الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الاصول
32/11/12
بسم الله الرحمن الرحیم
اشكال السيد الخوئي على صاحب الكفاية
اشكال السيد الخوئي على صاحب الكفاية
الإشكال الثالث: وهو الإشكال الذي ذكره السيد الخوئي في (حواشيه على أجود التقريرات، ص25) تحقيق ونشر مؤسسة صاحب الأمر، يقول: (مضافاً إلى أن لحاظ المعنى آلة) كما هو في المعنى الحرفي (لو كان موجباً لكونه معنى حرفياً لزم منه كون كل معنى اسمي يؤخذ معرفاً لغيره في الكلام وآلة للحاظه أن يكون معنى حرفياً).
لان نظرية صاحب الكفاية تقول: (إذا لوحظ المعنى آلة للغير فهو معنى حرفي وإذا لوحظ في نفسه فهو معنى اسمي) يقول الخوئي (قده): لو تم هذا الضابط للزم أن تكون كثير من المعاني الاسمية معانٍ حرفية، والتالي باطل لأن المعنى الاسمي لا يكون معنى حرفياً فالمقدم مثله. (لزم منه كون كل معنى وآلة) مثاله (كالعناوين الكلية المأخوذة في القضايا معرفات للموضوعات الواقعية).
واحدة من أهم قواعد البحث عند الأعلام أن العناوين المأخوذة في الأحكام الشرعية مأخوذة على نحو القضايا الحقيقة، يعني الشارع عندما يقول لك الصلاة واجبة يريد من مفهوم الصلاة واجبة ومن هذا العنوان الكلي التطرق إلى مصاديقه الخارجية، مثال أوضح من ذلك: أنت عندما تقول النار محرقة، فالإحراق وصف النار الخارجية لا للنار الذهنية، إذن استعمل العنوان الكلي بما هو حاكٍ وفانٍ في مصداقه، إذن يلزم أن يكون عنوان النار مفهوماً حرفياً لأنه صار آلة لتعريف غيره ومعرفاً لغيره. والتالي باطل، فلا يمكن لأحد أن يلتزم بأن النار والصلاة تكون معنى حرفياً، بل هي معاني أسمية.
إذن لو قلنا بمبنى صاحب الكفاية من أنه كلما كان آلة للغير فهو معنى حرفي يلزم أن تكون كثير من المعاني الاسمية معان حرفية والتالي باطل فالمقدم مثله. هذا قياس استثنائي كما أشرنا إليه مراراً وتكراراً.
هذا ما فهمه سيدنا الشهيد من عبارة السيد الخوئي. ولذا يقول بشكل واضح وصريح في تقريرات أبحاثه في مختلف هذه الأبحاث ومنها (تقريرات السيد الهاشمي، ج1، ص235) :(أن لحاظ آلة لو كان موجباً لكونه معنى حرفياً لزم منه كون كل معنى اسمي يؤخذ معرفاً لغيره في الكلام وآلة للحاظه كالعناوين الكلية المأخوذة في القضايا) النار محرقة، هذه قضية كلية (معرفات للموضوعات الواقعية) يعني المصاديق الخارجية يلزم أن تكون معنى حرفياً.
هذا هو البيان الذي قرره السيد الشهيد من كلام استاذه السيد الخوئي. فأشكل عليه وقال: أن الفناء والحكاية على نحوين: نحو يلزم منه أن يكون المعنى حرفياً ونحو لا يلزم منه أن يكون المعنى حرفياً وإن كان آلة لتعريف الغير، وصاحب الكفاية يريد المعنى الأول ولا يريد المعنى الثاني.
اذن الفناء الأصولي لا الفناء العرفاني على نحوين: تقدم في العام الماضي، انك تارة تنظر إلى المفهوم بما هو هو لا بما هو حاكٍ عن غيره، مثلاً الإنسان مفهوم الإنسان لا الإنسان الخارجي، مفهوم الإنسان لا جوهر ولا عرض، لان المفهوم يكون في الذهن، وهو لا جوهر ولا عرض هو كيف نفساني قائم بالذهن، وإلا إذا لم يكن قائماً بالنفس فهو ليس مفهوماً، إذن إذا نظرت إلى المفهوم بما هو مفهوم فهو كيف وعرض قائم بالنفس، وأما إذا نظرت بما هو حاكٍ عن مصاديقه الخارجية فهو جوهر.
فإذن المفهوم الموجود في الذهن مفهوم واحد يمكن أن يلحظ بلحاظين تارة يلحظ بما هو في نفسه فله أحكام وأخرى يلحظ بما هو حاكٍ عن مصاديقه فله أحكام أخرى. ولذا إذا سألتك هل أن مفهوم النار محرقة أو لا؟ تقول إذا نظرت إلى المفهوم بما هو قائم في النفس فليست محرقة أما إذا سألت عن المفهوم بما هو حاكٍ عن مصاديقه فالنار محرقة، وبعبارة اخرى إذا كان وصف بحال نفس الشيء فالنار غير محرقة أما إذا كان وصف بحال متعلق الشيء فهي محرقة.
اذن النوع الاول من الفناء: هو فناء معنى في مصداق، فناء المفهوم والنظر إليه نظرة آلية للحكاية عن المصاديق،
النوع الثاني من الفناء: وهو أن المفهوم في نفسه لا معنى له، ولكن إذا صار في مفهوم آخر يعطي معنى.
