« قائمة الدروس

الأستاذ السيد كمال الحيدري

بحث الاصول

32/11/10

بسم الله الرحمن الرحیم

إشكال المحقق النائيني على مختار الآخند الخراساني

 إشكال المحقق النائيني على مختار الآخند الخراساني
 الإشكال الثاني: وهو إشكال المحقق النائيني في (أجود التقريرات، ج1، ص22) قال: (فأعلم أن الأقوال في المسألة ثلاثة القول: الأول أنه لا فرق بين المفهوم الحرفي والمفهوم الاسمي في عالم المفهومية، وأن الاستقلالية وعدمها خارجتان عن حريم المعنى، فالمعنى في حد ذاته لا يتصف بالاستقلال ولا بعدم الاستقلال) لا استقلالي ولا آلي، وإنما الآلية والاستقلالية متأخرة رتبة عن لحاظ ذلك المعنى. وانما نشأت الآلية والاستقلالية- يعبر تعبيراً غير موجود في كلمات صاحب الكفاية ولكنه يستفيده منه- ، يقول: (وإنما نشأ من اشتراط الواضع) طبعاً في كلمات صاحب الكفاية لا يقول أنا اشترطت هذا، ولكنه باعتبار أن صاحب الكفاية قال أن الآلية والاستقلالية قيدان في الوضع لا قيدان في المعنى الموضوع، والوضع عملية يقوم بها الواضع فاستفاد منها أنها شرط الوضع. وهذا القول الذي هو في حد الإفراط منسوب إلى المحقق الرضي واختاره المحقق صاحب الكفاية. وقد
 اشكل الميرزا النائيني(قده) على هذا الكلام بعدة إشكالات:
 الإشكال الأول: يقول سلمنا أن الواضع اشترط شرطاً، فمخالفة الشرط تؤدي إلى أن يكون لاستعمال خطأً أو اثماً، يقول النائيني : أن حديث الاشتراط من الواضع مما لا محصل له ... إلى أن يقول ثم أولاً ما الدليل على أنه يجب الالتزام بما اشترطه الواضع، وثانياً لو تم الدليل على وجوب الالتزام ما الدليل على أنه لو خالفنا الشرط يلزم الغلط، لانه حتى في الشروط الشرعية لا يلزم الغلط وإنما تلزم المخالفة الشرعية، يقول (ثم على تقدير لزوم الاتباع فليكن كأحد الأحكام الشرعية التي توجب مخالفتها استحقاق العقاب فلم لا يصح الاستعمال ويعد من الأغلاط)؟
 إذن الإشكال الأول أن هذا الشرط حتى لو سلمنا بوجوب اتباعه لا يستلزم أنه إذا استعملنا أحدهما موضع الآخر يكون غلطاً، بل يبقى الكلام صحيحاً، والتالي باطل لأنا نجد أنه يكون غلطاً إذن هذا الشرط ليس من تلك الشروط، هذا الإشكال الأول.
 الإشكال الثاني: وهو أن المعنى يستحيل أن يكون في حد ذاته لا مستقلاً ولا غير مستقل ولا آلي، لماذا؟ يقول لأنه من ارتفاع النقيضين، لأن المعنى إما مستقل أو لا، لأن صاحب الكفاية قال الاستقلالية وعدم الاستقلالية خارجتان عن حريم المعنى، يقول: هذا محال، (أن المعنى يستحيل أن يكون في حد ذاته لا مستقلاً ولا غير مستقل، وليس هذا إلا ارتفاع النقيضين).
 أنا لا أريد أن أعلق وإلا فبحث الوضع من الأمور الاعتبارية وبحث ارتفاع النقيضين مرتبط بالأمور الوجودية التكوينية وإلا أنت اعتبر شيء ونقيضه ما المحذور، اعتبر الشيء وضده ما المحذور. نعم، قد يلزم اللغوية واللغوية شيء والاستحالة بارتفاع النقيضين شيء آخر. هذا هو الإشكال الثاني. ولا أريد الخوض في هذا البحث.
 الإشكال الثالث: قال صاحب الكفاية أن الآلية والاستقلالية ليسا قيدين في المعنى بل قيدان في الوضع، يقول: (حتى لو كانا قيدين في المعنى الموضوع له اللفظ إذا استعمل أحدهما مكان الآخر يلزم أن يكون استعمالاً مجازياً لا أن يكون الاستعمال غلطاً، والتالي باطل؛ لأننا نجده استعمالاً غلطاً، إذن ليس معناهما واحد، وإلا لو كان معناهما واحد واستعمل أحدهما موضع الآخر استعمل الشيء في غير ما وضع له فيكون استعمالاً مجازياً، يعني إذا قلت سرت من البصرة إلى الكوفة، هذا استعمال حقيقي، إما إذا قلت سرت ابتداء بصرة انتهاء كوفة، فينبغي أن يكون الاستعمال صحيحاً، والتالي باطل لأنه نجده أنه استعمال غلط. إذن لو كانا قيدين في المعنى لما لزم الغلط فما بالك وهما قيدان في الوضع لا في المعنى. هذا الإشكال الثالث.
 (إضافة إلى أن تقييد الاستعمال في مقام اللفظ لا يزيد ... فكما أنه يصح الاستعمال في غير الموضوع له مجازاًَ فليكن استعمال الاسم في موضع استعمال الحرف وبالعكس كذلك استعمالاً مجازياً).
 الإشكال الرابع: وهو أن اللحاظ الذي ينوع المعنى إلى آلي أو استقلالي، ما هي نسبة هذا المنوع إلى أصل المعنى؟ يقول إما نسبة الفصل إلى الجنس وإما نسبة العرض إلى النوع. هل هما من الفصول المنوعة أو من قبيل الأعراض؟ فإذا كان الأول يرد عليه كذا وإذا كان الثاني يرد عليه كذا، والحاصل (وعلى كل تقدير فلا معنى لاشتراط الواضع ما لم يكن سنخ المعنى مختلفاً كما سنبينه).
 إذن تلخص أن الإشكالات أربعة ألخصها إجمالاً:
