الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الاصول
32/11/18
بسم الله الرحمن الرحیم
المصدر واسم المصدر بين النحاة والأصوليين 2
المصدر واسم المصدر بين النحاة والأصوليين 2
اتفقت كلمة النحويين تقريباً على أن المصدر هو الذي يشار به إلى المعنى المجرد عن كل قيد، فلا نسبة فيه إلى الفاعل ولا إلى المفعول ولا إلى الزمان ولا إلى المكان ولا إلى الذات ولا إلى العملية ولا إلى التذكير ولا التأنيث ولا إلى المرة ولا التكرار ولا إلى الكيفية ... أي شيء لم يأخذ في تعريف المصدر لغة واصطلاحاً بحسب اصطلاح النحويين، ولا أتكلم بحسب اصطلاح الأصوليين لعل الأصولي له اصطلاحه ولا مشاحة في الاصطلاح،
وهذه بعض كلمات النحويين أشير لها حتى يتضح أن القضية تقريباً من واضحات:
- سيبويه يقول: (اللفظ الدال على الحدث). معنى وحدث مجرد. اللفظ الدال على الحدث.
- ابن السراج، (الذي صدرت عنه الأفعال واشتقت). لأن هناك بحث وهذا البحث أتذكر في العام الماضي أشرت إليه والآن أذكره من باب الاستذكار، وهو أن من ماذا تشتق المشتقات؟ هناك خلاف بين النحويين أن الأصل هل هو المصدر اوالفعل الماضي. ولذا يقول ابن السراج في تعريف المصدر:(الذي صدرت عنه الأفعال واشتقت). في (النحو الوافي، ج3، ص182 و 210) يقول: (المصدر الصريح في الرأي الشائع المختار هو أصل المشتقات) وهؤلاء الأعلام عندما يعبرون بأنه المصدر ما اشتق منه الفعل، لا فعل الفاعل، المراد منه الأفعال المتعارفة، فلذا يقول: (وهو قولهم ولا يعنينا سرد الأدلة أنه بسيط لدلالته أي المصدر على المعنى المجرد والبسيط أصل المركب) يعني بالمركب الفعل الماضي لان (ضرب) مركب من أمرين: ا- الحدث وهو الضرب، ب - أنه واقع في الزمان الماضي. فهل لاصل المصدر واشتق منه الفعل او العكس؟ استدل القائلين بأن المصدر هو الأصل بأن المصدر معنى بسيط وكل بسيط مقدم على المركب. والفعل الماضي مركب من المعنى والزمان. واستدل القائلين بالعكس بأن الأصل هو الذي يشتمل على المصدر وزيادة، والذي يشتمل على المصدر وزيادة هو الفعل الماضي، ولذا اختلفوا فيما بينهم لذا قال: (والبسيط أصل المركب بخلاف الفعل الماضي الذي يعده آخرون كالكوفيين الأصل بحجة أنه يدل على المعنى المجرد وعلى الزمن فهو يدل على ما يدل عليه المصدر وزيادة على المصدر) والأمر إليك هذا الأصل أو ذاك الأصل، ولكن المشهور أن المصدر الصريح هو الأصل عندهم، ولذا عبارته (المصدر الصريح في الرأي الشائع المختار هو أصل المشتقات) وهؤلاء كلهم عندما يعبرون هذا التعبير (المصدر الذي صدرت عنه الأفعال) يعني صار منشأً ومبدأً لاشتقاق الأفعال واشتقت منه.
- الزجاجي قال: (المصدر هو اسم الفعل والفعل مشتق منه).
- الرماني قال: (اسم لحادث يؤخذ منه الفعل).
- ابن جني: (كل اسم دل على حدث وزمان مجهول) يعني أخذ فيه الزمان أو لم يؤخذ؟ لا الزمان ولا المكان ولا العلمية ولا غير ذلك ... .
- الحريري: (اسم يقع على الأحداث جمع حدث).
- الزمخشري: (المصدر هو الاسم الذي يشتق من ...)
ولم نجد تعريفاً واحداً يقول المصدر هو الذي أخذت فيه النسبة إلى الفاعل أو النسبة إلى المفعول إلا في أحد نظري ابن مالك لانه عنده رأيين: رأي يرى بأن المصدر هو هذا الذي اشرنا إليه، ورأي آخر يرى (المصدر الاسم الموضوع بأصالة الدال على المعنى الصادر من المحدث به عنه أو القائم به أو الواقع عليه). ولكن مشهور المحققين من النحاة يقولون أن المصدر المعنى المجرد.
اذن على هذا الأساس ما الفرق بين المصدر واسم المصدر؟
لم أجد ولا شخصاً واحداً عرف اسم المصدر الدال على الحدث من غير نسبة. وهذه كلماتهم في مصطلح اسم المصدر (اسم يدل على الحدث لكنه لا يجري على الفعل وهو يطلق على ثلاثة أمور) (ما ساوى المصدر)وقد تقدم هذا التعريف في النحو الوافي. (ما ساوى المصدر في الدلالة على الحدث وخالفه ...).
إذن التعريف الذي ذكره الأصوليون وهو أن المصدر ما أخذ فيه النسبة إلى الغير، أعم من أن يكون فاعلاً أو أن يكون مفعولاً، وأن اسم المصدر ما دل على الحدث في نفسه هذا ليس اصطلاح مشهور النحاة، طبعاً ارجع وأقول من حق الأصوليين أن يضعوا اصطلاح لأنفسهم، ولا مشاحة في الاصطلاح، ولكن هذا لا ينسب إلى النحاة.
