« قائمة الدروس

الأستاذ السيد كمال الحيدري

بحث الاصول

32/10/27

بسم الله الرحمن الرحیم

رد اشكال السيد الخوئي على المحقق الرضي

 رد اشكال السيد الخوئي على المحقق الرضي
 وصلنا الى الاتجاه الأول الذي أنكر أن تكون موضوعة لمعنى، انما دورها دور الحركات الإعرابية، ليس أكثر من هذا، وقلنا: أن سيدنا الأستاذ السيد الخوئي (قدس) في الدراسات (ج1، ص35) أشار إلى هذا المعنى قال: (فإن المعن الاسمي تارة يلاحظ بما أنه عين) شيء خارجي ومن حيث هو فيقال (وأخرى يلاحظ بما هو أين فيقال، فلفظ في يكون علامة) كما أن حركة الضمة تكون علامة. (فلفظ في يكون علامة على أن الدار ملحوظة ظرفاً لا استقلالاً كما أن الرفع يؤتى به ليكون علامة على الابتداء أو على الفاعلية إلى غير ذلك ففي الحقيقة ليس للحروف معنى أصلاً). إذن لم توضع.
 ولكن السيد الخوئي على طريقته قال بأنه هذا الكلام لا يمكن أن يقبل، ذكر في (المحاضرات، ج1، ص59) تقريرات الشيخ الفياض، قال: (وعليه فلا معنى للقول بأنها لم توضع لمعنى) بل نسب هذا القول الى التناقض قال (بل يشبه الجمع بين المتناقضين) هذا القول مآله إلى التناقض، ثم قال: (وعلى كل حال فبطلان هذا القول من الواضحات).
 وفي مقام الجواب نذكر مقدمة: وهي: صحيح أننا نقول انظر إلى ما قيل ولا علاقة لك بمن قال، ولكن هذا الكلام ليس مطلقاً تاماً، ولو على نحو الموجبة الجزئية، يعني ماذا؟ يعني أنا عندما أجد أن الشخص المتكلم متخصص في مجال بحثه ويقول كلام هل يمكن أن أتصور أن هذا الكلام وكأنه صادر من إنسان عادي في الشارع؟ لا، المتكلم له دور مهم في ماذا يريد أن يقول.
 مثالاً إذا كان السيد الخوئي (قدس) يتكلم في مسألة أصولية هل يمكن لنا أن نقول لا علاقة لنا بمن المتكلم، هل يمكن هذا الفرض؟ هذا المتكلم أحد أعلام هذا الفن وأحد أساطين هذا الفن، إذن قد يكون في كلامه محمل غير الذي أنت تقرأه، ولكن نفس هذا الكلام لو صدر من إنسان غير متخصص مباشرة تقول أن بطلان هذا من البديهيات.
 انما قدمت هذه المقدمة لأن هذا الكلام منسوب إلى المحقق الرضي، والمحقق الرضي في مجال اختصاصه حجة ، واللطيف أنه لست أنا أقول، هذه عبارات السيد الخوئي يقول (ما نسب إلى الرضي من أنها ليست إلا علائم). إذن لا يمكن ببساطة أن نقول وهذا لازمه الجمع بين النقيضين وبطلانه من ... هذه ليست طريقة تحقيقية.
 والإشكال على هذا الاتجاه: بانه يلزم منه ان وجود الحروف كعدمها ؟ولا يمكن لأحد أن يقول أن وجود الحروف في الجملة كعدم وجودها،فهل سرت من البصرة إلى الكوفة، و(سرت بصرة كوفة) نفس المضمون؟ لا يمكن لأحد أن يقول أن وجود هذه الحروف كعدم وجودها ، إذن لابد أن يكون لهذه الحروف دور، وإلا لو لم يكن هناك أي دور للزم أن يكون وجودها كعدمها، والتالي باطل فالمقدم مثله، وهو وجودها ليس كعدمها. إذن لهذه الحروف دور في تكوين الجملة، إذن لها معنى.
 ولذا قال: (لأن الخصوصيات التي دلت عليها الحروف والأدوات هي بعينها المعاني التي وضعت الحروف بإزائها لعدم كونها مأخوذة ... فانحصر أن يكون الدال عليها هو الحروف ومن الواضح أن دلالتها عليها ليست إلا من جهة وضعها بإزائها فلا معنى للقول أنها لم توضع لمعنى وإنما وضعت لكذا بل هذا يشبه الجمع بين المتناقضين) إذن بطلان هذا القول من الواضحات.
 هذا كلام السيد الخوئي(قدس).
 الجواب: على السيد الخوئي (قدس) أن يثبت الملازمة وأنه إذا كان للحروف دور إذن لابد أن تكون موضوعة لمعنى، وهذا بيّن لم يبين في كلامه، لا أقل تقريرات البحث لا تشير لبيان الملازمة، لعله عنده بيان لهذا المطلب ولكن هذا غير موجود في الكتاب.
