الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الاصول
32/11/25
بسم الله الرحمن الرحیم
الإخطارية والإيجادية في كلام الميرزا(1)
المحاضرة (103)
الإخطارية والإيجادية في كلام الميرزا(1)
أحاول إن شاء الله تعالى أن نقرر كلمات المرزا وأن المرزا ما هو مبناه في الإخطارية والإيجادية، وسوف نقف فيه على فوائد الأصول وإلا في أجود التقريرات الكلام مختصر جداً.
في (فوائد الأصول، ج1، ص33) مؤسسة النشر الإسلامي، في البحث عن المقام الأول في بيان معاني الحروف. وفي (ص34 و 35) في القول الثالث، يقول: (إن للحروف معاني ممتازة الهوية عن معاني الأسماء) وليست كما قال صاحب الكفاية أنه لا امتياز ماهوي بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي. ثم يقول: (بحيث تكون معاني الحروف مباينة لحروف الأسماء تبايناً كلياً لا أن معانيها متحدة مع معاني الأسماء) هذه نظرية صاحب الكفاية (ولا أنها علامات صرفة ليس لها معاني) الذي هو الاتجاه الأول الذي اشرنا إليه.
وتوضيح ذلك يقتضي رسم أمور: وسأقرر الأمور أمراً أمراً ونكتة نكتة بالترتيب الذي اعتقده لا بالترتيب الموجود في الكتاب. وبعد ذلك أقرأ بعض العبارات لتأييد المطلب.
الأمر الأول: يقول: لابد أولاً نفهم ما هو المراد من المعنى والمفهوم، يقول: المعنى والمفهوم هو ذلك الذي يدركه الإنسان من الحقائق في عالم تقررها العقلي، قبل عملية الوضع لأن هذه متأخرة عن إدراك ذلك المعنى، وقبل عملية الاستعمال أيضاً لأن الاستعمال فرع ... إدراك المعنى ثم وضع الألفاظ ثم الاستعمال. قبل أن نصل إلى مرحلة وضع الألفاظ وقبل أن نصل إلى مرحلة الاستعمال فهناك مجموعة من الحقائق المدركة عندنا، هذه الحقائق وهذه المعاني المدركة عندنا هي المفاهيم والمعاني.
بغض النظر عن أن تكون لتلك المفاهيم والمعاني ما بإزاء خارجي أو لم يكن له ما بإزاء خارجي. وهذا الذي قلناه فيما سبق بأنه ليس المراد من أنه بإزاء المصداق أن المصداق هو الواقع الخارجي، لان بعض المعاني والمفاهيم ليس له مصاديق خارجية ... ولكنها معاني حقيقة، يقول: (المراد من المعنى والمفهوم هو المدرك العقلاني الذي يدركه العقل من الحقائق سواء كان لتلك الحقائق خارج يشار إليه أو لم يكن له خارج يشار إليه) ومع ذلك هي حقيقة من الحقائق كالعدم فإن العدم مفهوم ومعنى يدركه الإنسان في قبال الوجود مع أنه ليس له مصداق خارجي، بل محال أن يكون لمفهوم العدم مصداق خارجي. أو كشريك الباري إذا قلنا أنه ممتنع بالذات أو اجتماع النقيضين هذا هو الأمر الأول، ذكره لانه بعد ذلك سيبين موضع المعنى الاسمي أين تقرره، وموضع المعنى الحرفي أين تقرره.
نعم، في هذا الأمر الأول يذكر كيف حصل الإنسان على هذه المعاني والحقائق، هذه المعاني والحقائق (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً) من أين حصل عليها الانسان؟ هنا تأتي نظرية والتي شرحناها في العام الماضي في علم الأصول- نظرية التقشير المعروفة على الألسن وهو أنه يأخذ المعنى من الخارج ثم يقشره وهماً وخيالاً إلى أن يجعله خالصاً، وقلنا أن هذه النظرية واضحة البطلان كما شرحناها مفصلاً في محلها، وليس مهماً الآن مناقشة ما ذكره في هذا المجال.