وهنا بحث آخر: هل يمكن الجمع بين هذين النظرين أو الاصطلاحين؟
الجواب: لعله والله العالم أن النحاة وأهل اللغة كان نظرهم إلى شيء وأن الأصوليين والفقهاء كان نظرهم إلى شيء آخر، وإلى حيثية أخرى من البحث، ولكن حيث لم تتضح حيثيات البحث تصورنا أن الكلام في حيثية واحدة، فالنحاة لا علاقة لهم بما هو في الجمل المركبة وإنما ينظرون إلى تعريف المصدر، لأن وظيفته كلغوي وكنحوي هي هذه. ولو سألته ما هو اسم المصدر؟ قال: ما ساوى المصدر في المعنى وخالفه في كذا وكذا ... كما أشرنا اليه.
أما الأصولي فلا علاقة له بأن المصدر واسم المصدر بحسب اللغة ما هو, وانما علاقته باستعمالات المصدر واسم المصدر. مثلاً ضرب سألت اللغوي ما هو؟ يقول: مصدر. ولكن الأصولي لو سألته (ضرب) في أعجبي ضرب علي فلاناً ما هو؟ الجواب: مصدر، لأنه استعمل منسوبا في جملة، فإذن عند الاستعمال تجد مرة أن هذه الحروف الثلاثة وهي (ض ر ب) تستعمل منسوبة ومرة نجدها لا تستعمل منسوبة كما لو قلت: الضرب أهون من القتل، فقط تريد أن تقول هذا الحدث أهون من هذا الحدث، فيكون اسم مصدر.
إذن الأصولي يتكلم في عالم الاستعمال والنحوي يتكلم في عالم تعريف شيء في نفسه بغض النظر عن الاستعمال، ولكن الأصوليين لسبب و لآخر تصوروا أن هذا هو معنى المصدر لغة ونحواً ، مثلاً العرض، لو سألتك وجوده في نفسه او وجوده في غيره؟ ماهية العرض فيها نفسية أو لا توجد فيها نفسية؟ نعم، توجد فيها نفسية، ولذا تعرف الجوهر وجوده في نفسه لنفسه أما عندما تعرف العرض تقول: وجوده في نفسه لغيره. وقيد (لغيره) مرتبط بوجوده الخارج وليس بماهيته وحقيقته. الأعلام تصوروا أن النسبة مأخوذة في حقيقة المصدر، في حين ان النسبة ليست مأخوذة في حقيقة المصدر، لا إلى الفاعل ولا إلى المفعول. المصدر ليس فيه نسبة. المصدر لا توجد فيه إلا مادة، و لا توجد فيه هيئة لانه إذا جاءت الهيئة جاءت النسبة، لأنه أي هيئة فيها نسبة معينة، فلهذا تجد هذا المعنى المجرد تضعه في هذا القالب يصير اسم فاعل، ضعه في ذاك القالب يصير اسم مفعول، ضعه في هذا القالب يصير فعل ماضي، وهكذا .
ولكن مادة (ض ر ب) حتى أقربها إلى ذهنك أقول: ضرب، وإلا ليس إشارة إلى أن المصدر فيه هيئة، حتى المادة النحوية عندما تريد أن تبينها وتوصلها إلى الآخرين لابد أن توصلها من خلال هيئة معينة ولكن المصدر هو بلا هيئة، وإلا لو كان فيه هيئة لما استطاع أن ينقلب إلى هيئة أخرى، ولا يمكن يشتق منه اسم الفاعل واسم المفعول والفعل الماضي والمضارع.
يقول في النحو الوافي: (حين نقول تحسن أو يتحسن أو تحسن نجد كل كلمة مستقلة من هذه الكلمات لابد أن تدل على أمرين معاً هما المعنى المحض)أي الحدث المجرد وهو المصدر (والزمان) تحسن ماضي، يتحسن مضارع، تحسن امر، قال: (فالمصدر الصريح ... يؤدي شيئاً واحداً دائماً من شيئين يؤديهما الفعل) الفعل مادة وزمن،والزمن نستفيده من الهيئة لا من المادة.
إذن المصدر هو الذي يستفاد من المادة، أما إذا أردت إضافة على المادة لابد أن تدخل عليه الهيئة، إلا إذا كان من الجوامد أو من الأعلام، فالهيئة فيها لا تجعلها مشتقة وإنما هي جوامد، الجامد فيه مادة (سبحان على فعلان) ولكن هذا جامد وليس مشتقاً. بخلاف قولك (ضارب) فانه مشتق. احيانا الذي يعدد المادة كما في ضارب وآكل فالهيئة فهما واحد، والاختلاف في المادة. هذا معناه أن الذي يعدد المادة وإلا الهيئة واحدة، وبعض الأحيان تجد المادة واحدة ولكن الذي يتغير الهيئة، كما في (ضارب) و(مضروب) من حيث المادة كلاهما واحد ضرب، ولكن الاختلاف في الهيئة. هذه الأمور لابد أن يلتفت لها.
أما (سبحان) هذا ليس مركب من مادة ومن هيئة حتى يدل مادته على شيء وهيئته على شيء آخر، ولهذا تجدونهم يقولون (علم، ضرب، فهم ...) كلها مصادر، المصادر الصريحة، كلها مصادر والمصدر معنى مجرد وليس فيها الهيئة تتمة الكلام تأتي.
والحمد لله رب العالمين