناك مانع يمنع من تأثيره.
من باب المثال: خبر الثقة حجةٌ، ولكن بشرطها وشروطها وهو فيما لم يكن له معارض، وإلا إذا كان هناك معارض يقف أمامه فما هو العمل هل نقدم هذا أو ذاك أو نسقطهما أن نتخيّر ؟ الجواب في بحث التعارض.
ولعل من أهم المباحث الأصولية التي جاءتنا، في كلمات الأئمة (ع) بحث التعارض.
وقبل الدخول في أبحاث التعارض نذكر مجموعة من الأبحاث التمهيدية للدخول إلى مباحث التعارض.
البحث الأوّل: هل مباحث التعارض من المسائل الأصولية؟ وقد جرت عادةً الأعلام في أي مسألة يدخلونها ان يبينوا هل هي مسألة أصولية أو ليست مسألة أصولية؟ كمبحث الضد وخبر الواحد والاستصحاب وهكذا.
ونحن لا نجد أي ثمرةٍ علمية تترتب على كون المسألة أصولية أو غير أصولية، أصلاً هذا البحث لغوٌ في لا قيمة له، فالمسألة سواء كانت أصولية أم لم تكن أصولية، مادمنا نحتاج إليها في عملية الاستنباط فلابد من بحثها.
وهذا واضح على مبنى أنّ علم الأصول أو ما يصطلح عليه بعلم الأصول ليس هو علمٌ بالمعنى المصطلح بحيث يكون له موضوع ومسائل ومحمول ، وإنما هي مجموعة مسائل احتاج إليها الفقيه في عملية الاستنباط ليس إلاَّ.
في (كتابي القطع، ص97) أشرت لهذا المعنى بشكل واضح وصريح قلت:[تأسيساً على ما تقدم، فنحن نعتقد بأنَّ ما يصطلح عليه بعلم الأصول ليس علماً بالمعنى الفني فلا يتميز عن باقي العلوم بمائز علمي] فالرياضيات تتميز عن الطبيعيات والطبيعيات عن الفلسفة أما هذا العلم ليس له موضوع معين حتّى يتميز عن باقي العلوم.
نعم، المهم تجذير المسائل في علم الأصول فعندما تريد أن تدخل في أي مسألة لابدَّ أن تعرف أنها داخلة في أي مسألة من مسائل العلوم الأخرى، مثلاً عندما وتريد أن تبحث المعنى الحرفي، لابد ان تعرف هل هو مسألة عقلية او عرفية او أدبية ؟ فإذا كانت عقلية لابدَّ أن تطبق عليها قواعد المنهج العقلي، وإذا كانت كلامية لابدَّ أن تطبق عليها قواعد المنهج الكلامي وهكذا.
إذن المهم في المباحث الأصولية ليس معرفة أن المسألة أصولية أو ليست أصولية، وإنما معرفة أن هذه المسألة إلى أي علم من العلوم تعود حتّى تطبق عليها ذلك المنهج وتلك القواعد المرتبطة بذلك العلم.
وفي باب التعارض سوف نجد مسألة مرتبطة بالعرف، ومسألة مرتبطة بالروايات، ومسألة مرتبطة بالآيات مثلاً: العرض على الكتاب، واحدة من أهم الأدلة العلاجية وهو أنه عندما يقع التعارض بين الاخبار (اعرضوهما على كتاب ربنا).
والنتيجة: انه سيتضح إن شاء الله من خلال عرض مسائل التعارض أننا أولاً نبحث أن هذه المسألة إلى أي أصل ترجع ثمَّ نبحثها وفق منهج ذلك الاصل.
البحث الثاني: موضع ومكان هذه المباحث، المشهور جعلوه في خاتمة المباحث الأصولية.
ولكن هناك رأيٌ يستند إلى مجموعة من الروايات يقول: موضع هذا البحث هو ذيل حجية خبر الواحد، لأن الروايات العلاجية كلها وردت في مورد الخبران فعلى أي أساس نجعلها في آخر مباحث الأصول؟!
وهذا الرأي انفرد به (السيّد أبو الحسن الأصفهاني(قده) في تعليقةٍ له قيمة على الكفاية، (منتهى الوصول إلى غوامض كفاية الأصول) تقريرات الشيخ محمد تقي الآملي -صاحب الحاشية على المنظومة- في(ص251) يقول: [ثمَّ إن الأليق بالوضع أن يُجعل باب التعارض من مسائل حجية الخبر ضرورة أنه كما يبحث عن حجية الخبر الغير المعارَض يكون الأنسب تعقبه] يعني بحث حجية خبر الواحد [بالبحث عن حجية المعارَض].
وفيه: أنه التعارض ليس منحصراً بالأخبار، ولذا عبروا بتعارض الأدلة والأدلة غير منحصرة في الأخبار، نعم، عمدة الأدلة هي الأخبار ولكن القضية أوسع من ذلك.
ولذا اضطر أن يقول: [ثمَّ نبحث بحثاً استطرادياً في تعارض غير الأخبار وهذا مع انحصار المعارضة بالخبر واضح جداً ومع القول بالتعميم وشمولها لمطلق الدليلين] أعم من أن يكونا من الأخبار أو من غير الأخبار، [يكون الأنسب أيضاً ذلك مع تعقب البحث عن الخبرين المتعارضين بالدليلين المتعارضين استطراداً] ويبقى الاشكال على هذا المسلك بان البحث سيكون استطراديا مضافا الى أن جملة من الأدلة بعد لم تبحث وهي الأصول العملية، فكيف يمكن عقد بحث لتعارض الأدلة ومنها الأصول وبعد لم يبحثوا الأصول العملية.
