« قائمة الدروس

الأستاذ السيد كمال الحيدري

بحث الاصول

32/11/06

بسم الله الرحمن الرحیم

عدم تمامية إشكال الأصفهاني على صاحب الكفاية

 عدم تمامية إشكال الأصفهاني على صاحب الكفاية
 انتهى بنا الحديث إلى إشكال سيدنا الشهيد على المحقق الأصفهاني، قال أنتم تقولون لابد من المطابقة بين الوجود العيني والوجود الذهني، وهذا أصل لا نوافق عليه باعتبار أن الوجود العيني قد يكون بنحو والوجود الذهني بنحو آخر. كما هو الحال في الأعراض، فإن العرض في الخارج وجوده في نفسه ولكن قائم في موضوع، أما عندما يأتي العرض إلى الذهن فوجوده ليس قائماً في موضوعه بل يمكنك أن تلحظه في نفسه. فليكن أمر المعنى الحرفي أيضاً كذلك، فليكن المعنى الحرفي في الواقع الخارجي قائم بالطرفين، ولكن عندما يأتي إلى الذهن يلحظ بنحو استقلالي، ما المحذور في ذلك. ونظير ذلك العرض، فأنه في الخارج في محل وفي الذهن مستغني عن المحل. هذا نقض سيدنا الشهيد على المحقق الأصفهاني.
 فهل أن الإشكال وارد أو ليس بوارد؟
 أولاً: المحقق الأصفهاني ملتفت إلى ذلك،كما أشرنا في الدرس السابق بنحو الإجمال يقول: أن العرض له وجود في نفسه، فإذا كانت له نفسية، إذن له هوية بغض النظر عن نحو وجوده. نعم، العرض ليس في هويته قائم في الغير، العرض في وجوده الخارجي بقيد الخارجي قائم بالغير، فإذا جاء إلى الذهن لا يقوم بالغير، لأن ارتباطه بالغير وقيامه بالغير كان من خصائص وجوده الخارجي، وبطبيعة الحال عندما يأتي إلى الذهن فله حكم آخر. وهل المعنى الحرفي كذلك؟ يقول: لا، المعنى الحرفي حقيقته ذاته هويته هي أنه قائم بغيره، في أي ظرف من الظروف فرضته.
 مثلاً: الأربعة بحسب الوجود الخارجي الأربعة زوج، وكذلك هي زوج بحسب الوجود الذهني ،وبحسب عالم المثال ، وفي عالم العقول، لأن الزوجية قوام ذاتي للأربعة، لا أنه باللحاظ يصير هكذا وبلحاظ آخر يصير هكذا ... أبداً. يقول الاصفهاني: المعنى الحرفي قوامه أنه قائم بغيره، إذن فلا معنى أن يكون في الخارج بنحو وفي الذهن بنحو آخر. فإذن لا يقاس المعنى الحرفي بوجود العرض.
 اذن الاصفهاني ملتفت الى الفرق بين العرض والمعنى الحرفي. ولعل السيد الشهيد نقل الإشكال من مكان آخر أو قرأ أول العبارة. هذه هي عبارة المحقق الاصفهاني، يقول: (قد عرفت أن مجرد لزوم القيام بالغير لا ينافي الوجود النفسي كيف والعرض من أنحاء الموجود في نفسه مع أن وجوده في نفسه) يعني في الخارج عين وجوده لغيره، قد يكون قائماً بالغير في الوجود الخارجي ومع ذلك له وجود في نفسه. إلى أن يقول: (مع أن من البديهي أن حقيقة النسبة لا توجد في الخارج إلا بتبع وجود المنتسبين) يعني المحمول والموضوع (من دون نفسية واستقلال اصلاً) وبهذا اختلفت عن العرض. اذ العرض له نفسية (فهي متقومة في ذاتها بالمنتسبين) كالأربعة متقومة بكونها زوج، لازمها الذاتي زوج، (لا في وجودها فقط ، بخلاف العرض فإن ذاته غير متقومة بموضوعه) له هوية في نفسه، (بل لزوم القيام بموضوعه ذاتي وجوده) وجوده الخارجي (فإن وجوده في نفسه وجوده لموضوعه، وإذا كان النسبة بذاتها وحقيقتها متقومة بالطرفين فلا محالة يستحيل اختلافها باختلاف الوجودين من الذهني والعيني.
 هذا في (ص53) إلى أن يقول: (وأما حقيقة المعنى الحرفي والمفهوم الأدوي فهو ما كان في حد ذاته غير استقلالي بأي وجود فرض، فعدم استقلاله باللحاظ كعدم استقلاله في الوجود العيني) ذهناً وخارجاً وفي غيره. من جهة نقصان ذاته، فلا يفرق ذهناً أو خارجاً.
 قال: (من جهة نقصان ذاته عن قبول الوجود النفسي في أي وعاء كان لا أن اتصافه بعدم الاستقلال بلحاظ اللحاظ) لا يتبادر إلى ذهنك عندما نقول أن المعنى الحرفي آلي غير مستقل ان اللحاظ جعله آلياً، بل هو في ذاته آلي، وليس مثل الجسم يمكن أن يكون أبيض ويمكن أن يكون أحمر ويمكن أن يكون أسود، بل المعنى الحرفي سنخ معنى في ذاته قائم في غيره.
