الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الاصول
32/11/26
بسم الله الرحمن الرحیم
الإخطارية والإيجادية في كلام الميرزا(2)
الإخطارية والإيجادية في كلام الميرزا(2)
قلنا أن المرزا ميز بين المعنى الحرفي وبين المعنى الاسمي بأن الاسمي إخطاري وأن الحرفي إيجادي، ولبيان المراد من الإخطارية والإيجادية في كلمات المرزا توجد هناك بيانات متعددة في كلمات المرزا.
البيان الأول: أشرنا إليه بالأمس،وهو أن المراد من الإخطار يعني له تقرر المعنى في وعاء العقل قبل الوصول إلى الوضع والاستعمال، وهذا بخلافه في المعنى الحرفي فإنه ليس له مثل هذا التقرر بل معناه إنما يكون في مرحلة الاستعمال وقبل الاستعمال ليس له معنى. هذا بيان أشرنا إليه. ثم صار البحث في بيان الفرق بين الحركات الإعرابية وبين المعنى الحرفي الذي يقوله أصحاب الاتجاه الثالث وقلنا بأن المرزا بين نكتة وهذه النكتة مهمة جداً وهي أن الحركات الإعرابية كاشفة وحاكية عن شيء بخلاف المعاني الحرفية فإنها تضيف معنى جديداً للمعنى الاسمي.
هذا المعنى في (فوائد الأصول، ص37) قال: (والفرق بين كونه علامة صرفة) يعني الحركات الإعرابية (وبين كونه معنى قائم بغيره) يعني المعنى الحرفي (هو أنه بناء على العلامة) والحركة الإعرابية (يكون الحرف حاكياً عن معنى في الغير) ذاك المعنى موجود وهو كونه ضارب فاعل ولكنه أريد علامة على كونه فاعل، لا أن الضمة أوجدت فيه الفاعلية، لا، هذه الضمة أمر اعتباري كيف يمكن أن توجد أمراً تكوينياً في الواقع الخارجي. نعم، الحركة كشف عن كون زيد فاعل. كشفت عن كونه مبتدأ ونحو ذلك.
(بخلاف الحرف يكون حاكياً عن معنى كحكاية الرفع عن الفاعلية الثابتة لزيد في حد نفسه) ثابتة له وهذه كاشفة (مع قطع النظر عن الاستعمال وهذا بخلاف كون الحرف قائماً في الغير فإنه ليس فيه حكاية عن ذلك المعنى القائم بالغير بل هو موجد لمعنى في الغير) يعني المعنى الاسمي له حالة وله معنى فعندما يأتي الحرف يضيف إليه معنى آخر، وقبل هذا الحرف كان هذا المعنى الإضافي غير موجود. هذا كلام المحقق النائيني.
وهذا الكلام بشكل واضح وصريح وأفضل من هذا ورد في كلمات المحقق الرضي، المحقق الرضي كما نقلنا فيما سبق في (شرح الكافية) هذه العبارة أنقلها من (مباحث الأصول تقريرات السيد الحائري لدرس السيد الصدر ، الجزء الأول من القسم الأول، ص122) قال: (إلا أن الفرق بينهما) بين الاسم وبين الحرف (أن لفظ الابتداء) يعني المعنى الاسمي (ليس مدلوله مضمون لفظ آخر) وإنما معناه متقرر في نفسه قبل الاستعمال وقبل أي شيء آخر (بل مدلوله معناه الذي في نفسه مطابقة) محل الشاهد (ومعنى (من)) الذي هو المعنى الحرفي (مضمون لفظ آخر ينضاف ذلك المضمون إلى معنى ذلك اللفظ الأصلي. اللفظ الأصلي المعنى الاسمي، المعنى الحرفي يضيف له معنى آخر. وهذا نفسه الذي قاله المرزا النائيني. طبعاً المحقق الرضي يقول هذه النظرية يقولها في ضمن الاتجاه الثاني لا في ضمن الاتجاه الثالث، لأنه لم يكن يرى أي تناقض بين الاتجاهين، وهذا ليس مهم، المهم هذا المعنى كاملاً. طبعاً يكون في علمكم المحقق الرضي من أعلام الإمامية الكبار في النحو والصرف والأدبيات ومن كتبه شرح الكافية وشرح الشافية وغيرها ووفاته 676ه.
ولكن الذي أضافه المرزا على هذا المعنى لفظ الإخطار ولفظ الإيجاد. سمى المعنى الحرفي إيجادي لأنه أوجد معنى جديداً، وسمى المعنى الاسمي إخطارياً. وهذا أيضاً مأخوذة من مكان آخر، وهو ما ورد في (هداية المسترشدين في شرح معالم الدين، ص22) الطبعة الحجرية، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، يقول: (الثانية: الغالب في أوضاع الألفاظ أن تكون بإزاء المعاني التي يستعمل اللفظ فيها) عادة الألفاظ موضوعة بإزاء المعاني المستعملة لا المهمة، (كما هو الحال في معظم الألفاظ الدائرة في اللغات) محل الشاهد (وحينئذ فقد يكون ذلك المعنى أمراً حاصلاً في نفسه مع قطع النظر عن اللفظ الدال عليه) يعني له تقرر في وعاء العقل قبل عالم الألفاظ والاستعمال، نص عبارات المرزا التي قرأناها، موجودة في هداية المسترشدين. (فليس من شأن اللفظ إذا أطلق إلا إحضار ذلك المعنى) فسمى المعنى الاسمي المرزا سماه إخطاريات، هنا يسميها إحضاريات والمعنى واحد. قال: (فليس من شأن اللفظ إلا إحضار ذلك المعنى ببال السامع) هذا المعنى الاسمي. (وقد يكون ذلك المعنى حاصلاً من اللفظ من غير أن يحصل هناك معنى قبل أداء اللفظ) يعني المعنى يحصل في مرحلة الاستعمال وإلا قبل الاستعمال لا يوجد معنى. وهذا ما أكده المرزا قال المعاني الحرفية إنما تظهر في مرحلة الاستعمال، أما قبل الاستعمال فليس لها تقرر.