 الإشكال الأول: أن مخالفة شرط الواضع لا يؤدي إلى الغلط، ونحن نجد أنه استعمال أحدهما موضع الآخر يؤدي إلى الغلط.
 الثاني: يستحيل أن يكون المعنى مهملاً لا مستقل ولا غير مستقل، لأنه يلزم ارتفاع النقيضين.
 الثالث: أنه لو استعمل أحدهما موضع الآخر تلزم المجازية على ما يقوله صاحب الكفاية لا يلزم الغلط والتالي باطل لأنا نجد أنه يلزم الغلط، إذن المعنى ليس واحد.
 الرابع: أن اللحاظ الآلي والاستقلالي هل هما من الفصول المنوعة أو من الأعراض، وكلاهما يرد عليه إشكال فالمقدم مثله.
 هذا كلام المحقق النائيني إشكالاً على صاحب الكفاية.
 فهل هذه الإشكالات تامة وترد على صاحب الكفاية أو لا ترد؟
 الجواب كما يلي:
 أما الجواب عن الإشكال الأول: قال الميرزا (قده): بأن مخالفة الشرط لا تؤدي إلى كون الاستعمال غلطاً وإنما تؤدي إلى عقوبة يستحقها من خالف الشرط.
 ونقول ان الشروط على نحوين: شرط بمخالفته يلزم انتفاء المحمول وشرط يلزم من مخالفته انتفاء الموضوع، يعني الشارع اشترط عليك العربية في العقد مثلاً، وأنت بإمكانك أن تجري العقد ولكن بغير العربية، هذه سالبة بانتفاء المحمول، لأن العقد جرى ولكن الشارع يقول أنا لا اعتبره عقداً، وليس معتبر عندي، فهذا سالبة بانتفاء المحمول.
 النحو الثاني: إذا لم يتحقق الشرط لا يتحقق الموضوع ، يعني سالبة بانتفاء الموضوع، مثلاً هذا الاوكسجين وهيدروجين، لكي يكون ماءً لا بد ان يمتزجا فإذا لم يمتزجا لا تحقق ماء، فهذا النوع من الشروط بانتفاءه تكون القضية سالبة بانتفاء الموضوع، إذا اتضح ذلك نسأل صاحب الكفاية شرط الواضع هل هو من قبيل الأول من من قبيل الثاني؟ المحقق النائيني تصور أنه من قبيل الأول سالبة بانتفاء المحمول ولهذا قال بأنه يصح الاستعمال ولكنه ارتكب مخالفة ويستحق عقوبة، مع أن صاحب الكفاية يقول لا يوجد وضع إذا لم يوجد هذا اللحاظ. يعني أن (من) تفيد هذا المعنى بهذا اللحاظ فإذا لم يكن هذا اللحاظ فـ (من) لا تفيد، فهي سالبة بانتفاء الموضوع، ومن هنا يحصل الغلط لأنه لا يوجد وضع.
 وأنا استفيد هذا المعنى وأن المحقق النائيني جعله من السالبة بانتفاء المحمول، من المثال الذي ضربه، قال: على تقدير لزوم الاتباع فليكن كأحد الأحكام الشرعية، وأنتم تعلمون أن الشروط في الأعم الأغلب في الأحكام الشرعية سالبة بانتفاء المحمول،
 إذن الإشكال الأول فيه خلط بين انتفاء الشرط بلحاظ المحمول أو انتفاء الشرط بلحاظ الموضوع.
 أما الإشكال الثاني: وهو أن المعنى إذا لم يكن لا مستقل ولا آلي، لا مستقل يلزم ارتفاع النقيضين.
 نقول في جوابه: الماهيات من حيث هي هي لا موجودة ولا ... هذا ليس ارتفاع نقيضين، والذي أريد أن أقوله: أن المعنى من حيث هو هو لا محذور فيه أن يكون لا بشرط من الاستقلالية وعدم الاستقلالية وإلا يلزمك أن تلتزم أن كل ماهية عندما تذكر لابد أن تأخذ في ماهيتها إما وجود وإما عدم وإلا يلزم ارتفاع النقيضين. يعني عندما أسألك ما هو الإنسان؟ بماذا تعرف الإنسان؟ لابد تقول: أما حيوان ناطق موجود وإما حيوان ناطق معدوم. أما إذا لم تأخذ لا الوجود ولا العدم يلزم ارتفاع النقيضين، وهذا مما لايلتزم به احد، والمحقق صاحب الكفاية يريد أن يقول هذا المعنى في نفسه لو سألت عن وجوده وعدم وجوده لا الوجود مأخوذ فيه ولا العدم، لا الاستقلال مأخوذ فيه ولا عدم الاستقلال، ولكن هذا لا ينافي عند الاستعمال إما مستقل وإما آلي كما أنه لا ينافي الإنسان عند الوجود بحسب الحمل الشايع إما موجود وإما معدوم. مع أن صاحب الكفاية لا يريد أن يقول أنه بحسب الاستعمال لا مستقلة ولا غير مستقلة، لو سألته يقول قطعاً بحسب الاستعمال إما مستقلة وإما غير مستقلة. هو يتكلم فيما قبل الاستعمال، يقول: (وقد عرفت أن نحو إرادة المعنى لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته) نحو إرادة المعنى ليس داخل في أصل المعنى، أصل المعنى شيء لا بشرط وأما نحو إرادة المعنى إما مستقل وإما غير مستقل.
 إذن ارتفاع النقيضين إنما يمتنع في نحو الاستعمال لا في أصل المعنى.
 اما جواب الاشكال الثالث: اتضح أنه إذا استعمل أحدهما في موضع الآخر يكون استعمالاً غلطا لا مجازياً، لأنه في الاستعمال المجازي وضع اللفظ لمعنى ولكن استعملته في غير ما وضع له، وفي اللحاظ الآلي والاستقلالي إذا لم تستعمله في معناه بذلك اللحاظ فلا وضع اساساً حتى يكون الاستعمال مجازياً. يعني بعبارة أخرى ثبت العرش ثم انقش، قل أن هذا اللفظ مستعمل في هذا المعنى، فإذا استعمل في غير ما وضع له فيكون مجازاً، فإذا استعملت (من) في الاستقلالية أصلاً يوجد لا يوجد وضع فلا معنى لأن يكون حقيقيا أو يكون مجازيا.
 
