الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الاصول
32/10/26
بسم الله الرحمن الرحیم
وضع الحروف والهيئات
وضع الحروف والهيئات
كان الكلام في التقسيمات بلحاظ المعنى الذي وضع له اللفظ، قلنا بأننا تارة نتصور معنى من المعاني ونضع بإزائه لفظ معين، فإن كان المعنى المتصور عاماً ووضع لفظ بإزاء هذا المعنى العام فهو الوضع العام والموضوع له العام، وإن كان المعنى المتصور خاصاً فهو الوضع الخاص والموضوع له الخاص، ولم يقع كلام بين فقهاء اللغة وعلماء الأصول في هذين القسمين، في إمكانهما ووقعهما.
أما إذا تصورنا معنى ووضعنا لفظاً لما لم نتصوره، وهذان هما القسمان الآخران الوضع العام والموضوع له الخاص والوضع الخاص والموضوع له العام، تتصور معنى عاماً وتضع لفظاً لأمر خاص، افترضوا أن تضعوا لفرد من أفراده ولمصداق من مصاديقه، فالمتصور عام والذي وضع له اللفظ هو الخاص أو العكس، أن تتصور الخاص ولكن تضع لفظاً لما هو أعم من المتصور، وهذا هو الوضع الخاص والموضوع له العام، وفيما يتعلق بالقسم الرابع لم يقع بحث كبير بين فقهاء اللغة وعلماء الأصول، باعتبار أنه لم يقع بحث في مورد أنه من الوضع الخاص والموضوع له العام، يعني لا يوجد هناك ثمرة لذلك البحث حتى يبحث عنه، ولكنهم بحثوا في القسم الثالث وهو الوضع العام والموضوع له الخاص،
لأنه بعد ذلك سيتضح ان الوضع في الحروف (من، وإلى وعلى ونحو ذلك) أو وضع الهيئات، هيئة اسم الفاعل أو هيئة اسم المفعول ونحو ذلك، هل هي هذا الوضع فيها، هل هو من الوضع العام والموضوع له العام أو هو من الوضع العام والموضوع له الخاص؟ إذن هناك ثمرة علمية أساسية في هذا المجال لابد أن تبحث.
فيما يتعلق بالإمكان أشرنا في البحث السابق قلنا بأنه توجد مشكلة أساسية في الوضع العام والموضوع له الخاص، وهي أننا عندما نتصور العام ونريد وضع اللفظ لغير ما تصورناه يلزم ما تصور لم يوضع له وما وضع له لم يتصور.
سؤال: إذا وضعنا اللفظ لمعنى غير متصور، كيف إذا أنا أطلقت ذلك اللفظ يتبادر إلى ذهن السامع المعنى المقصود، مع أنه أنا تصورت المعنى أو لم أتصور؟ لم أتصور المعنى. هذه أعزائي هي الإشكالية الأصلية في القسم الثالث وهي الوضع العام والموضوع له الخاص.
و قلنا أن الجواب عن ذلك يتم من خلال أصلين أصلنا لهما في السنة الماضية:
الأصل الأول: أننا قد نتصور معنى في نفسه وقع نتصور معنى بلحاظ حكايته عن مفاهيمه، مثلاً إذا قلت الإنسان ضاحك. سؤال:هل هذه الجملة صحيحة أو غير صحيحة؟ الجواب: في فرض صحيحة وفي فرض غير صحيحة. لانه إذا كان مقصودك مفهوم الإنسان في الذهن ضاحك فغير صحيح، لأن مفهوم الإنسان لا يضحك ، أما إذا كان مقصودك الإنسان ضاحك بلحاظ مصاديقه الخارجية فالجملة صحيحة.
وبناءاً على الأصل الأول إذا لاحظنا المعنى بما هو هو في نفسه ووضعنا اللفظ للخاص فهذا غير ممكن، أما إذا تصورنا المعنى بلحاظ حكايته عن مصاديقه وأفراده فوضع اللفظ ممكن للخاص لأنه تصورت الخاص ولكن لا بنفسه بل تصورته من خلال المفهوم الحاكي عنه.
إذن الإشكال الذي يقول وضع اللفظ لما لا يتصور مندفع ، بل في هذه الصورة وضع اللفظ لما تصور.
نعم، قلنا لابد أن نضيف أصلاً آخر إلى هذا الأصل، وهو عندما نقول يتصور العام حاكياً عن أفراده لا الأفراد الخارجية، ولا الأفراد النفس الأمرية، بل الأفراد الذهنية. يعني أن مرتبة من الذهن تكون حاكية عن مرتبة أخرى من الذهن، وقد تقدم ايضاح هذا مفصلاً.
ما هي ثمرة البحث؟
اذا قلنا: أن وضع الحروف هو من الوضع العام والموضوع له العام، كما ذهب اليه البعض فلا ثمرة هنا.
إنما الكلام كل الكلام إذا قلنا أن وضع الحروف و هيئات الجمل و هيئات الكلمات ونحو ذلك. من المعاني الحرفية بالمعنى الأعم لها بحسب فقه اللغة لا المعنى الحرفي بحسب الفلسفة. طبعاً يميز بينهما في الفلسفة يعبر عنه بنحو الوجود الحرفي وفي علم الأصول أو فقه اللغة يعبر عنه بالمعنى الحرفي، لأن المعنى مرتبط بعالم المفاهيم والوجود مرتبط بعالم الحقائق الخارجية.