قال: (من غير أن يحصل هناك معنى قبل أداء اللفظ فيكون اللفظ آلة لإيجاد معناه) إذن أصل المطلب في كلمات المحقق الرضي، وكلمات المحقق محمد تقي الأصفهاني، الذي هو صاحب كتاب هداية المسترشدين على شرح معالم الدين، قال: (لإيجاد معناه وأداة لحصوله) ثم يقول (ويجري كل من القسمين في المركبات والمفردات) وهذا بحث آخر وهو بحث لطيف. وهو يقول هذه الإيجادية والإخطارية تجري في المفردات وتجري في المركبات، يعني في الجمل التامة وفي المفردات، وتفصيله موكول إلى هناك.
هذا كله البيان الأول في المقام.
البيان الثاني: هذا البيان الثاني من البيانات المهمة وآثاره كثيرة لا فقط في المعنى الحرفي والمعنى الاسمي بل في مواضع أخرى إن شاء الله تعالى وسأشير إلى بعض الفوائد والآثار المترتبة على هذه النكتة.
لو كانت هناك حقيقة من الحقائق في عالم الأعيان الخارجية سواء كان في عالم المادة أو في عالم الناسوت أو كان في عالم الملكوت أو كان في عالم الجبروت أو كان في عالم الهاهوت، لا فرق، في أي حقيقة في أي عالم من العوالم ولم تكن عندنا ألفاظ نعبر عنها، فلابد أن يكون عندنا لسان الصم والبكم وهو لسان الإشارة
مثلاً عندما إناء فيه ماء كم كلمة عندنا؟ (ماء، وأناء، ،في) يعني تريد أن تقول بأنه صورة الماء في ذهني تحكي هذا الماء الخارجي، وصورة الإناء في ذهني تحكي الوجود الذهني. في الواقع الخارجي يوجد ربط وهو علاقة الظرف والمظروف بين الإناء وبين الماء، الذي أنتم في اللغة العربية تسمونها علاقة الظرفية، هذه العلاقة هي التي أوجدت حقيقة الربط بين الإناء وبين الماء، وهذا هو المعنى الحرفي ، إذن في ذهنك ثلاثة مفاهيم الأول مفهوم الماء، والثاني مفهوم الإناء، والثالث مفهوم النسبة أو الربط.
سؤالنا المطروح: هذه الأمور الثلاثة التي جاءت إلى الذهن، هل مجيئها إلى الذهن على نحو واحد أو على نحوين؟ يعني عندما جاءت صورة الماء جاءت حقيقة الماء أو جاء مفهوم الماء؟ لا إشكال أنه لم يأتِ حقيقة الماء وإلا لو جاءت حقيقة الماء إلى ذهني لتبلل ذهني. النار في الموقد لو جاء النار إلى ذهني لاحترق. خصائص المفهوم الخارجية وحقيقته الخارجية لا تأتي إلى الذهن، ولذا لا صورة الماء في ذهني تحمل خصائص الماء الخارجي ولا صورة الإناء في ذهني تحمل خصائص الإناء الخارجي.
سؤال: هل النسبة مثل المفهومين الآخرين او هي بنحو تختلف عن هاتين الصورتين؟ هنا نقول محال أن الذي جاء إلى الذهن هو مفهوم النسبة، بل الذي جاء إلى الذهن هو حقيقة النسبة بخصائصه الخارجية إذا جئت بمفهوم النسبة سيصير عندك مفهوم الإناء ومفهوم النسبة ومفهوم الماء، وهذه جملة لا يصح السكوت عليها وانما يصح ذلك إذا كان بين الماء الذهني والإناء الذهني نسبة حقيقية يعني لها خصائص الربط، كما أنه بين الماء الخارجي والإناء الخارجي توجد نسبة لها خصائص الربط.
إذن ما الفرق بين هذه المفاهيم الثلاثة؟ الواقع أنه في الإناء وفي الماء جاء مفهومهما إلى الذهن، أما النسبة فجاء حقيقتها وإلا إذا لم تأتِ حقيقتها لا تتشكل جملة. فالجملة التي يصح السكوت عليها هي كلام من مفردات مترابطة بعضها مع بعض وإلا لم تكن جملة، فاذا قلت الماء النسبة الإناء، هذا التعبير لا يبين لك أن الماء في الاناء.
إذن في المعاني الاسمية لكي تحكم بحكم يكفي إخطار مفهومها في الذهن، لا أن تأتي هي في الذهن، أما في المعاني الحرفية هل يكفي إخطار مفهومها أو لابد أن تأتي حقيقتها؟ هنا المرزا النائيني يقول بأن المعنى الحرفي سنخ معنى لا يمكن أن يأتي مفهومه لإيجاد الربط، بل لابد أن يأتي مصداقه ليتحقق الربط، لعله يحتاج توضيح أكثر إنشاء الله تعالى إلى الغد ونقرأ عبارات المرزا.
والحمد لله رب العالمين