 
 
 واما الإشكال الرابع فقد كفانا مؤنة الجواب عنه تلميذه سيدنا الأستاذ السيد الخوئي في (أجود التقريرات). قال النائيني: (ثم أن الاستقلال وعدمه هل هما من الفصول المنوعة) يعني نسبتها نسبة الفصل إلى الجنس باعتبار أن واحدة من آثار وواحدة من وظائف الفصل هي أنها تنوع الجنس (من الفصول المنوعة أو من قبيل الأعراض العارضة على النوع، وعلى الأول) إذا قلنا أن نسبتها نسبة الناطق إلى الحيوان، على الأول يلزم أن يكون المعنى مركباً من جنس وفصل والتالي باطل لأن المعاني بسيطة إذن هذا باطل.- انظروا الأبحاث الفلسفية ... أنا لا أعلم هذه البساطة في المعاني أي نوع من أنواع البساطة، هل هو بسيط بالمعنى الأول بالمعنى الثاني ...؟ لأن للبسيط سبعة معاني كما أن للتركيب سبعة اصطلاحات. -(وقد بينا تجردها وبساطتها مع أنه لا معنى لأخذ الجنس في مقام الوضع، والفصل في مقام الاستعمال) لا معنى لأنه الجنس يكون في المعنى والفصل يكون في الاستعمال، (وعلى الثاني فما السبب في وجود هذا العرض؟) والجواب في جملة واحدة: نسبة اللحاظ إلى المعنى لا نسبة الفصل ولا نسبة العرض. لن تلك في الأمور التكوينية لها أحكامها وليس لها علاقة بالأمور الاعتبارية. ولذا الحق والإنصاف سيدنا الأستاذ السيد الخوئي هنا في جملة واحدة يقول: في (أجود التقريرات، ج1، ص24) (إذا كان المراد من الاستقلال وعدمه هو الاستقلال في اللحاظ قبال اللحاظ الآلي) كما هو محل الكلام (فالمعنى قبل تعلق اللحاظ به لا يتصف بالاستقلال ولا بعدمه) وليس هو من ارتفاع النقيضين بشيء (كما أن الاستقلال وعدمه على ذلك ليسا من الفصول المنوعة ولا من أعراض المعنى حتى يرد عليهما في المثل) لأنه هذه النسبة لا نسبة الماهية الذاتية ولا نسبة العرض في باب الكليات. إذن ما هما؟ يقول: (بل هما من كيفيات اللحاظ اللاحق على المعنى) المتأخر عنه كما قال نحو إرادة المعنى (في مقام الاستعمال، فلا يرد عليه إلا ما أورد عليه، أولاً من أن لازم وحدة المعاني الاسمية والحرفية ذاتاً صحة استعمال الاسم في موضع الحرف وبالعكس مع أنه من أفحش الأغلاط) هذا كلام السيد الخوئي.
 والحمد لله رب العالمين.

logo