إذن حتّى نتخلص من الاستطراد أولاً، و لا يكون البحث مبني على أصول موضوعة لم يأتي البحث عنها ثانياً، فالصحيح ما فعله المشهور بأن تجعل كخاتمة للمباحث الأصولية جميعا لا أن تجعل في وسط الأبحاث الأصولية.
البحث الثالث: عنون هذا البحث بعناوين متعددة:
- مباحث التعارض.
- مباحث التعادل والتراجيح.
- مباحث التعادل والترجيح، من باب مقابلة المفرد بالمفرد.
- مباحث التعادل والتراجح، لأن الذي يقابل التعادل هو التراجح، لأن تعادل اسم مصدر ليس منسوباً إلى الفاعل، أما إذا قلت تعادل وترجيح فالتعادل بلا نسبة إلى فاعل أما الترجيح نسبة إلى الفاعل.
فأي العناوين أفضل؟
المشهور والمعروف التعبير عنونة هذه المباحث بمباحث التعادل والترجيح، أو التعادل والتراجيح.
ولكن جملة من الأعلام كصاحب الكفاية السيّد الشهيد يقولون:أن البحث لابدَّ أن يكون في التعارض، فما هو سبب الخلاف؟ اما الذين يرجحون عنوان التعادل والتراجيح أوالترجيح يقولون: أن عنوان التعارض بما هو عنوان ليس له حكم في نفسه، إنَّما الأحكام لمصاديق وأفراد وأقسام باب التعارض.
فلو قلنا: باب التعارض وأشرنا إلى الأحكام لكان من قبيل وصف الشيء بحال متعلقه لا وصف الشيء بحال نفسه، من هنا الأفضل ان نقول باب التعادل وباب التراجيح، لأن الذي نريد أن نبحثه هنا أحكام الروايتين المتعارضتين أو الدليلين المتعارضين فإما أن يتعادلا وإما أن يترجح أحدهما على الآخر.
ومن هنا تجد أن الأعلام سبيل المثال: الميرزا النائيني في أجود التقريرات قال: [خاتمة في التعادل والتراجيح] وهكذا السيّد الخوئي(قده) في مصباح الأصول [الكلام في التعادل والترجيح] وفي تقريرات السيد علي الهاشمي الشاهرودي [في التعادل والتراجيح].
ولكن هذه النكتة غير تامة اذ ان أبحاث التعارض ، كما تتعرض لبيان أحكام الأقسام والأفراد، تتعرض لأحكام نفس العنوان، لانه توجد مجموعة من الأحكام مرتبطة بنفس التعارض قبل أن نصل إلى التعادل والترجيح، ومن أهم تلك المسائل هاتان المسألتان:
المسألة الأولى إذا تعارضا فهل الجمع أو الطرح أولى؟ قالوا كلما أمكن الجمع فهو أولى من الطرح وهذا حكم لنفس التعارض، لا حكم أقسام التعارض.
المسألة الثانية: إذا تعارضا فهل الأصل التخيير أو التساقط ؟ بغض النظر عن الأدلة الخاصة.
إذن القول بأنه في باب التعارض نحن إنَّما نكتفي ببيان أحكام الأقسام كلام غير تام، لأنه في باب التعارض كما نريد أن نبين أحكام الأقسام نريد أن نبين أحكام نفس المقسم، ولذا المحقق القمي (قده)، في كتابه القوانين قال: [باب التعارض والتعادل والتراجيح] لماذا يقول هذا الباب ليس لأحكام الأفراد فقط وإنما أن يتعرض لأحكام المقسم أيضاً.
ولكن هذا الجمع وإن كان من جهة جيد، ولكن من جهة أخرى فيه إشكال، اذ أنه جمع بين المقسم والأقسام، المقسم في طول الأقسام وليس في عرضها، وهذا خلاف البحث الفني وإن كان لا محذور فيه.
ولذا نحن مختارنا واختيارنا سوف يقع على بحث (تعارض الأدلة) بما لها من أفراد ومصاديق وأحكام إلى آخره.
البحث الرابع : على المشهور في عنونة الباب ببحث التعادل والترجيح أو التراجيح أو التراجح فما هو الانسب لمقابلة التعادل تراجيح أو ترجيح أو تراجح؟ فصل السيّد اليزدي(قده) صاحب العروة هذا بحث بشكل واسع في كتاب له قيم جداً، (ص)36 قال: [ثمَّ لا يخفى أن التعبير بالتراجيح فيه مسامحةٌ من وجوهٍ: الوجه الأوّل: أن معادلة تعادل التراجح لا التراجيح، الثاني: أنه أطلق الترجيح وذاك عبّر عنه بالتعادل لماذا لابدَّ أن يقال التراجيح، الثالث: أنّه كذا وكذا، الرابع، الخامس...] وذكر مجموعة من الوجوه.
يقول: لماذا عبّر عن التعادل بالإفراد، وعبّر عن الترجيح بالجمع يقول: [وربما يعتذر عن التعبير بالجمع أن التعادل أمرٌ عدمي ولا تمايز في الأعدام] بخلاف الترجيح أمرٌ وجودي والأمور الوجودية واحدة أو متعددة؟ ....