« قائمة الدروس

الأستاذ السيد كمال الحيدري

بحث الاصول

32/11/24

بسم الله الرحمن الرحیم

الاشكال الخامس على صاحب الكفاية

 المحاضرة (102)
 الاشكال الخامس على صاحب الكفاية
 
 كان الكلام في الإشكالات التي أوردت على نظرية صاحب الكفاية أو ما ادعاه صاحب الكفاية، أشرنا إلى بعض تلك الإشكالات:
 الإشكال الأول للنائيني والإشكال الثاني للأصفهاني، والإشكال الثالث والرابع للسيد الخوئي والإشكال الخامس أيضاً للسيد الخوئي في المحاضرات.
 فيما يتعلق بالإشكالين الأخيرين يعني الثالث والرابع بينا أنه في هذين الإشكالين يراد بيان هذه النكتة أنه لو التزمنا بمبنى صاحب الكفاية للزم أن تكون بعض الأسماء أو بعض المعاني الاسمية تكون معانٍ حرفية، والتالي باطل فالمقدم مثله، يعني أن المبنى باطل.
 في الإشكال الخامس القضية معكوسة.
 وتوضيح الإشكال الخامس: إن المجهول قد يكون على نحوين:
 النحو الأول: أن تكون أصل الواقعة وأصل الحادثة والحدث مجهولاً بنحو كان التامة، لا نعلم أن زيدا جاء أو لم يجئ، فنسأل هل جاء زيد والجواب جاء زيد أو لم يجئ زيد. هذا نحو من السؤال والمجهول والجواب كما يقولون يكون في أصل القضية.
 النحو الثاني: المجهول ليس أصل القضية وإنما حالة من حالات القضية، وحصة من حصص القضية، كما لو علمت أن زيدا ذهب إلى زيارة كربلاء ولكن تسأل هل ذهب ماشياً أو ذهب راكباً، كونه راكباً أو ماشياً حالة من حالات الحادثة، مع أنه ينظر إليه بنظرة استقلالية، ولكنه حالة لغيره، واشكال السيد الخوئي لا ملازمة بان كل ما كان حالة لغيره يكون معنى حرفياً.
 ولذا عبارته في (المحاضرات، ج1، ص58) قال: (إنما هو المشهور من أن المعنى الحرفي ملحوظ آلة لا أصل له لأنه قد يلحظ المعنى الحرفي) ليس آلة وإنما يلحظ استقلالاً (وذلك لأنه لا فرق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي في ذلك في اللحاظ؛ إذ كما أن اللحاظ الاستقلالي والقصد الأولي يتعلقان بالمعنى الاسمي في مرحلة الاستعمال) كما عندما نسأل أنه جاء أو لم يجئ، هذا السؤال عن شيء اسمي بلحاظ استقلالي (كذلك قد يتعلقان بالمعنى الحرفي) ما هو المعنى الحرفي؟ أن ينظر حالة لغيره ولكن يلحظ بلحاظ آلي أو بلحاظ استقلالي؟ أن ينظر بلحاظ استقلالي مع أن المسئول والمنظور إليه والمطلوب في الاستعمال هو آلة لغيره وحالة لغيره، وإنما هو وصف وحصة لغيره. (يتعلقان بالمعنى الحرفي لأنه هو المقصود بالإفادة في كثير من الموارد وذلك كما إذا كان ذات الموضوع والمحمول معلومين) كما في النحو الأول (ولكنه كان جاهلاً بخصوصية الموضوع أو بخصوصية المحمول) الذي هو النحو الثاني وهو مجيء زيد مسلم أو سفره لا إشكال، أكله بلا ريب ولكن الكلام ما هي الحالة وما هي الخصوصية وما هي الكيفية، سؤال عن كان الناقصة لا عن كان التامة. (ولكنه كان جاهلاً بخصوصيتهما) بخصوصية الموضوع أو المحمول (فسأل عنها) سأل عن الخصوصية (فأجيب على طبق سؤاله) سأل عن الخصوصية وأجيب عن الخصوصية (إذا كان معنى آلياً يمكن أن يسأل عنه ويجاب عنه أو لابد أن يكون معنى استقلالي، إذا كان اللحاظ آليا يمكن أن يسأل عنه؟ لا يمكن، لابد أن يكون اللحاظ استقلاليا حتى تسأل عنه، مع أنه حالة لغيره، هو معنى حرفي (فهو والمجيب) يعني السائل والمجيب (إنما ينظرون إلى هذه الخصوصية) التي هي حالة للغير (نظرة استقلالية).
 إذن تجدون انه ليس كل ما نظر إليه نظرة استقلالية فهو معنى اسمي بل قد يكون معنى حرفيا وينظر إليه نظرة استقلالية.
 هذا هو الإشكال الآخر للسيد الخوئي على نظرية صاحب الكفاية.
 يمكن أن يجاب عن هذا الإشكال ببيانين- لا أريد أن أقول بجوابين-:
 البيان الأول: إذا كان صاحب الكفاية بصدد ادعاء أن المعنى الحرفي لا يمكن أن يلحظ في مقام الاستعمال بلحاظ استقلالي، صح اشكال السيد الخوئي عليه. ولكن هذه ليست دعوى صاحب الكفاية، وانما يدعي صاحب الكفاية أن المعنى الحرفي سنخ معنى لا معنى له إلا في غيره، فصاحب الكفاية يريد أن يقول أن المعاني على نحوين: معان في نفسها ومعان في غيرها، كما في الوجود فالجوهر وجوده لنفسه والعرض وجوده لغيره، كذلك الاسمي والحرفي قالوا معناه في نفسه ومعناه في غيره. وهذا غير مرتبط بأن الذي بالغير يمكن أن ينظر إليه باستقلالية أو لا، ذاك بحث آخر.
