الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الاصول
32/10/28
بسم الله الرحمن الرحیم
مقارنة بين الاتجاهات الثلاثة لوضع الحروف
مقارنة بين الاتجاهات الثلاثة لوضع الحروف
الاتجاه الثاني في معاني الحروف، الاتجاه الثاني بنحو إجمالي يختلف عن الاتجاه الأول في شيء ويختلف عن الاتجاه الثالث في شيء، اذ الاتجاه الأول كان يقول أن الحروف لم توضع لمعانٍ مستقلة بإزائها أبداً، وإنما هي موضوعة لمعانٍ ضمنية، ضمن التركيب، و لو لم يكن التركيب موجود فلا معنى لها،اما الاتجاه الثاني فانه يقول أن الحروف وما يلحق بها وضعت في قبال معانٍ مستقلة. والفرق بين الاتجاه الثاني والاتجاه الثالث في الاتجاه الثاني يقول(من) (الابتداء) وضعا لمعنى واحد وأنت إنما تضع لهذا المعنى الواحد كلمتان، كلمة منها تدخل في قاموس الأسماء والثانية تدخل في قاموس الحروف، فنكون أقرب ما نكون إلى الترادف ولكن الترادف لفظان لمعنى هو اسم، يعني أسمان لمعنى واحد، لفظان كلاهما داخل في قاموس الأسماء، مثل الإنسان والبشر، وكلاهما داخل في الاسم، ، أما هنا أحدهما من مقولة الأسماء والثاني من مقولة الحروف.
إذا اتضح ذلك يتضح الفرق بين هذا وبين الاتجاه الثالث، اذ الاتجاه الثالث يقول: أن الحرف وهو (من) موضوع لمعنى يباين المعنى الذي وضع له الابتداء الذي هو الاسم، فهما معنيان متباينان. لا معنى واحد.
من هنا يرد هذا الإشكال على الاتجاه الثاني: لو كان الأمر كذلك لجاز استعمال أحدهما موضع الآخر، يعني أن تستعمل بدل الابتداء (من) وأن تستعمل بدل (من) الابتداء. والتالي باطل فالمقدم مثله.
الجواب: يشير إليه المحقق الرضي، فقد نسب إليه هذا القول أيضاً، انقل كلامه من (حاشية السيد الحائري على تقريرات السيد الشهيد) ، هذه عبارته يقول في (شرح الكافية، ج1، ص10) طبعة منشورات المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية: (ثم نقول إن معنى من ومعنى لفظ الابتداء سواء) هذه الجملة واضحة تريد أن تشير إلى الاتجاه الثاني، ليس عندنا معنيان بل عندنا معنى واحد، هذا الذي نفهمه وهذا الذي يشترك فيه جميع الأمم، المعاني ليس فيها لغات فالناس يختلفون في الألفاظ لا في المعاني، فمعنى الماء لا يختلف فيه أحد، معنى الأب لا يختلف فيه أحد، معنى الأم لا يختلف فيه احد، معنى الله لا يختلف فيه أحد. ولكن الألفاظ بالالفاظ.
فإن قلت: إذن لماذا لا يستعمل أحدهما موضع الآخر؟ قال: (إلا أن الفرق بينهما أن لفظ الابتداء ليس مدلوله مضمون لفظ آخر) يقول ليس معناه قائم بلفظ آخر، وإنما معناه قائم في نفسه. أما معنى (من) الذي هو نفس معنى الابتداء (مضمون لفظ آخر ينضاف ذلك المضمون إلى معنى هذا اللفظ الأصلي) فالاختلاف أحدهما مستقل والآخر ضمني، فلهذا يقول: وهذا هو السبب أنك تجد يجوز الإخبار عن لفظ الابتداء ولا يجوز الإخبار عن لفظ (من (فلهذا جاز الإخبار عن لفظ الابتداء نحو الابتداء خير من الانتهاء ولم يجز الإخبار عن (من) لأن الابتداء الذي هو مدلولها إنما هو في لفظ آخر فكيف يخبر عن لفظ ليس معناه في نفسه) بل معناه في غيره. (وإنما يخبر عن الشيء) بعد أن بين النظرية أو الاتجاه الثاني رتب عليها الاتجاه الأول قال: (فالحرف وحده لا معنى له) إذن هو يعتقد أن الاتجاه الثاني هو عين الاول لا فرق بينهما، ولهذا قال: (فالحرف وحده لا معنى له أصلاً إذ هو كالعلم المنصوب ليدل على أن في ذلك الشيء فائدة فإذا أفرد عن ذلك الشيء) إذن هو يعتقد أن الحرف لا معنى مستقل له، ولكن الاعلام فهموا أنه يقول أن الحرف لا معنى له، فأشكل عليه السيد الخوئي بالتناقض والتهافت.
