« قائمة الدروس

الأستاذ السيد كمال الحيدري

بحث الاصول

32/11/20

بسم الله الرحمن الرحیم

المصدر واسم المصدر بين النحاة والاصوليين4

 المحاضرة (101)
 المصدر واسم المصدر بين النحاة والاصوليين4
 اتضح لنا بما لا مجال للكلام فيه أن المصدر واسم المصدر في اصطلاح النحاة يختلف جذرياً عن المصدر واسم المصدر في اصطلاح الأصوليين. حيث أن النحاة واللغويين قالوا بأن المصدر واسم المصدر يتفقان في المعنى، وكلاهما دال على المعنى المجرد من غير أن يتضمن أي نسبة إلى الغير.
 وعلى هذا الأساس فما أشكل به السيد الخوئي على صاحب الكفاية غير وارد، لأنه كان مبنياً على الاصطلاح الثاني الذي لا أثر له في كلمات النحاة واللغويين، وهو أنه معنى اسمي يتضمن معنى حرفي. بل إما معنى اسمي وإما معنى حرفي، أما اسمي يتضمن معنى حرفياً كما فسر المصدر فهذا لا وجود له. هذا بحثه سيأتي بعد ذلك ولكن للإشارة حتى يتضح بأنه ما هو جوابنا على إشكال السيد الخوئي على صاحب الكفاية.
 إذن النحويون يرون من حيث المعنى لا فرق بين المصدر واسم المصدر بخلاف الأصوليين فأنهم يرون أن المصدر من حيث المعنى معناه، لا لفظه، معناه هو الحدث المنسوب إلى الغير، فيه نسبة إلى الغير، أعم من أن يكون ذلك الغير فاعلاً أو يكون ذلك الغير مفعولاً. وهذا ما صرح به (بخلاف اسم المصدر فإنه إشارة إلى المعنى المجرد)، السيد الخوئي في حواشيه على أجود التقريرات، ص24، قال: (لزم منه كون جميع المصادر معاني حرفية فإنها) أي المصادر (تمتاز عن أسماء المصادر بكونها) أي المصادر (مأخوذات بما أنها أوصاف) يعني فيها نسبة ... الوصف فيه نسبة إلى الموصوف (بخلاف أسماء المصادر الملحوظ فيها الحدث بما أنه شيء في نفسه) يعني ليس فيه نسبة إلى الغير (مع قطع النظر عن كونه وصفاً لغيره).
 إذن الأصوليون يقولون - أو لا اقل كلام السيد الخوئي وهو المشهور بين الأصوليين إلا ما ندر لعل النائيني لا يقول ذلك- بأن المصدر معناه هو أنه فيه نسبة إلى الغير، بخلاف اسم المصدر فليست فيه النسبة, ولذا السيد الخوئي في (المحاضرات، ج1، ص278) قال: (وبهذا الاعتبار يعبر عنه باسم المصدر ويمكن أن يلاحظ مرة ثانية) يعني اسم المصدر (بالحيثية الأخرى وهي أن وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه) كالأعراض اذ الأعراض وجودها في نفسها لغيرها، فيكون فيه نسبة إلى الغير (وأنه طور من أطوار الغير وعوارضه وبهذا الاعتبار يعبر عنه بالمصدر؛ إذ قد اعتبر فيه نسبته إلى فاعل ما) ليس بالضرورة نسبته إلى الفاعل فقد يكون الى المفعول.
 ولذا يعبر تارة تعبير آخر (وإن شئت قلت أن اسم المصدر وضع للدلالة على الوجود المحمولي في قبال العدم كذلك) في الفلسفة عندنا وجود محمولي ووجود نعتي ويراد من الوجود المحمولي كان التامة، كما في (زيد موجود) أما الوجود نعتي فهو كما في (زيد قائم) فالقيام أيضاً نحو من الوجود ولكن يسمى الوجود النعتي يقول السيد الخوئي : إذا نظرت إلى اسم المصدر فهو كالوجود المحمولي وإذا نظرت إلى المصدر فهو كالوجود النعتي، قال: (والمصدر وضع للدلالة على الوجود النعتي في قبال الوجود النعتي) يعني الوصفي.