بعد هذه المقدمة. يقول: (المعنى الاسمي هو ما دل على معنى قائم في نفسه في عالم تقرره ووعائه العقلي) قبل أن نصل إلى الألفاظ وقبل أن نصل إلى الاستعمال، لو فرضنا لا مستعمل ولا لافظ ولا واضع فذلك المعنى يفهمه الأطفال ولكن لا يستطيعون أن يفهموا ألفاظها ولا يستطيعوا أن يستعملوها. يقول: إذا كان هناك معنى له تقرر في وعاء العقل قبل أن يصل إلى مرحلة اللفظ والاستعمال فهو معنى اسمي. لذا عبارته (إن الاسم ما دل على معنى في نفسه وهو أن المعنى الاسمي مدرك من حيث نفسه وله تقرر في وعاء العقل) يعني قبل أن نصل إلى مقام اللفظ والاستعمال (من دون أن يتوقف إدراكه على إدراك شيء آخر). هو في نفسه، لو لم يكن في العالم إلا هو لأمكن إدراكه (حيث أنه بنفسه معنى يقوم بنفسه في مرحلة التصور والإدراك وله نحو تقرر وثبوت ولا فرق بين أن يكون هذا المعنى المتصور والمدرك في وعاء العقل بحسب وجوده الخارجي محتاج إلى الغير كالأعراض أم مستغنياً عن الغير كالجواهر) كونه مستغناً عن الغير في الخارج أو محتاج إلى الغير في الخارج هذا مرتبط بعالم وجوده في الخارج لا بعالم تقرره العقلي في وعاء العقل. (سواء كان من مقولة الجواهر أو الأعراض ... والحاصل أن المراد من كون المعنى الاسمي قائم بنفسه) هنا يصرح (هو أن للمعنى نحو تقرر وثبوت في وعاء العقل سواء كان هناك لافظ ومستعمل أو لم يكن وسواء كان هناك واضع أو لم يكن).
إذا كان عندك هكذا معنى وهو أن له تقرر في وعاء العقل من غير أن يتوقف على واضع ولافظ ومستعمل وإدراك شيء آخر فهو معنى اسمي. هذه ضابطته.
أتصور ان المعنى الحرفي بناء على هذا الضابط هو الذي ليس له تقرر في وعاء العقل في نفسه ، إذن لكي يدرك يكون محتاجاً إلى الغير، فهو معنى قائم في غيره.
في (ص36) قال: (إن الحرف ما دل على معنى في غيره أو قائم بغيره فالمراد منه هو أن المعنى الحرفي ليس له نحو تقرر وثبوت في حد نفسه، بل معناه قائم بغيره) إن قلت: ما الفرق بين الاتجاه الأول وهي الحركات الإعرابية فالحركة الفتحة أو الكسرة أو الضمة إذا لم تكن على كلمة لا معنى لها، فلو لم يكن الغير فلا معنى لها، بخلاف كلمة زيد، يعني تلك الحقيقة لها معنى سواء كان فاعلاً أو مفعولاً أو مرفوعاً أو مجروراً أو منصوباً.
الجواب يقول: هناك فرق أساسي بين الحركات الإعرابية وبين المعاني الحرفية، لانه في الاتجاه الأول الحركة حاكية عن حال من أحوال ما تعرض عليه. ولكن المعنى الحرفي موجد لمعنى في غيره.
وبعبارة اخرى: الحركات كاشفة عن واقع موجود في الغير، أما في الاتجاه الثالث المعاني الحرفية ليست كاشفة، بل معطية لمعنى إضافي، مثاله: عندما تقول ضرب زيد فهل الرفع في جعل زيد فاعلاً؟ لا، فزيد هو الفاعل حقيقة، وأنت تريد أن تعبر عن فاعليته فتعبر عنها بحركة الضمة. فحركة الضمة كشفت أن زيدا ليس مضروباً بل ضارباً.
أما في المعاني الحرفية مثلاً (من) في (سرت من البصرة) هذا الابتداء الذي يكون من البصرة إذا كانت (من) غير موجودة فليس في البصرة ابتداء. وهذه نكتة جداً قيمة الحق والإنصاف.