ما هو الفرق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي بحسب صاحب الكفاية؟ قال المعنى الاسمي في نفسه له معنى، أما المعنى الحرفي في نفسه ليس له معنى وانما إذا صار متضمناً في غيره يعطي معنى. (من) ليس لها معنى ولكن إذا صارت (من البصرة) صارت حالة من حالات البصرة فتعطي معنى، فهو فناء مفهوم في مفهوم آخر.
أضرب لكم مثالاً: كلمة الابتداء عندما تسمعها تعطيك معنى. أما (من) معناها بالمعنى الشايع لا بالمعنى الأولي، يعني (من) بما هي لا تعطي معنى. متى تعطيك معنى؟ إذا صارت في غيرها، ولذا إذا تتذكرون المحقق الرضي قال معناها في غيرها. ولكن هذا الغير أي غير؟ ليس مفهوم في غيره يعني مصداق وإنما مفهوم في مفهوم آخر.
إذن اشكال السيد الشهيد على استاذه السيد الخوئي بان كلام السيد الخوئي في جانب وكلام الاخند في جانب آخر لان الفناء على نحوين: تارة فناء مفهوم في مفهوم وأخرى فناء مفهوم في مصداق نفسه. وفرق كبير، فناء معنى في معنى وأخرى فناء معنى في مصاديقه. والمعنى الحرفي ليس هو مطلق الفناء وإنما فناء معنى في معنى، وما ذكرته من النقض مرتبط بفناء المعنى في مصاديقه.
ولذا عبارة السيد الشهيد المفصلة في (تقريرات الشيخ حسن عبد الساتر، ج2، ص97-99) وأما عبارته المختصرة فهي في (تقريرات السيد الهاشمي) قال: (إن المراد بالآلية هنا فناء مفهوم في مفهوم آخر لا فناء العنوان في المصداق الخارجي) إذن الفناء على نحوين: فناء مفهوم في مفهوم وفناء مفهوم في مصداق، (الذي ليس من هذا الباب، بل من باب ملاحظة المفهوم الواحد بلحاظين إما بلحاظ في نفسه) الذي نسميه الحمل الأولي (وإما بلحاظ حاكٍ عن مصاديقه) الذي نسميه بالحمل الشايع.
اما من اين عرف السيد الشهيد ان صاحب الكفاية يريد النوع الأول من الفناء يعني فناء مفهوم في مفهوم آخر؟
من عبارة الاخند الخراساني (الكفاية، ص11) قال: (حيث أنه لا يكاد يكون المعنى حرفيا) المعنى لا يكون حرفياً متى؟ (إلا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر) إذن فناء مفهوم في مفهوم لا فناء مفهوم في مصاديقه (إلا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر ومن خصوصياته القائمة به) يعني صار المعنى من خصوصيات معنى آخر عند ذلك يكون معنى حرفياً، أما إذا صار حاكياً عن مصاديقه فلا يكون معنى حرفياً، وسبق ان ذكرناه في القول الأول قلنا أن الحركة (الفتح أو الكسر أو الضم) ليس لها معنى (مجرد خط). ولكن إذا صارت فوق الكلمة تقول فتحة، إذا صارت تحت الكلمة تقول كسرة وتبدل معنى الكلمة والحرف كذلك، نعم تلك في الكلمة الواحدة وهذه في التركيب في الجملة ، طبعاً بعض الأحيان يكون المعنى الحرفي في الكلمة الواحدة كالهيئات وسيأتي بحثه بعد ذلك إن شاء الله.
ولذا يقول (ومن خصوصيات القائمة به ويكون حاله كحال العرض) ولعل هذا هو منشأ نقض سيدنا الشهيد على صاحب الكفاية بالعرض، مع أنه لا يقول هو كالعرض بل يقول حاله كحال العرض (فكما لا يوجد في الخارج إلا في الموضوع كذلك هو) يعني المعنى الحرفي (لا يكون في الذهن إلا في مفهوم آخر). وأين هذا من حكاية المفهوم عن مصداقه.
ولذا تجدون أن صاحب الكفاية في (الكفاية، ص195، في مفهوم الشرط) يقول:(وبهذا يتضح لكم أن المعنى الحرفي لا يجري فيه الإطلاق) لماذا؟ لأن الإطلاق متوقف على إجراء مقدمات الحكمة ومقدمات الحكمة متوقفة على تصوره بنحو استقلالي والمعنى الحرفي لا يتصور بنحو استقلالي ولذا قال (هذا فيما تمت هناك مقدمات الحكمة ولا تكاد تتم في ما هو مفاد الحرف وإلا لما كان معنى حرفياً كما يظهر وجهه بالتأمل) ولهذا لا يمكن إجراء الإطلاق فيها، لأنه أساساً لا يتصور في نفسه وإنما يتصور في ضمن مادته.
هذا هو الجواب الذي ذكره السيد الصدر عن كلام السيد الخوئي. إن شاء الله تعالى في غد نسأل هل أن السيد الخوئي واقعاً كان هذا مراده من الإشكال أو أنه كان في ذهنه إشكال أدق وأعمق من هذا الإشكال الذي صوره السيد الشهيد؟
والحمد لله رب العالمين