 إذن لعله يكون له دور وليست موضوعة لمعنى، كما هو في الحركات، إذ الحركات لها دور وليست موضوعة لمعنى، ولذا اضطر السيد الخوئي (قدس) في الحركات أن يقول انها موضوعة لمعاني، لأنه إذا كان عندنا شيء له دور وليس موضوعاً لمعنى فلتكن الحروف منه. ولذا عبارته يقول: (ومنه ظهر حال المقيس عليه وهو حركات الإعراب بلا زيادة ونقيصة) أن هذه أيضاً موضوعة لمعنى، مع أن هذا خلاف المتفق عليه بين المحققين والمتخصصين في فقه اللغة من أن الحركات ليست موضوعة لمعان، وإنما موضوعة لحالات المعنى الاسمي.
 وبعبارة اخرى: تارة يدعى أن هذه الحروف لا دور لها، لا أنها لا معنى لها، وهذا كما قال سيدنا الأستاذ السيد الخوئي باطل بالوجدان اللغوي، وإلا لو لم يكن لها أي دور كان ينبغي أن يكون وجودها كعدمها، والتالي باطل فالمقدم مثله. إذن لها دور. ولكن الكلام ما هو دورها؟ عندما ندقق في كلمات من نسب إليه هذا القول أو اختاروا هذا القول نجدهم أنهم لا يقولون أنه لا معنى لها أصلاً، يقولون لا معنى لها في نفسها، هي لو سألنا هل (من) موضوعة لمعنى؟ يقول لا، ليس (من) موضوعة لمعنى، بمثال أوضح عندما نأتي إلى قولنا (سرت من البصرة إلى الكوفة) على طريقة تعدد الدال والمدلول (سرت) تدل على معنى و(بصرة) تدل على معنى و(كوفة) تدل على معنى، (من، إلى) هل هي موضوعة لمعنى أو ليست موضوعة لمعنى؟ هذا القول يقول لا، ليست بإزاء معنى من المعاني، تلك كل واحدة بإزاء معنى من المعاني (سرت) بإزاء معنى (بصرة، كوفة) بإزاء معنى، (من وعلى) هل هي بإزاء معنى أيضاً؟ يقول: لا ليست بإزاء معنى. ولكن لها معنى لا بإزائها، وهذا المعنى يظهر من تكوين الجملة، فهي موضوعة بإزاء معنى ولكن بإزاء معنى ضمني داخلي تكويني غيرها،إذن القائل بأنها كالحركات لا يريد أن ينفي كونها لها معنى، بل يريد أن ينفي كونها لها معنى مستقل، في قبال الاتجاه الثاني وبعد ذلك سيأتي ان صاحب الكفاية يرى أن (من) موضوعة لمعنى مستقل وأن (من) والابتداء موضوعة لمعنى واحد.
 أضرب لكم مثالاً: الهيئة لها معنى ولكن لا يمكن أن تكون مستقلة؟ أنت حتى تقول هيئة اسم الفاعل، هذه الفاعل مادة من المواد، اعطني هيئة بلا مادة، محال، لأن طبيعة الهيئة لا تتحقق إلا من خلال مادة معينة.
 وفي البحث الفلسفي قالوا يستحيل انفكاك المادة عن الصورة وتستطيع أن تجد مادة بلا صورة لا أقل في عالمنا، ، أصلاً طبيعة المادة لا يمكن أن توجد، لأن المادة هي الاستعداد، والاستعداد يحتاج إلى الفعلية والفعلية هي الصورة، ولذا لا يمكن أن تجد مادة بلا صورة من الناحية الفلسفية، كما لا يمكنك أن تجد هيئة بلا مادة في اللغة، كذلك لا يمكن أن يكون للحرف معنى إلا في غيره.
 هذه عبارة المحقق الرضي، ذكرها السيد الحائري في (مباحث الأصول، الجزء الأول من القسم الأول، ص122) نقل عبارته في الحاشية، قال: (فالحرف وحده لا معنى له أصلاً) يعني لو نظرت له وحده ليس له معنى، بخلاف الاتجاه الثاني الذي يقول أن (من) له معنى. (إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شيء ليدل على أن في ذلك الشيء فائدة ما) ماء مثلاً، زرع مثلاً، (فإذا أفرد عن ذلك الشيء بقي غير دال على معنى أصلاً).
 إذن أين التناقض فهي لا معنى لها، يعني في نفسها، ولها معنى يعني في غيرها، فلا يلزم التناقض وبطلانه من الواضحات.
