الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الاصول
32/11/17
بسم الله الرحمن الرحیم
اصطلاح المصدر واسم المصدر بين النحويين والأصوليين
اصطلاح المصدر واسم المصدر بين النحويين والأصوليين
كان الكلام في الإشكال الرابع الذي ذكره سيدنا الأستاذ السيد الخوئي(قده) على نظرية صاحب الكفاية، وبينا الإشكال في الدرس السابق وقلنا بأنه يقول لو كان المعنى الحرفي إنما يتحقق من خلال اللحاظ الآلي للزم أن تكون بعض المعاني الاسمية حرفية، والتالي باطل فالمقدم مثله. ببيان آخر يقول لصاحب الكفاية أنت جعلت الملاك في حرفية المعنى أن يكون حالة للغير، أن يشير إلى معنى للغير، أن يشير إلى صفة للغير، إذا كان هذا هو ملاك المعنى الحرفي فهناك جملة من المعاني الاسمية ملحوظة باللحاظ الآلي فيلزم ان تكون معانٍ حرفية، مثاله أين ... هذه كبرى، قال: (ومثاله المصادر فإننا قرأنا والمشهور على الألسن أن فرق المصدر عن اسم المصدر) هو هذا (وهو أن اسم المصدر يشار به إلى نفس الحدث بخلاف المصدر فأنه يبين الحدث بما هو حالة للغير). ومن الواضح أن المصادر جميعا من المعاني الاسمية، ولكن بناء الضابط الذي ذكره صاحب الكفاية (إذا لوحظ وصفاً للغير يكون حرفياً) يلزم أن تكون المصادر جميعاً معانٍ حرفية. هذا هو الإشكال الذي أشار إليه كما قرأناه في (أجود التقريرات، ج1، ص24) قال: (لزم منه كون جميع المصادر معان حرفية فإنها) أي المصادر (تمتاز عن أسماء المصادر بكونها مأخوذات بما أنها أوصاف لمعروضاتها لما تنسب إليه بخلاف أسماء المصادر الملحوظ فيها الحدث بما أنه شيء في نفسه مع قطع النظر عن كونه وصفاً لغيره)
وفي مقام الجواب يوجد عندنا بحثان:
البحث الأول: هل ان ما ذكره من الفرق بين المصدر واسم المصدر وهو المشهور على ألسنة الأصوليين صحيح أو ليس بصحيح؟ تعلمون أن بحث المصدر واسم المصدر من العناوين الأصلية في أبحاث النحويين، النحويون عندهم عنوان اسمه المصدر واسم المصدر، فهل المشهور على ألسنة الأصوليين له صلة بما في كلمات النحويين أصحاب هذا الاصطلاح أو أن هذا اصطلاح مخترع من قبل الأصوليين ؟
هنا عدة نكات:
النكتة الأولى: هي بيان أنواع المصادر، أعزائي المصادر على ثلاثة أنواع:
- المصدر الأصلي
- المصدر الميمي
- المصدر الصناعي
ومن الكتب المهمة والتخصصية والتفصيلية في هذا المجال كتاب (النحو الوافي، ج3، ص181) لعباس حسن. وتحت عنوان المسألة 98 أبنية المصادر، يقول: (المصادر الصريحة ثلاثة أنواع) باعتبار أنه توجد مصادر مؤولة وله بحث آخر. (المصادر الصريحة ثلاثة أنواع أولها المصدر الأصلي) وبعد ذلك سنأتي إلى تعريفه ... وأمثلته علم وفهم واستضاءة وإبانة وبلاء ونضال وصلاح) النوع الثاني في (ص186) يقول: (المصدر الميمي وهو ما يدل على كذا ... وفي أوله ميم زائدة) مطلب، مجلبة، مضيعة، معدل ... المصدر الثالث أو النوع الثالث وهو المصدر الصناعي من قبيل ... كل لفظ زيد فيه آخره حرفان هما ياء مشددة وتاء تأنيث) مثل إنسان تصير إنسانية ... ) ويذكر مجموعة من المصادر في هذا المجال.
النكتة الثانية: ما هو تعريف المصدر هو ما أشار إليه في الحاشية في (ج2، ص207) يقول: (فالمصدر الصريح الأصلي) الأصلي في مقابل الميمي والصناعي والصريح في مقابل المؤول (الاسم الذي يدل على الحدث فأنه يدل على مجرد الحدث، أي يدل على أمر معنوي محض لا صلة له لا بزمان) حتى يخرج الأفعال (ولا بمكان ولا بذات) لا فاعل ولا مفعول (ولا بعلمية) لا علم ولا نكرة (ولا تذكير أو تأنيث أو إفراد أو تثنية أو جمع أو غيره إلا إذا أضيفت إليه بعض الخصوصيات فيدل إما على مرة أو على هيئة). ذاك بحث آخر ولذا تعبيرهم في الأعم الأغلب يقولون المصدر في الغالب، لماذا يعبرون في الغالب؟ لأنه مع بعض الخصوصيات قد يدل على المرة وقد يدل على الهيئة، الآن نتكلم على أن هذه الخصوصيات غير موجودة.