العبارة في (ص37): (والحاصل أن المعنى الحرفي يكون قوامه بغيره) إذن له ليس له تقرر في وعاء العقل في نفسه، هذا أولاً. وإذا لم يكن له تقرر في وعاء العقل فمفاده ومعناه لا يأتي في المرتبة الأولى وانما يأتي في الوضع والاستعمال (ونحو تقرره وثبوته بتقرب الغير وثبوته). ثم يقول: (والفرق بين كونه علامة صرفة) كما هو الاتجاه الأول (وبين كونه معنى قائم بغيره) كما هو الاتجاه الذي هو يريد أن يفسر (هو أنه بناء على العلامة يكون الحرف حاكياً عن معنى في الغير متقرر في وعاء الغير) يكشف لا أنه يوجد. هو موجود ولكن أنت تريد أن تعبر عنه، تعبير عنه بالضمة أو بالكسرة أو بالفتحة (كحكاية الرفع على الفاعلية الثابتة لزيد في حد نفسه) هو في الواقع فاعل فأنت تكشف بالرفع أنه فاعل.
(كحكاية الرفع عن الفاعلية الثابتة لزيد في حد نفسه مع قطع النظر عن عالم الاستعمال) يعني هو فاعل في الواقع، (وهذا بخلاف كونه معنى قائماً بغيره فإنه ليس فيه حكاية عن ذلك المعنى القائم بالغير بل هو موجد لمعنى في الغير). هذا المعنى لم يكن موجوداً إذا لم ينضم إليه هذا الحرف. فإذا انضم إليه يعطيه معنى فوق معناه المتقرر في نفسه. فالبصرة تعني البلد الكذائي، ولكن عندما تقول (من البصرة) لا تحكي المكان فقط بل المكان وأنه صار مبدأ لشيء لسير أو لغيره، هذا كونه لمبدأ من أين استفدناه؟ لا من كلمة البصرة، وإنما أنت أضفته ببركة كلمة (من أو إلى أو غير ذلك).
ثم يضيف نكتة وهذه النكتة جداً مهمة، وهي أنه يأتي في (ص42) يقول: إنما تعطي الحروف أو المعاني الحرفية شيئاً لم يكن موجودا في أصل المعاني الاسمية كالابتداء أو الانتهاء أو الفوقية أو الظرفية في عالم الاستعمال وإلا لا تستطيع هذه الحروف أن تضيف شيئاً. وإنما يتم ذلك في مرحلة الاستعمال..
وهذا فارق أساسي آخر بين المعنى الاسمي وبين المعنى الحرفي، فاولاً المعنى الحرفي تقرر له في وعاء العقل. وثانياً هو متأخر بمرتبة أو مرتبتين من عالم التقرر العقلي للمعاني الاسمية. ويوجد ربط بين الكلمات، يقول الكلمات متباينة بالذات (البصرة، الكوفة) لا فيها ابتداء ولا فيها انتهاء ولا فيها ظرفية ولا فيها خيرية وفلا فيها تقدم ... ابداً، فهي مفاهيم متباينة بتمام ذواتها. ولذا في (ص42) يقول: (إن شأن أدوات النسبة ليس إلا إيجاد الربط بين جزئي الكلام فإن الألفاظ بما لها من المفاهيم) يعني المعاني الاسمية (متباينة بالهوية والذات لوضوح مباينة لفظ زيد بما له من المعنى للفظ القائم بما له من المعنى، وكذلك لفظ السير مباين للفظ الكوفة والبصرة بما لها منا لمعنى) إذن هذه (من وإلى) ماذا تفعل؟ يقول (وأداة النسبة إنما وضعت لإيجاد الربط بين جزئي الكلام بما لهما من المفهوم) لا فقط إيجاد الربط، بل وإيجاد معنى لم يكن موجوداً قبل هذا الربط في الكلام.
وبهذا يتضح لماذا يسمي المحقق النائيني الحروف أنها إيجادية، يعني يوجد معنى في غيره، وبهذا يتضح أن المعاني الاسمية توجد معنى أيضاً ولكن المعاني الاسمية توجد معنى أو تخطر معنى متقرر في وعاء العقل، أي منهما؟ هناك معنى متقرر تضع له لفظاً للحكاية عن ذلك المعنى، جدار هذا الذي الآن قبل أن نسميه، سميته جدار، هذا لفظ الجدار يحكي عن هذا الواقع، فهو يخطر معنى موجود في الذهن، بخلاف الحروف فهي لا تخطر معنى موجود في الذهن، بل توجد معنى في الغير.
وفي (ص37) يقول: (الأمر الثاني: لا إشكال في أن المعاني المرادة من الألفاظ على قسمين: ما تكون إخطارية وما تكون إيجادية). أما الأولى فكذا وأما الثانية فكذا يأتي إن شاء الله والحمد لله رب العالمين.
والحمد لله رب العالمين