إذا قلنا أن الحروف والهيئات موضوعة على نحو القسم الثالث يعني الوضع العام والموضوع له الخاص، هنا يأتي هذا السؤال وهو أن هذا القسم الثالث ممكن أو ليس بممكن؟ نحن الآن انتهينا إلى إمكانه، إذن لابد أن نأتي ونرى أن وضع الحروف والهيئات هل هو من القسم الثاني أو هو من القسم الثالث؟ باعتبار أن كلا القسمين ممكن، القسم الثاني ممكن والقسم الثالث أيضاً ممكن. أما إذا قلنا أن القسم الثالث ممتنع فلا إشكال أن وضع الحروف والهيئات هو من القسم الثاني لأنه إذا كان الثالث ممتنع فلا يعقل أن يكون من القسم الثالث.
فيما يتعلق بوضع الحروف والهيئات عند الأصوليين بحثوا في مقامين:
المقام الأول: وهو بحث مفيد في نفسه فيما يتعلق بمعرفة أن معاني الحروف والهيئات هل هو من الوضع العام والموضوع له العام أو من الوضع العام والموضوع له الخاص. ولكنه لابد أن نعرف اولاً ما هي معاني الحروف، او هل الحروف لها معاني أو ليس لها معاني؟ قد يقال أن الحروف والهيئات غير موضوعة لمعنى، فتكون خارجة سالبة بانتفاء الموضوع، لأننا في هذه الأقسام نقول: التقسيمات بلحاظ وضع اللفظ للمعنى، إذن ثبت أن الحروف والهيئات لها معنى حتى نقول أنه من القسم الأول من القسم الثاني من القسم الثالث، أما إذا صار مبناك لا معنى لها، فلا مشكلة ولابحث.
من هنا تجد الأعلام من فقهاء اللغة والأصوليين دخلوا في بحث ما هو المعنى الموضوع له في الحروف والهيئات؟
وبحسب التقسيم الثلاثي المعروف وهو: أن الكلمة أما اسم أو فعل أو حرف. نجد انهم ذكروا في اللغة لكل حرف معنى معين، قالوا (من) للابتداء، و (على) للفوقية أو الاستعلاء و(إلى) للانتهاء وهكذا ... ثم وجدوا أنه لا يترادف المعنى مع اللفظ، يعني عندما تقول (الانتهاء خير من الابتداء) هذه الجملة لها معنى ولكن اذا بدلنا الابتداء بـ(من) والانتهاءبـ(إلى) فتصير (إلى خير من من) فلا معنى لها .
نعم في جملة من الموارد يمكن أن يصح كلاهما كقوله (زيد جالس على السطح) صحيح واذا قلت: زيد جالس فوق السطح. ايضاً صحيح ، مثال آخر: أخذت من الدراهم، من تفيد التبعيضية، أخذت بعض الدراهم صحيح، ولا مشكلة فيها. أو قولهم: زيد كالأسد. ضع مكانها زيد مثل الأسد، لا مشكلة فيها. إلا أن الأعم الأغلب عدم الصحة.
وفيما يتعلق بالمعاني التي وضعت أو الحروف توجد اتجاهات ثلاثة:
الاتجاه الأول: أن الحروف والهيئات لم توضع لمعنى أصلاً، وعلى هذا الأساس تخرج عن محل الكلام، لأن بحثنا فيما له معنى، فإذا لم يكن لها معنى فسالبة بانتفاء الموضوع، هذا الاتجاه الأول.
الاتجاه الثاني: يقول له معنى، كالمعنى الاسمي. لا فرق بينهما إلا في بعض الخصوصيات، ولعله المنسوب إلى صاحب الكفاية وسيأتي بحثه.
الاتجاه الثالث: يقول له معنى ويختلف حقيقة وذاتاً ويباين المعنى الاسمي.
أما الاتجاه الاول يقول في جملة واحدة: دور الحروف والهيئات دور الحركات الإعرابية. (الضمة أو الفتحة أو الكسرة) وهي انما تبين خصوصية موجودة في معنى الاسم ، لا أنها هي معنى في قبال المعنى الاسمي.
وهذا الاتجاه أشار إليه جملة من الأعلام ومنهم السيد الخوئي+ في (الدراسات، ج1، ص35) يقول: (أنها ليست إلا علائم لكيفية استعمال المعاني الاسمية ولحاظها كالإعراب والتقدم والتأخر). لأن المعنى الاسمي ليست له حالة واحدة مثلاً زيد قد يكون فاعلاً وقد يكون مفعولاً ، في كل حالة من الحالات قد يكون له خصوصية وله حكم وله معنى معين، (تأتي الحركات لتبين الخصوصيات الموجودة في المعاني الاسمية، وهكذا الهيئات ولهذا قال: (فإن المعنى الاسمي تارة يلاحظ بما أنه عين ومن حيث هو فيقال الدار قيمتها كذا، وأخرى يلاحظ بما هو أين وظرف مكان فيقال زيد في الدار، فلفظ (في) يكون علامة على أن الدار ملحوظة ظرفاً له لا أنها مستقلة ...) كما تقول زيد أو ضرب زيد، زيد هنا عندما رفعته تريد أن تشير بالضمة إلى أنه فاعل، وعندما تقول زيد في الدار (في) علامة على أنه وقع في هذه الحالة، لا زيد نائم، وإنما زيد في كذا. هذا هو الاتجاه الأول. تتمة الكلام تأتي غداً في المكان الجديد.
والحمد لله رب العالمين