الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الاصول
32/11/05
بسم الله الرحمن الرحیم
إشكال الأصفهاني على صاحب الكفاية ورد السيد الشهيد للإشكال
إشكال الأصفهاني على صاحب الكفاية ورد السيد الشهيد للإشكال
الكلام عن الاتجاه الثاني الذي اختاره صاحب الكفاية.
وهذا الاتجاه هو الذي وقع عليه النقض والإبرام وكتبت فيه مئات الصفحات. إلى يومنا هذا، يدعي صاحب الكفاية بأن معنى الحروف ومعنى الأسماء من حيث المعنى معنى واحد، يوجد معنى في الذهن هذا المعنى الواضع عندما يأتي ليضع بإزاء ذلك المعنى لفظاً بدل أن يضع لفظاً واحد يضع لفظين، ولكن أحد هذين اللفظين يدخل في دائرة الأسماء وهو الابتداء مثلاً، والآخر يدخل في دائرة الحروف وهو (من) وهكذا باقي الحروف. وقد اشكل بعض الاصوليين عليه بانه يلزم منه صحة استعمال احدهما مكان الآخر وهو بطال بالضرورة اللغوية.
وأجاب صاحب الكفاية عن ذلك: صحيح، المعنى واحد ولكن هذا المعنى الواحد ملحوظ بلحاظين: اللحاظ الآلي واللحاظ الاستقلالي، ولهذا السبب لا يمكن استعمال أحدهما محل الآخر لاختلاف اللحاظ.
ان قلت: اذن هما معنيان لا معنى واحد.
قلت: المعنى واحد لانه لا الآلية جزء فيه ولا الاستقلالية جزء فيه، وانما هما أمران عرضيان لا أمران ذاتيان، في (ص12) من الكتاب قال: (وبالجملة ليس المعنى في كلمة (من) ولفظ الابتداء إلا الابتداء ... فكما لا يعتبر في معناه) يعني معنى لفظ الابتداء (لحاظه في نفسه مستقلاً كذلك لا يعتبر في معناها) يعني كلمة (من) (لحاظه في غيرها عادة) فلا الآلية ولا الاستقلالية مأخوذتان في المعنى، بل المعنى عارٍ عن الآلية والاستقلالية.
هذان قيدان (الآلية والاستقلالية) في الوضع لا في المعنى الموضوع له اللفظ. يعني الواضع وضع (من) بهذا اللحاظ فإذا استعمل في غير هذا اللحاظ فالواضع لم يضع فيكون مهملاً. مثلاً الواضع وضع كلمة الأسد للدلالة على الحيوان المفترس في الليل فقط ، اما في النهار فكلمة الأسد لا تدل على الحيوان المفترس لأن الواضع قيد عملية الدلالة بقيد، ففي غير ذلك القيد اللفظ لا يدل. هذه أحفظوها جيداً، ولذا إذا استعمل المستعمل (من) في الابتداء باللحاظ الاستقلالي لا يوجد وضع وإذا استعمل الابتداء باللحاظ الآلي لا يوجد وضع فهو مهمل، والاستعمال خاطئ.
إذن يتلخص مبنى صاحب الكفاية في النقاط التالية:
الأولى: المعنى واحد.
الثانية: الذي يدل على هذا المعنى واحد متعدد، فهو إما بلحاظ آلي وهو الحرف وإما بلحاظ استقلالي وهو الاسم.
والآلي والاستقلالي قيدان في قيدان في عملية الوضع، ولذا قال: (قلت الفرق بينهما) يعني الآلية والاستقلالية (إنما هو في اختصاص كل منهما بوضع) هذا له وضع وذاك له وضع آخر وإن كان المعنى الموضوع له واحد (حيث أنه وضع الاسم) يعني لفظ الابتداء (ليراد منه معناه بما هو هو وفي نفسه) وهذا هو اللحاظ الاستقلالي (والحرف) يعني ووضع الحرف (ليراد منه معناه لا كذلك) يعني لا بما هو هو وفي نفسه بل بما هو في غيره (كما مرت الإشارة إليه فالاختلاف بين الاسم والحرف في الوضع لا في المعنى الموضوع له اللفظ)... يقول: (فالاختلاف بين الاسم والحرف في الوضع.
ولكن لماذا لا يصح استعماله احدهما مكان الآخر مجازاً؟
قال صاحب الكفاية: (وهذا فالاختلاف بين الاسم والحرف في الوضع يكون موجباً لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع آخر وإن اتفقا) يعني الآلية والاستقلالية والاسم والحرف (فيما له الوضع) وإن كان المعنى واحدا (وقد عرفت أن بما لا مزيد عليه أن نحو إرادة المعنى لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته ومقوماته).لانه لايكون موضوعاً بل مهملاً، وانما يصح المجاز في اللفظ الموضوع.