إذن عندما تقول على سبيل المثال (تحسن) هذا مصدر، فأنه يدل على أمر عقلي محض ندركه ولا يدل على أي شيء آخر، لا على زمن مثل ماضي وحال ومستقبل ولا على مكان ولا على ذات وليس علماً على شيء خاص معين ...، ما هي علاقة هذا بتعريف المصدر عند الأصوليين؟ فهو عند الاصوليين: الحدث منسوباً إلى غيره. لا إلى فاعله، البعض يقول إلى فاعله، لا، هذا غلط، الحدث منسوباً غيره، لأنه قد يكون فاعلاً وقد يكون مفعولاً، إذن المفارقة الأولى هي أن المصدر عند النحويين له تعريف والمصدر عند الأصوليين له تعريف آخر، ولا مشاحة في الاصطلاح، ولكن لماذا يستعملون لفظاً له معنى آخر، هذه المشكلة وإلا لو أرادوا أن يضعوا الاصطلاحا فلا مشكلة لنا معهم، مثلما وضعوا الأصل المثبت وهو في الواقع ينفي ولايثبت، ولكن في المقام المصدر مستعمل عند النحويين بمعنى خاص وعندما يريد الاصولي استعماله لا أقل يقول: لنا في الأصول اصطلاحاً خاصاً في المصدر يختلف عما يقوله النحويون.
اما ما هو المراد من اسم المصدر؟ قال الأصوليون: الحدث في نفسه من غير نسبة لغيره، هذه عبارة السيد الخوئي قال (بخلاف أسماء المصادر الملحوظ فيها الحدث بما أنه شيء في نفسه مع قطع النظر عن كونه وصفاً لغيره) فاعلاً كان أو مفعولاً.
واما عند النحويين قال في النحو الوافي (ص209): اسم المصدر (ما ساوى المصدر في الدلالة على معناه) اذن اسم المصدر هو نفس المصدر في الدلالة على معناه. وهنا يأتي السؤال للنحويين: اذا كان(ما ساواه في الدلالة على معناه) فلماذا سموه اسم مصدر، ولم يسموه مصدرا؟ هذا بحث دقيق يقولون: نحن إنما سمينا المصدر باسم المصدر لأن المصدر يشير إلى تلك الحقيقة في نفسها أما لفظها فهو اسم ... هذا اسم وذاك مصدر. مثلاً الماء فالسائل الخارجي في الإناء اسمه ماء، ولفظ الماء ليس ماءً وانما اسم الماء، ذاك الواقع الخارجي هو المصدر أما هذه الألفاظ التي نتكلم بها ونسميها هي أسم المصدر، وهذا التعريف في واد وما يقوله الأصوليون في واد اخر.
يقول في (ص209) (فإن قلت أن اسم المصدر هو ما ساوى المصدر في الدلالة على معناه إذن ما الفرق بينهما إذا كان هناك تساوٍ في الدلالة على المعنى؟ ذهب النحاة) يعني لا أقول اتفاق ولكن المشهور بين النحاة (ذهب النحاة إلى مذاهب لا تخلو من غموض أو نقص ولعل خيرها ما جاء في كتاب الأشباه والنظائر للسيوطي منسوباً لابن ... قال ما نصه الفرق بينهما أن المصدر في الحقيقة هو الفعل الصادر عن الإنسان وغيره) لا أن الصدور مأخوذ في معنى المصدر لأنه إذا صار فعل يحتاج إلى فاعل، ليس بمعنى أخذ الفاعل فيه مأخوذ في معنى المصدر، وإلا هو معنى مجرد. (كقولنا أن كلمة (ضرب) هي مصدر في قولنا: يعجبني ضرب زيد عمراً) عندما تقول تقول ضرب زيد عمرا هناك ضارب ومضروب أما نفس الضرب الذي هو المصدر ليس فيه هذه الخصوصية. نعم، ضارب فيه نسبة ... ولكن ليست من مادة الضرب بل هي من الهيئة التي هي على اسم فاعل. وإلا المصدر بما هو هو مصدر هو المادة، حروف الفعل لا أكثر، حروف الفعل الماضي. قال: (أمر معنوي محض وأنه هو المصدر حقيقة) ذلك الفعل الخارجي، ذاك الواقع الخارجي (أما اللفظ المذكور في الجملة) الذي أنت تقول يعجبني ضرب، هذا اللفظ (المركب من حروف هجائية معينة فليس بالمصدر الحقيقي) هذا ليس هو المصدر، وقد يسمونه المصدر المجازي إشارة إلى الخارج مثلاً لفظ الماء ليس ماءً ولكنه ماء مجاز، والماء الحقيقي هو الماء الخارجي. يقول: (وسموا ما يعبر به عنه) يعني ما يعبر عن المصدر الحقيقي (ما يتلفظ به للتعبير عنه سموه (مصدراً مجازاً) إذن هناك مصدر حقيقي وهو الواقع وهناك مصدر مجازي وهو لفظه الحاكي عنه (أي تسمية مجازية نحو ضرب في قولنا: يعجبني ضرب زيد عمراً .
الى هنا اتضح الفرق بين المصدر واسم المصدر, بحسب الاصطلاح النحوي
فالمصدر يشير إلى واقع الشيء واسم المصدر يشير إلى اللفظ الحاكي عن واقع الشيء.
ومنه يعلم الفارق الشاسع بين اصطلاح النحويين في المصدر واسم المصدر وبين المصدر واسم المصدر عند الاصوليين من حيث تعريف المصدر اسم المصدر ومن حيث الفارق بين المصدر واسم المصدر، فليس هناك أي توافق بين الأصولي وبين النحوي. ولذا يقول في النحو الواضح: (ومقتضى هذا أن كلمة مصدر اسم له مدلولان أو مفهومان وإن شئت فقل له مسميان) المصدر (أحدهما معنوي محض وهو الحدث المجرد) ذاك المعنى الذي ليس فيه اسم ولا لفظ ولا تلفظ وليس فيه لحاظ، أبداً. (وهذا الحدث هو المسمى الحقيقي للمصدر لا المجازي لكلمة المصدر. والمسمى الآخر لفظي) ذاك معنوي وهذا لفظي (هو اللفظ الذي ننطق به أو نكتبه) إذ ليس الوجود اللفظي فقط يسمى اسم مصدر، بل الوجود الكتبي يسمى اسم مصدر أيضاً.
والحمد لله رب العالمين