  والشاهد على أن كلام المحقق الرضي أصيل ومتين أنك تجد أن المحقق الإيرواني صاحب الحاشية على المكاسب وهي من أهم الحواشي، هناك في حاشيته على الكفاية (نهاية النهاية في شرح الكفاية، ج1، ص10 و 11) يقول: (إذا عرفت ما ذكرناه فنقول: التحقيق أن الحروف لا وضع لها أصلاً) هذا نفي أنها موضوعة لمعنى مستقل (وإنما الوضع للهيئات التركيبية الدالة على أنحاء الروابط الخاصة) يعني عندما صارت في تركيب فتعطي معنى (فلابد في إفادة المعاني الجملية) الجملة، القضية (من تعلق الأوضاع بمفاهيم هي ذات ربط في أنفسها ليكون الربط مأخوذاً في بطن أنفسها) يعني ضمني، فإن المعنى الجملي هو كذلك، بمعنى الجملة تعطي معنى واضح وبسيط وأنت بحسب التحليل أجعله ابتداء وانتهاء وسير وبصرة ... (ينحل إلى أمور متعددة من جملتها الربط فلم يكن حينئذ بد من إنكار الوضع للحروف بنحو مستقل والالتزام بالوضع للمركبات وضعاً نوعياً غير الوضع المتعلق بموادها ... وظني أن حسبان الوضع للحروف) يعني من أدعى أن الحروف موضوعة للمعاني كما هو الاتجاه الثاني (ناشئاً مما يرى من حصول الاختلاف في المعنى باختلاف الحروف فيظن استناد ذلك إلى معنى الحروف) وليس مستند هذا الاختلاف إلى معنى الحروف، بل مستند إلى الربط القائم في الجملة، يقول: (ولعل هذا معنى قوله: والحرف ما أوجد معنى في غيره) إذن هو له معنى في نفسه أو ليس له معنى في نفسه؟ في نفسه لا معنى له، أما في غيره له معنى، إذن إذا قلنا في نفسه لا معنى وفي غيره له معنى، لا يلزم التناقض. (بلا وضع والحرف ما أوجد معنى في غيره يعني أوجد معنى في متعلقاته بإيجاده هيئة خاصة فيها كان لها بتلك الهيئات وضع يخصها وبما ...).
 وبهذا يتضح أن ما ذكره السيد الشهيد الصدر في (تقريرات السيد الهاشمي، ج1، ص233) قال: (وإن أريد به) بالاتجاه الأول الذي قال أن الحروف لا معنى لها (وإن أريد به أن الحرف ليس دالاً مستقلاً) نفس كلام الرضي الذي قرأناه قبل قليل (كما هو الحال في الاسم فإن الاسم دال مستقل، بل يستحيل أن يكون إلا دالاً ضمنياً) وهذا اتضح من بيان المحقق الرضي ومن بيان المحقق الإيرواني، ومنه يتضح أن هذه نفس نظرية الرضي والإيرواني، (إلا ضمنياً والدال المستقل هو المجموع المركب من الحرف والاسم) ولعل هذه من أهم خصائص اللغة العربية. هذا ما استفاد منه ملا صدرا في الممكن فقال الممكن موجود في غيره، ولذا هناك كلمة للسيد الطباطبائي(قدس) قرأتها عنه يقول من يضمن لي أن يفهم الوجود والمعنى الحرفي والوجود الرابط لملا صدرا أضمن له أن يفهم ربع الفلسفة، لأن هناك عشرات ومئات المسائل متوقفة على الوجود الرابط. ولعل في كلمات إمام التوحيد إمام المؤمنين إشارة إلى هذا المعنى عندما قال (كل قائم في سواه معلول) فلا يوجد عندنا موجود في نفسه إلا وجود الحق سبحانه وتعالى. وبهذا تمتاز نظرية الحكمة المتعالية عن المشائية هو في هذا، أنتم تعلمون في الفلسفة نقسم الموجودات إلى وجود في نفسه بنفسه لنفسه.
 ملا صدرا يقول عندنا نحوان من الوجود: إما في نفسه بنفسه لنفسه أو في غيره بغيره لغيره. لا جوهر ولا عرض. الوجود إما مستقل وإما رابط والسلام. هذه دائرة المقولات كلها تكون في خبر كان على مبنى الحكمة المتعالية. ولذا أشكلوا على السيد الطباطبائي قالوا له سيدنا أنت كتبت النهاية على أساس الحكمة المتعالية، فلماذا جعلت مرحلة المقولات، أجاب عنه في مقدمة المرحلة وفي آخر المرحلة، قال: على ما هو المشهور بين حكماء المشاء.
 اعود الى عبارة السيد الشهيد يقول: (والدال المستقل هو المجموع المركب من الحروف والاسم فهذا) إذا كان مراد القائلين بهذا الاتجاه والنظرية علامية الحروف أو اتجاه أنها كالحركات، إذا كان مرادهم فهذا معنى دقيق عميق هو الذي يقتضيه منهجنا العام في تحقيق المسألة، وبعبارة أخرى يقول سوف يكون هذا هو مرتكزنا فيما سنختاره في معنى الحروف. الاتجاه الثاني يأتي غد.
 
 والحمد لله رب العالمين

logo