إذن إلى هنا اتضح أنه في الاتجاه الثاني المعنى واحد والاختلاف في الآلية والاستقلالية مرتبط بعالم اللحاظ لا بعالم المعنى الموضوع له اللفظ.
فهل هذا الكلام تام أو لا؟
كلمات الأعلام في هذا المجال كثيرة جداً لا أريد الدخول فيها تفصيلاً ولكن بالقدر الذي تتضح الرؤية للأعزاء. فقد أشكل الأعلام على صاحب الكفاية بعدة إشكالات:
الإشكال الأول في المقام هو إشكال تلميذه المحقق الأصفهاني الكمباني في (نهاية الدراية) أبين أولاً إشكال المحقق الأصفهاني بقياس استثنائي ثم أطبق عبارته. الإشكال هذا: لو كان المعنى واحداً وكان الاختلاف باختلاف اللحاظ وهو خارج، ، للزم أن يكون الواقع الخارجي كذلك. لأن اللحاظ مرتبط بعالم الوجود الذهني، يقول: لو كان في الواقع الذهني كذلك لكان ينبغي في الواقع الخارجي أن يكون كذلك، والتالي باطل فالمقدم مثله.
ما هو وجه الملازمة؟ يقول: باعتبار أن الذهن إنما هو انعكاس للخارج فإذا كان الذهن كذلك فلابد أن يكون في الخارج كذلك، إذن لابد في الخارج ... أن المعنى الحرفي في الخارج إذا لاحظته (أ) يكون حرفياً وإذا لاحظته (ب) يكون استقلالياً، والتالي باطل، لأنه محال المعنى الحرفي في الخارج ينقلب عما هو عليه، إذن في الذهن أيضاً لا يتبدل.
هذه عبارة المحقق الأصفهاني+ في (نهاية الدراية، ج1، ص51) طبعة مؤسسة آل البيت عليهم السلام، في الحاشية رقم 18 يقول: (تحقيق المقام يتوقف على تحقيق المعاني الحرفية والمفهومات الأدوية) يعني أداتية (وبيان المراد من عدم استقلالها في المفهومية فنقول: الذي ينساق إليه النظر الدقيق بعد الفحص والتدقيق أن المعنى الحرفي والاسمي متباينان بالذات) خلافاً لما يقوله شيخه الأستاذ أنهما معنى واحد حقيقة، لا، هما متباينان حقيقة (لا اشتراك لهما في طبيعي معنى واحد) كما يقول صاحب الكفاية (والبرهان على ذلك) قياس استثنائي (أن الاسم والحرف لو كانا متحدي المعنى) كما قال صاحب الكفاية (وكان الفرق) يعني بينهما (بمجرد اللحاظ الاستقلالي والآلي) وهما خارجان عن المعنى، هذا مقدم الشرطية، جوابها (لكان طبيعي المعنى الوحداني قابلاً لأن يوجد في الخارج أيضاً على نحوين) ببرهان أن الذهن انعكاس للخارج (كما يوجد في الذهن على طورين) فكيف أن المعنى الواحد في الذهن إذا لاحظته كذا يكون حرف وإذا لاحظته كذا يكون اسم، ينبغي أن يكون الواقع الخارجي أن المعنى إذا كان كذا يكون اسم وإذا كان ... والتالي باطل، لأن المعنى الحرفي لا يوجد في الخارج إلا على نحو واحد وهو الوجود لا في نفسه. (ولا يعقل أن توجد النسبة في الخارج بوجود نفسي).
هذا كلام الشيخ الأصفهاني. إذن الشيخ الأصفهاني أدعى عدة ادعاءات:
الادعاء الأول: قال أن الذهن انعكاس للخارج.
الادعاء الثاني: أن المعنى الحرفي لا يوجد في الخارج الا بطور واحد، النتيجة إذن في الذهن أيضاً لا يمكن أن يوجد إلا بطور واحد ولا يمكن أن يختلف باختلاف اللحاظ.
والنتيجة التي يأخذها الاصفهاني واضحة، يقول: فإذا كان الخارج كذلك إذن المعنى الحرفي في الذهن أيضاً لابد أن يكون مبايناً للمعنى الاسمي، فالمعنى الاسمي والمعنى الحرفي متباينان بالذات، وهذا هو الاتجاه الثالث.
وقد أشكل سيدنا الشهيد الصدر + على الاصفهاني في (تقريرات بحث السيد الهاشمي، ج1، ص234) قال: (ولكن لا مأخذ لهذا الأصل الموضوعي المزعوم) بأن الذهن انعكاس للخارج. يعني ان هذا الأصل ليس له أي دليل. أساساً ما هي العلاقة بين الوجود الذهني وبين الوجود الخارجي؟ هذه كلها مأخوذة كمفروضات أما من الفلسفة وإما من المنطق وإما من نظرية المعرفة، الشيخ الأصفهاني يقول أن هناك تطابقا على أن هذا انعكاس، السيد الصدر يقول لا يوجد تطابق. سؤال: الحق مع من؟ذكرنا في العام الماضي ان الصور الذهنية لا تؤخذ من الواقع الخارجي لأنه الواقع الخارجي قد يكون المتصور معدوما في الخارج لذا ذهبنا إلى مسألة نفس الأمر وغيرها ...