 ثم يقول: (ما ذكرناه في تحقيق المعاني الحرفي والمفاهيم الأدوية هو الذي صرح به أهل التحقيق والأكابر من أهل فن المعقول). إذن تبين أن هذا المعنى أخذه من الفلسفة.
 إذن في جملة واحدة، إشكال سيدنا الشهيد أو النقض على المحقق الأصفهاني بالعرض ليس بوارد وببيان آخر: قياس المعنى الحرفي بالأعراض قياس مع الفارق.
 إذن إشكال سيدنا الشهيد غير وارد على المحقق الأصفهاني.
 سؤال: إشكال المحقق الأصفهاني وارد على المحقق صاحب الكفاية أو غير وارد؟ انتهى المحقق الأصفهاني إلى أن المعنى الحرفي في ذاته هو حرفي، والمعنى الاسمي في ذاته الاستقلالي ، إذن هما معنى معنيان وهذا هو البرهان الذي أدى بالقوم أن يرفضوا اتجاه المحقق الرضي وما ذكره صاحب الكفاية وذهبوا إلى أن الاختلاف بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي اختلاف ذاتي تباين ذاتي.
 وهذا البيان الذي ذكره أو البرهان بتعبيره في (ص51) قال: (والبرهان على ذلك هو أن الاسم والحرف لو كانا متحدين معنى).
 تعالوا نرى ماذا فهم المحقق الأصفهاني من صاحب الكفاية وماذا يريد صاحب الكفاية لنرى إن إشكاله وارد أو غير وارد. قال الأصفهاني: نحن عندما نأتي إلى المعنى الحرفي في الخارج نجد قوامه قائم بالطرفين. فهل يتحول عما هو عليه أو لا يتحول؟ لو تحول عما هو عليه للزم الانقلاب في وجوده من معنى حرفي إلى معنى اسمي، وحيث أن المعنى الحرفي في الخارج لا يكون إلا بحالة واحدة إذن لابد في الذهن أيضاً لا توجد له إلا حالة واحدة، إذن بطل كلام صاحب الكفاية الذي قال أن المعنى واحد والاختلاف إنما هو باللحاظ الخارجي.
 ولكن صاحب الكفاية لم يدعِ أن المعنى الملحوظ باللحاظ الآلي مع قيد كونه آلياً باللحاظ الآخر يكون استقلالياً. ولكن الاصفهاني تصور أن صاحب الكفاية يقول أن المعنى الآلي باللحاظ، مع كونه آلياً نستطيع أن نبدله باللحاظ نفسه، فقال يستحيل ذلك، والحق معه، لأنه فرض آلياً فكيف يمكن أن يبدل اللحاظ الحقيقة إلى غير حقيقة،والمعنى الاستقلالي باللحاظ لا يتبدل إلى.
 ونحن مع الاصفهاني بأن المعنى الحرفي في الخارج له حالة واحدة, وفي الذهن أيضاً له حالة واحدة. وهذه عبارته: (فإن المعنى الحرفي لا يوجد في الخارج إلا على نحو واحد) ونحن نقول: في الذهن ايضاً المعنى الحرفي لا يوجد إلا على نحو واحد. ولم يقل صاحب الكفاية أن المعنى الحرفي يوجد على نحوين، قال صاحب الكفاية: عندنا معنى كلي، هذا المعنى الكلي إذا لوحظ بآلية يصير حرفاً، إذا لوحظ باستقلالياً يصير اسماً، لا أن المعنى الحرفي له حالتان.
 افترضوا أن المعنى كالجنس، مثل حيوان. ويأتي اللحاظ الآلي أو الاستقلالي ويجعل هذا حرفي وهذا اسم فاللحاظ اجعلوه بمنزلة الفصل وإن كان قياس مع الفارق، ولكن من باب التقريب، لو كان صاحب الكفاية يقول أن المعنى الجنسي بعد لحوق الفصل المنوع له يمكن أن يتبدل فالإشكال وارد، ولكن هو لا يقول هذا، بل يقول المعنى الذي هو معنى واحد حقيقة، أنت بحسب حاجتك وبحسب استعمالاتك وبحسب لغتك هذا المعنى مرة تعبر عنه بنحو المعنى الاسمي وأخرى تعبر عنه بنحو المعنى الحرفي.
 اقرأوا عبارة صاحب الكفاية، هذا المطلب ليس من عندي بل منه قدس الله نفسه، في (الكفاية) يقول: (إن نحو إرادة المعنى) مثلاً معنى واحد وهو (أ). هذا المعنى (أ) مرة تعبر عنه بلفظ أسمي هو الابتداء ومرة تعبر عنه بلفظ أو كلمة حرفي وهو (من). يقول: (إن نحو إرادة المعنى) المعنى الواحد (لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته ومقوماته) نحو الإرادة لا يكون من خصوصيات المعنى، لماذا؟ لأن الإرادة متأخرة رتبة عن المعنى. فكيف تكون من خصوصيات المعنى.
 ولم يقل صاحب الكفاية أن المعنى الآلي باللحاظ ينقلب استقلالي، أو أن المعنى الاستقلالي باللحاظ ينقلب إلى آلي. حتى تقول أنه في الخارج واحد له حالة واحدة إذن في الذهن أيضاً.
 إذن إشكال المحقق الأصفهاني غير وارد على صاحب الكفاية.
 والحمد لله رب العالمين

logo