إذن على هذا البيان الذي أشرنا إليه لا يوجد اختلاف أساسي بين الاتجاه الأول والاتجاه الثاني .
ولكن هذه القضية تطورت وأخذت بعداً آخر في نظرية صاحب الكفاية
قال: نحن نقول أن المعنى فيهما واحد ذاتاً، فإن قلت إذا كان واحد لأمكن استعمال أحدهما في موضع الآخر. أجاب: قال: لا، لأن الحرف مأخوذ بنحو الآلية والاسم مأخوذ بنحو الاستقلالية. ولا معنى لأن يجوز استعمال ما هو ملحوظ بنحو آلي فيما هو ملحوظ بنحو استقلالي .
إذن من حيث المعنى لا فرق بينهما، ولكن مع ذلك لا يمكن استعمال أحدهما في موضع الآخر. من هنا طرح صاحب الكفاية هذه النظرية أو هذا التساؤل: هل اللحاظ قيد في المعنى أو قيد في الوضع؟ لأنه إذا صار اللحاظ الآلي والاستقلالي قيدان في المعنى تعدد المعنى، لان القيود تنوع وتعدد، وهذا خلف ما قاله صريحاً أن المعنى واحد ذاتاً. فلهذا تجده بكل قوته العلمية يريد أن يهرب من أن الآلية والاستقلالية قيدان في المعنى الموضوع له اللفظ، وقال: قيدان في عملية الوضع لا في المعنى الموضوع له.
بالتحليل كلام صاحب الكفاية يرجع إلى أمرين:
الأمر الأول: أن المعنى واحد والاختلاف بالآلي والاستقلالي.
الأمر الثاني: أن هذا الاختلاف في الآلية والاستقلالية ليس مرتبط بالمعنى وإنما مرتبط بالوضع.
اما الأمر الأول افترض صاحب الكفاية انه يثبته الوجدان اللغوي فلم يبحثه وصار كل همه الأمر الثاني الذي يقول بأن الآلي والاستقلالي في عملية الوضع، حتى يتخلص من مسألة تعدد المعنى.
عبارته في (الكفاية، ص12) طبعة مؤسسة آل البيت، طبعاً يبدأ البحث في (ص11) (والتحقيق حسب ما يؤدي إليه النظر الدقيق ... إن حال المستعمل فيه والموضوع له فيها حالهما في الأسماء) وفي (ص12) يقول: (وبالجملة ليس المعنى في كلمة (من) ولفظ الابتداء إلا الابتداء) إن قلت: على هذا لم يبقَ فرق بين الاسم والحرف في المعنى ولزم كون مثل كلمة (من) ولفظ الابتداء مترادفين، ولكن بالمعنى الذي اشرنا إليه بالترادف لا الترادف الذي تقرءوه للأسماء، هذا الترادف واحد من الأسماء وواحد من الحروف (صح استعمال كل منهما في موضع الآخر وهكذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها وهو باطل بالضرورة اللغوية) لا بالضرورة الفلسفية (قلت: الفرق بينهما إنما هو اختصاص كل منهما بوضع) لا أن المعنى الموضوع له واحد آلي وواحد استقلالي، وإلا لو كان المعنى الموضوع له أحدهما آلي والآخر استقلالي للزم تعدد المعنى، لأن القيود تعدد وتنوع، لذا قال (كما لا يعتبر في معناه لحاظه في نفسه ومستقلاً كذلك لا يعتبر في معناها لحاظه في غيرها وآلة) إذن من حيث المعنى لا الآلية مأخوذة ولا الاستقلالية، قال: (حيث أنه وضع الاسم ليراد منه) أنا اقرأ العبارات وقيسوها مع عبارات المحقق الرضي (وضع الاسم ليراد منه معناه وفي نفسه والحرف ليراد معناه بما هو لغيره) ما فرقها عن عبارات المحقق الرضي ؟ نفس عبارات المحقق الرضي.
يقول: (كما مرت الإشارة إليه غير ... فالاختلاف بين الاسم والحرف) أين؟ (في الوضع) لأنه ملتفت، بمجرد إذا قال في المعنى يلزم تعدد المعنى (فالاختلاف بين الاسم والحرف في الوضع يكون موجباً لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر وإن اتفقا) يعني الحرف والاسم (فيما له الوضع) يعني المعنى الموضوع له (وقد عرفت بما لا مزيد عليه أن نحو إرادة المعنى ...)
والحمد لله رب العالمين