الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الاصول
32/10/21
بسم الله الرحمن الرحیم
القسم الثالث من أقسام الوضع
القسم الثالث من أقسام الوضع
وصلنا في السنة الماضية إلى بحث الوضع وقلنا بأنه في مبحث الوضع يعني وضع الألفاظ للمعاني يمكن أن يقع البحث في أمور ثلاثة:
البحث الأول الذي لابد أن يقع فيه البحث هو في حقيقة الوضع وما هي نوع العلاقة القائمة بين اللفظ وبين المعنى، أي لفظ وأي معنى. وهذا الذي اشرنا إليه بنحو مفصل في السنة الماضية، هذه العلقة الوضعية قلنا تنقسم بانقسامات متعددة، التقسيم الأول لهذه العلقة هي ما يرتبط بأنه هل الوضع تعييني أو تعيني، وهذا مرتبط بحقيقة العلاقة القائمة ومنشأ العلاقة القائمة بين اللفظ وبين المعنى، قد يكون منشأها تعييني وقد يكون منشأها تعيني. وهذا ما تكلمنا فيه في السنة الماضية.
البحث الثاني أو المسألة الثانية أو التقسيم الثاني هو ما يتعلق بالمعنى، المعنى إذ يوجد عندنا طرفان: أحدهما المعنى والآخر اللفظ. الآن نريد أن نتكلم أو تكلمنا في المعنى وكيفية تصور المعنى، فيما يتعلق بالمعنى المتصور تارة أن الواضع يتصور معنى عاماً أو كلياً ويضع اللفظ بإزاء ذلك المعنى أو ذلك الأمر الكلي، وهذا هو المعروف في كلماتهم بالوضع العام والموضوع له العام. يعني تصور عاماً كالإنسان معنى الإنسان، مفهوم الإنسان ووضع بإزائه لفظاً بإزائه مباشرة، يعني وصف بحال نفس الموصوف، لا أنه وصف بحال متعلق الموصوف، وهذا هو المعروف بالوضع العام والموضوع له العام. وهذا لم يستشكل فيه أحد لا إمكاناً ولا وقوعاً، وأساساً المفاهيم الكلية في المنطق كلها قائمة على هذا الأساس، وهو أن الواضع يتصور معنى عاماً ويضع اللفظ بإزاء ذلك المعنى العام المتصور. وأخرى يتصور معنى خاصاً ويضع اللفظ بإزاء ذلك المعنى الخاص، وهذا أيضاً كما في الأسماء الشخصية يتصور هذا الموجود ا لخارجي أمامه فيضع له لفظ بإزائه مثلاً يضع لابنه اسم علي، محمد، حسن ... وهذا هو المصطلح عليه بالوضع الخاص والموضوع له الخاص وهذا القسم أيضا من المتفق عليه ولا كلام فيه .
إنما الكلام كله فيما يرتبط بالقسم الثالث والرابع، فقد يتصور الواضع العام ولكن يضع اللفظ بإزاء الخاص، وهذا هو المعروف بالوضع العام والموضوع له الخاص، وهو القسم الثالث، وهذا هو محل الكلام بين الأعلام. هل هو ممكن أو لا؟ وإذا كان ممكناً هل هو واقع او لا؟ وهذا بحث نظري فقط، سواء كان ممكن أو كان ممتنع لا تترتب عليه أي ثمرة.
فيما يرتبط بالوقوع سيأتي بحثه بعد ذلك، وأنه ما هي أمثلته لو تممنا الإمكان؟ أولاً لابد أن نرى أنه ممكن أو ليس بممكن.
وتلخيصاً لما سبق نقول: ان الإشكالية الأصلية المطروحة في المقام هي أن عملية الوضع التي يقوم بها الواضع تشبه بنحو من الأنحاء عملية الحكم الذي يقوم بها أي حاكم وأي قاضٍ مثلاً. تشبه تشكيل أي قضية من القضايا، أنت عندما تريد أن تقول: زيد قائم، أو محمد عالم أو علي شجاع، أو أي قضية أخرى تحتاج أولاً إلى تصور الموضوع وإلى تصور المحمول وإلى النسبة القائمة بين الموضوع وبين المحمول المصطلح عليها بالنسبة الحكمية في الفلسفة والمنطق أو نظرية المعرفة، واذا تعرفت على الموضوع وعلى المحمول وعلى النسبة القائمة بين الموضوع والمحمول، عند ذلك تقول: زيد قائم، وباللغة الفارسية هذه الهيئة التي تخرج بكلمة (است) زيد قائم است ، هذا الحكم، وهذا هو من الفوارق بين اللغة العربية واللغة الفارسية، في اللغة العربية الهيئات كلها معاني حرفية غير منظور إليها، بخلافه في اللغة الفارسية الكثير من الهيئات يشار لها بكلمات بنحو المعاني الاسمية.