 إذن إلى هنا اتضح ان هناك فارق جوهري وجذري بين اصطلاح النحاة في المصدر وأسم المصدر وبين اصطلاح لا أقل بعض الأصوليين في المصدر واسم المصدر من حيث المعنى.
 أما من حيث اللفظ، قال النحاة إذا كان اللفظ يشتق منه فهو مصدر، وان لم يشتق منه فهو اسم المصدر.
 فهل الامر كذلك عند الاصوليين قال السيد الخوئي: (وإما بحسب الصيغة) المراد من الصيغة يعني اللفظ (وأما بحسب الصيغة ففي اللغة العربية قلما يحصل التغاير بين الصيغتين) صيغة المصدر وصيغة اسم المصدر، يعني لفظ المصدر ولفظة اسم المصدر (بل الغالب أن يعبر عنهما بصيغة واحدة) بلفظ واحد (كالضرب مثلاً فأنه يراد به تارة المعنى المصدري) المعنى المصدري يعني الدال على النسبة (وأخرى ذات الحدث) الذي يعبر عن المعنى بالحدث وهو اصطلاح النحويين (وأخرى ذات الحدث فهما مشتركان في صيغة واحدة).
 سؤالنا موجه الآن للسيد الخوئي وللأعلام الذين يقولون أنهما من حيث المعنى اثنان، إذا كانت الصيغة واحدة لا أقل في الأعم الأغلب كيف تميزون بينهما؟
 جوابهم بجملة واحدة كما أجاب السيد الخوئي، قال: (فأنه يراد به تارة المعنى المصدري) عندما يستعمل في جملة، وهذا ما أشرنا إليه فيما سبق وقلنا أن الأصوليين وقع في كلامهم خلط بين المصدر واسم المصدر في نفسه والمصدر واسم المصدر في الاستعمال. فإذا كان المقصود المصدر واسم المصدر في الاستعمال، فالحق مع الأصوليين و يصرح النحاة بان المصدر واسم المصدر من حيث المعنى في نفسه واحد ولكن من حيث الاستعمال والعمل والتأثير مختلفان، اذ تارة يؤخذ فيه النسبة وأخرى لا يؤخذ فيه النسبة. وضربنا المثال وقلنا تارة تقول أعجبني ضرب زيد عمرا، أو أعجبي قتل علي عمرا، وضرب وقتل هنا أخذ فيه نسبة إلى الفاعل لا نسبة إلى المفعول. وفرق كبير بين المعنى وبين الاستعمال.
 أقول: الجواب الذي ذكره صاحب الكفاية، قال: أن الآلية والاستقلالية غير مأخوذة في المعنى، ولكن مأخوذتان في الاستعمال، إذا استعملته آلياً يكون حرفياً وإذا استعملته استقلالياً يكون اسمياً. قال: (فإنه يراد به تارة) معناه اللغوي غير متوقف على الإرادة، إذن يتبين أن المعنى غير مختلف وإنما الاختلاف يأتي من الإرادة والاستعمال.
  اما قولنا: الفتنة أشد من القتل،عندنا الفتنة مصدر والقتل مصدر، الصدق خير من الكذب. الصدق مصدر والكذب مصدر. التوحيد خير من الشرك {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} فلا تريد أن تتكلم عن الفاعل او عن المفعول بل تريد أن تقول هذا المعنى، هذا المفهوم هذه الحقيقة المجردة عن كل شيء أفضل او أحسن او أشد... .
 وهذا اسم مصدر وذاك مصدر. ولكن كون الاستعمال فيه نسبة او عارٍ عن النسبة غير مرتبط بالمعنى بل مرتبط بعالم الاستعمال فمن قال من الأصوليين أن المصدر معناه ما أخذ فيه نسبة إلى الغير وأن اسم المصدر ما أخذ فيه المعنى المجرد من غير نسبة هؤلاء خلطوا بين المعنى المصدري واسم المصدر في نفسه، وبين استعمال المصدر واسم المصدر.
 بحث آخر:
 نتعرض اليه اجمالاً، ولعله في بحث المشتق سنقف عنده. وهو بناء على نظرية الأصوليين في معنى المصدر واسم المصدر، لا في الاستعمال نسأل: الفعل مماذا يتركب، من أمر واحد أو من أمرين؟ قلنا سابقا: من أمرين: أولاً من الحدث المعنى المجرد وثانياً النسبة إلى الزمان، أما المضي أو إلى الاستقبال أو إلى الحال ... سؤال: إذن الفعل أيضاً يتضمن معنى منسوب إلى آخر. وأنتم فسرتم المصدر معنى يسند إلى الغير، إذن لم يبق هناك فرق بين المصدر وبين الفعل، من حيث المعنى. كما أن المصدر هو المعنى المنسوب إلى الغير، كذلك الفعل. من هنا اضطر جملة من الأصوليين أن يقولون: نعم، سلمنا معكم أنه كما يوجد في المصدر نسبة كذلك في الفعل توجد نسبة ولكن الفارق أن النسبة في المصدر ناقصة والنسبة في الفعل تامة. وقد قرأتم في محله في علم الأصول أن النسبة التامة يصح السكوت عليها والنسبة الناقصة لا يصح السكوت عليها، مثل زيد قائم، وقيام زيد. زيد قائم جملة تامة ونسبة تامة يصح السكوت عليها، ولكن قيام زيد، جملة ناقصة ونسبة ناقصة لا يصح السكوت عليها.
 وهناك بحث هل تتضمن الأفعال الزمان أو لا تتضمن؟ لأنه إذا كان الفعل يتضمن الزمان واستعمل فيما لا زمان له يكون استعمالاً مجازياً، {وكان الله غفوراً رحيماً} هذه كان فيها زمان أو ليس فيها زمان؟ ولذا جملة من الحكماء والعرفاء اضطروا أن يسموا هذه (كان الوجودية) لا كان الزمانية الناقصة، حتى يميزوا أن هذه (كان) المستعملة في الزماني له زمان، في غير الزماني لا زمان له، من هنا حاول جملة من الأعلام قالوا أن الأفعال بنفسها لا تتضمن زماناً. نعم، إذا استعمل الفعل في الزماني يتضمن الزمان ... أما هو في نفسه لا زمان له. هذا بحثه سيأتي في بحث المشتق.
 المهم ان الاصوليين فرقوا بين النسبة في المصدر وبين النسبة في الفعل بكونها في المصدر ناقصة وفي الفعل تامة.
 بعد هذا كله نرجع إلى بحثنا.
 السؤال: ما ذكره السيد الخوئي من الإشكال على صاحب الكفاية - يلزم بناء عل نظرية صاحب الكفاية أن تكون المصادر معانٍ حرفية - تام أو غير تام؟ الجواب: الإشكال غير وارد.لأن المصدر لا توجد فيه نسبة حتى يتحول إلى معنى حرفي.
 اللهم إلا أن يقال بان صاحب الكفاية ممن يفسر المصدر بما فيه نسبة إلى الغير، فعند ذلك نحتاج إلى جواب آخر غير الجواب الذي أشرنا له.
 فيكون الاشكال مبنائياً وأما اصطلاحياً، يعني على اصطلاح النحاة لا يرد الإشكال وعلى اصطلاح الأصوليين يرد الإشكال.
 أما جواب السيد الصدر على الإشكال كما في (مباحث الأصول، ج1 من القسم الأول، ص132) تقريرات السيد الحائري يقول نسأل من السيد الخوئي هل مرادك مادة المصدر أو هيئة المصدر؟ فإن كان مرادك مادة المصدر فالمادة تبقى معنى اسمياً ولا توجد فيها نسبة إلى الغير، وإن كان مرادك هيئة المصدر فهيئة المصدر معنى حرفي ولا محذور فيه لأن الهيئات كلها معاني حرفية، فلا يرد الإشكال على صاحب الكفاية.