ولهذا لا نريد أن ندخل في الأصول الموضوعة للبحث بل نتكلم على ما هو عليه.
قال السيد الشهيد: (ولكن لا مأخذ لهذا الأصل الموضوعي؛ إذ لا برهان على ضرورة التطابق بين الوجود الذهني والوجود الخارجي، بل البرهان على خلافه فإن العرض لحاظه في الذهن يمكن أن يكون مستقلاً عن موضوعه مع أنه في الخارج لا يوجد إلا قائماً في محل وفي موضوع). العرض في الذهن البياض تستطيع أن تتصوره في نفسه، بغض النظر عن الشيء المتصف بالأبيضية، أما في الخارج فلا يوجد إلا مع وجوده لغيره. هذا بيانه هنا.
وأوضح منه ما ذكره في تقريرات السيد الحائري (ج1 من القسم الأول، ص127) قال: (أقول: أننا وإن كنا نؤمن على ما سوف يتضح أن المعنى الحرفي لا يوجد في الذهن إلا آلياً) يعني نؤمن بالاتجاه الثالث ولكن لا بهذا الطريق الذي ذكره المحقق الأصفهاني (لكن البرهنة على ذلك بأن وجوده الخارجي لا يكون إلا آلياً غير صحيحة، إذ لا برهان على ضرورة كون أقسام الوجود الذهني مطابقة لما في الخارج، بل نبرهن على خلافه وذلك بالتمثيل بالأعراض فالبياض مثلاً لا يوجد في الخارج إلا في محل لكنه يوجد في الذهن تارة في محل حينما يتصور الجسم الأبيض وأخرى مستقلاً حينما يتصور نفس البياض) الآن لا نريد أن ندخل في بحث تفصيلي مع السيد الشهيد، أن العرض في الخارج يوجد في محل وفي الذهن يوجد مستقل، أو قائم بالنفس، ذاك بحث آخر لا نريد الدخول فيه.
اذن إشكال السيد الشهيد على المحقق الأصفهاني، وهو أنه شيخنا حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء، لماذا أنه إذا كان في الخارج في محل فلابد أن يكون في الذهن كذلك، بل قد يكون في الخارج لغيره ولكنه في الذهن يكون لنفسه. قد يكون في الخارج مرتبطاً بالغير ولكن في الذهن مستقلاً عن الغير، هذا مثال.
والحق والإنصاف أنا لا أعلم أن سيدنا الشهيد قرأ عبارة المحقق الأصفهاني إلى الآخر أو لم يقرأ؟ لأنه عندما تقرأ عبارة المحقق الأصفهاني التي تبدأ من (ص51 إلى وسط ص57) يعني أشكال سيدنا الشهيد مرتبط بالخمسة أسطر الأولى من التعليقة وبقي هناك خمس صفحات... ولذا بشكل واضح وصريح يقول الاصفهاني : مقامنا ليس من قبيل الأعراض لأن العرض له حكمه الخاص فكيف. ينقض عليه السيد الشهيد بالعرض. وقد بين الفرق بين العرض وبين المعنى الحرفي بشكل تفصيلي وبعبارات واضحة.
يقول: (منه ظهر أن تنظير المعنى الاسمي والحرفي بالجوهر والعرض غير وجيه) وإذا كان التنظير غير وجيه فالإشكال بالعرض غير وارد، يقول المعنى الاسمي والمعنى الحرفي بحث والجوهر والعرض له بحث آخر.
ما هو الفرق بينهما؟ في جملة واحدة وتوضيحه يأتي يوم غد.
ما هو الفرق بينهما؟ يقول المعنى الحرفي ليست له أي نفسية، لا ذهناً ولا خارجاً. أما في العرض في نفسه محفوظ في الجوهر والعرض إنما الاختلاف لنفسه ولغيره، فإذن العرض في نفسيه إذا كان له نفسية فيمكن أن ينظر إليه بنحو الاستقلال، أما المعنى الحرفي فليس له نفسية.
وبعبارة أخرى: أن العرض ليس في هويته وحقيقته محتاج إلى الغير، وانما في وجوده الخارجي محتاج إلى الغير ، والمعنى الحرفي في هويته محتاج إلى الغير، فهل يمكن أن ينقض على المعنى الحرفي بالعرض؟ وتوضيحه يأتي.
والحمد لله رب العالمين