 وصاحب الكفاية لم يعرض لهذه المسألة بل يعرض لمسألة أخرى وهي أن المفهوم إما معناه في نفسه وهو الاسمي، أو معناه في غيره. ونقض السيد الخوئي لا علاقة له بتلك الدعوى. هذا بيان.
 وببيان آخر: وهو أنه حصل خلط بين اللحاظ الإجمالي والتفصيلي وما ذكره صاحب الكفاية. فما ذكره السيد الخوئي من أنه تارة السؤال عن مجيء زيد وأخرى السؤال عن كيفية مجيء زيد مرتبط باللحاظ الإجمالي والتفصيلي لا بالمعنى الحرفي والمعنى الاسمي. ونحن حديثنا في المعنى الاسمي والمعنى الحرفي لا باللحاظ الإجمالي واللحاظ التفصيلي. إذن هذا الإشكال أيضاً في غير محله.
 إلى هنا لم يم أي إشكال على تمامية ما ذكره صاحب الكفاية، ولكن يبقى عندنا بحث آخر مع صاحب الكفاية، ما هو أساس هذه الدعوى، يعني ما البرهان والدليل عليها، هذا الذي لم يتضح من كلمات صاحب الكفاية وإنما أوكل ذلك إلى الوجدان كما تقدم في الأبحاث السابقة، قال المعنى واحد ولكن الواضع في مقام الاستعمال تارة وجد ذلك المعنى آلياً فوضع له (من) وأخرى وجده استقلالياً فوضع له لفظ الابتداء. ولكن المعنى واحد، والاختلاف طارئ عارض على مقام الاستعمال وإلا قبل مقام الاستعمال وقبل الألفاظ وقبل الكلمات وقبل وقبل ... لا يوجد عندنا في صقع نفس الأمر معنيان مختلفان ذاتاً أحدهما أسمي والآخر حرفي.
 الاتجاه الثالث
 من هنا لابد من الانتقال إلى الاتجاه الثالث، وهو الاتجاه الذي تقريباً أعلام المتأخرين عموماً التزموا به.
 وهذا الاتجاه يمتاز بخصوصيتين:
 ألأولى: يقول كما أن للأسماء معان كذلك للحروف معاني، وبهذا يختلف هذا الاتجاه عن الاتجاه الأول حيث لا يرى أن للحروف معاني، هذا الركن الأول.
 الركن الثاني: أن الاتجاه الثاني كان يرى أن المعنى واحد والاختلاف بلحاظ الاستعمال، وهذا الاتجاه يقول هناك تباين بين المعنى الحرفي والمعنى الاسمي.
  قال في المحاضرات: (القول الثالث) يعني الاتجاه الثالث (ما اختاره جماعة من المحققين) النائيني والأصفهاني والسيد الخوئي والسيد الشهيد الصدر وغيرهم من الأعلام المتأخرين عموماً مبناهم هذا الاتجاه الثالث (وهو أن المعاني الحرفية والمفاهيم الاسمية متباينتان بالذات والحقيقة) وبهذا اختلف عن الاتجاه الثاني الذي يقول في المعنى هما واحد ولكن بلحاظ، الاستعمال يكونا اثنين.
 هذا هو القدر المشترك بين هؤلاء، ولكن ما هو تفسير هذا؟
 لعله في الاتجاه الثالث توجد ثمانية إلى عشرة نظريات في هذا المجال، كلها في إطار هذا الاتجاه الثالث، يعني هؤلاء اتفقوا على شيء واختلفوا في شيء آخر. قالوا يقيناً أن المعنى الاسمي والمعنى الحرفي متباينان بالذات، ما هو المعنى الحرفي؟ مثلاً النائيني قال بأنه المعاني الاسمية اخطارية والمعاني الحرفية إيجادية،
 والتباين بتمام الذات. ويكون في علمكم فقط من باب الفائدة، هذا التباين في الذات مأخوذ من كلمات المشائين أن الوجودات متباينة في الذات، ويكون في علمكم نحن في الفلسفة في (شرح الأسفار، ج2) قلنا التباين بالذات محال عقلاً، لأنه لا تباين تام إلا بين الوجود والعدم... .
 على أي الأحوال، أصل الاتجاه محفوظ عند الأعلام، ولكن وقع الاختلاف الشديد بينهم في تفسير المعنى الحرفي وبمَ يتميز عن المعنى الاسمي وفي تفسير المعنى الحرفي وبمَ يتميز عن المعنى الاسمي.
  النظرية الأولى أو التفسير الأول هو ما نسب إلى المحقق النائيني من أن المعاني الاسمية معاني إخطارية والمعاني الحرفية معاني إيجادية. وهنا بدأت المعركة بين تلامذة المحقق النائيني، في ما هو مقصود النائيني من الإخطاري والإيجادي.
 قبل أن ننتقل إلى معركة تلامذته نذهب إلى كتبه ونرى ماذا يقول وبماذا فسر كلامه.
 
 والحمد لله رب العالمين

logo