 قال (قده): (أن المصدر قد وضعت مادته لمفهوم الحدث) يعني ذلك المعنى المجرد (وهيئته للدلالة على كون الحدث حالة في الفاعل أو المفعول) هيئة المصدر (وفرقه) أي المصدر (عن اسم المصدر هو أن اسم المصدر قد وضع بمادته لمفهوم الحدث من دون أن يكون لهيئته وضع مستقل يدل على صدوره من الفاعل أو وقوعه على المفعول) ثم يسأل السيد الخوئي ويقول (فإن كان المراد من هذا النقض أن مادة المصدر يلزم أن تكون حرفاً فللمحقق الخراساني أن يقول أن مادته تدل على مفهوم الحدث ولا يدل على النسبة، والهيئة تدل على الصدور) هيئة المصدر (بما هو حالة في غيره وإن كان المراد أن هيئة المصدر صارت حرفاً فهذا لا بأس به) لأن كل الهيئات معاني حرفية.
 فهل هذا جواب السيد الشهيد تام أو لا؟
 ظاهر الكلام أنه قبل أن المصدر مركب من مادة ومن هيئة، وأن المادة موضوعة بوضع وأن الهيئة موضوعة بوضع. وهنا نسأل: إذا كان الأمر كذلك ما الفرق بين (الضرب) و(الضارب) ففي الضارب المادة موضوعة لمعنى والهيئة موضوعة للنسبة إلى الفاعل؟ لا يبقى بين المشتقات والمصادر فرق.
  ولكن من أين جاء الخلط في كلمات السيد الشهيد؟
 الهيئة تطلق على نحوين في كلمات المحققين: النحو الأول هيئة للدلالة على نسبة معنية. كما في (ضارب، ومضروب ...) وكل المشتقات كـ(فاعل، فعيل، صيغ المبالغة،...) كل واحدة من هذه الهيئات بالإضافة إلى المادة تبين معنى المادة أي نسبة فيها، نسبة اسم الفاعل، نسبة اسم المفعول، صيغة مبالغة، صفة مشبهة وغير ذلك. هذا نوع من الهيئات.
 ونوع آخر من الهيئات ليست للدلالة على نسبة معينة زمان ومكان وذات، بل لحفظ حروف مثلاً (ض ر ب) كيف أجمعها وأحفظها، تحتاج إلى هيئة حتى تحفظ مثل الخيط، الخيط في المسبحة لا يعطي شيء جديد للمسبحة ولكن لولا الخيط الحبات تتناثر، كذلك لولا الهيئة تتناثر حروف المصدر.
 أضرب لكم مثال (حارث) على وزن فاعل، (محمود) على وزن مفعول، (عباس) على وزن ... (يزيد، يشكر) على وزن يفعل فعل مضارع. سؤال: فهل هذه الهيئات دالة على نسبة أو ليست دالة على نسبة؟ لسيت دالة لأن الهيئة تارة تؤخذ بما هي وصفية ونسبة إلى الغير فتدل على معنى وأخرى تؤخذ أعلام شخصية فلا تدل على معنى إضافي وراء المادة. والهيئة الموجودة في المصدر من النحو الثاني، يعني على نحو تحفظ الحروف فقط. اذ لو كانت تفيد معنى جديداً تكون واحدة من المشتقات، وإن لم تفد معنى ولكن حفظت لي الحروف فهي المصدر، وقد خلط في كلام سيدنا الأستاذ السيد الشهيد بين الهيئة بالمعنى الأول والهيئة بالمعنى الثاني.
 ولذا محمود في (المقام المحمود) فيه نسبة وأنه يحمده الجميع، أما إذا سميت شخصاً (محمود) فلا يدل على أنه يحمده الجميع. ولهذا تجدون أن النحويين، أصحاب اختصاص، قالوا بأنه إذا أخذ هذه المادة أخذت بنحو يشتق منه فهو مصدر، أما اذا أخذت بنحو أعلام الجنس فهو اسم مصدر، فلا يشتق منه . ولذا ميزوا في المصدر واسم المصدر قالوا إذا كانت هذه الحروف بنحو في هيئة يشتق منه فهو مصدر، وإذا كان لا، جامد فلا يشتق منه فهو اسم مصدر.
 إذن ما ذكره سيدنا الشهيد من أن المصدر مادته موضوعة لشيء وهيئته موضوعة لشيء، لازمه أولاً عدم الفرق بين المصدر وما يشتق من المصدر، وثانياً أن الهيئة في المصدر ليست هي من النحو الأول التي تدل على النسبة بل هي من النحو الثاني التي هي لحفظ حروف المادة.
 
 والحمد لله رب العالمين

logo