وفي عملية الوضع أي وضع كان حتى لو كان وضعاً شخصياً، أنت تتصور الموضوع أولاً وهو المعنى وتتصور المحمول وهو في المقام اللفظ، ثم تتصور النسبة بين الموضوع والمحمول، يعني بين المعنى واللفظ ثم تحكم أن هذا اللفظ يشير إلى هذا المعنى. فإذا تحقق ذلك عند ذلك إذا سمعت هذا اللفظ يتبادر ذهنك إلى المعنى الموضوع له. إذن في الوضع والواضع يقوم بعملية شبيهة بالحكم التي يحكم بها من خلال المحمول على الموضوع.
السؤال: في الوضع العام والموضوع له الخاص، هل هذا ممكن اوغير ممكن بالمعنى الأصولي لا بالمعنى الفلسفي.
اشكل البعض على هذا القسم وقال: بانه غير ممكن وذلك لان الواضع يتصور العام ويضع للخاص ، إذن ما تصور لم يوضع له اللفظ وما وضع له اللفظ لم يتصور، وهذا خلف.
وهذا هو منشأ القول: بأن القسم الثالث لا معنى له وغير متصور. طبعاً هناك إشكالات أخرى لعلنا نشير لها في الأبحاث اللاحقة.
وفي قبال هذا القول وجد من يقول: الوضع العام والموضوع له الخاص ممكن ومتصور. بغض النظر عن الوقوع وعدم الوقوع.
كان مختارنا في السنة الماضية: لا إشكال في إمكان الوضع العام والموضوع له الخاص، وقد أشرنا إلى أربعة أصول مهمة وتلك الأصول:
الأصل الأول: كيفية تحصيل المفاهيم الكلية، هناك اتجاه في نظرية المعرفة تنكر أن الإنسان قادر أن يتصور المفاهيم الكلية، ومن هنا طرحنا بحث الأصل الأول كيف نحصل على المفاهيم الكلية. وما هو الطريق للحصول على المفاهيم الكلية؟ هل هو الطريق المعروف الذي يسمى في كلمات المناطقة بالتقشير، يعني نأخذ المفاهيم الجزئية ونقشرها ثم نخرج منها مفهوماً كلياً، قلنا أن هذا الكلام عارٍ عن الصحة وليس له أي مستند علمي دقيق، وهذا تقدم بحثه في السنة الماضية.
الأصل الثاني: أين يقع محكي المفاهيم الذهنية؟ عندما أقول الشمس طالعة واضح أن هذه الشمس والنهار موجود، هذه لا مشكلة فيها، لا مشكلة في محكي هذه القضية، فإن كانت مطابقة للواقع الخارجي فصادقة وإن كانت مخالفة للواقع الخارجي فغير صادقة.
ولكن عندنا مجموعة من القضايا ليس لها واقع خارجي، وبعض القضايا ليس لا واقع خارجي لها فقط، بل يستحيل أن يكون لها واقع خارجي، قرأتم في محله أن شريك الباري ممتنع عقلاً. تعالوا معنا إذن إلى قوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) يعني لو كان مع الباري شريك لفسد العالم. هذه القضية ممتنعة، لأن شريك الباري ممتنع، مع ذلك تقول لو كان معه شريك للزم فساد العالم، مع أن هذه القضية صادقة. ولكن صدقها بمطابقة ماذا؟هل بمطابقة الواقع الخارجي؟ إذا كان مطابق للواقع الخارجي لابد أن يوجد شريك للباري وأيضاً يتحقق فساد العالم حتى تكون القضية صادقة مع أنه لا شريك الباري موجود ولا فساد العالم وجود، ومع ذلك تقول القضية صادقة. اذن صدقها ليس بطابقة الواقع الخارجي.
إذن بمطابقتها لأي شيء؟ قلنا في العام الماضي ليس محكي جميع القضايا هو الواقع الخارجي، بل محكي بعض القضايا هو الواقع الخارجي ومحكي قسم آخر من القضايا هو الواقع النفس الأمري، الذي هو غير الواقع الخارجي. هذا بحث تقدم في الأصل الثاني من الأصول التي قدمناها في السنة الماضية.
الأصل الثالث: أشرنا إلى أقسام القضايا بلحاظ تصور الموضوع وأنا أشرت إليه في شرح منطق المظفر وكذلك في الفلسفة (شرح الأسفار، ج2)،وقلنا: القضايا فيها تقسيمات متعددة: تارة تقسيمات بلحاظ الموضوع وأخرى تقسيمات بلحاظ المحمول وثالثة تقسيمات بلحاظ الحمل، ولهذا نقول حمل أولي وحمل ذاتي وحمل حقيقة ... ورابعة تقسيمات بلحاظ الجهة، وبلحاظ المادة، وبلحاظ السور ... هذه كلها تقسيمات القضايا في علم المنطق.
قلنا في السنة الماضية: إذا جئنا إلى موضوع من الموضوعات، مثلاً مفهوم الإنسان، هذا المفهوم عندما أقول مفهوم لا أقصد اللفظ لا يذهب ذهنك إلى اللفظ، أنت عادة عندما أقول مفهوم الإنسان يذهب ذهنك إلى لفظ الإنسان، لا، مقصودنا المحكي بلفظ الإنسان. أنت تصور هذا المفهوم وهو معنى الإنسان، مرة أنت تنظر إليه بما هو مفهوم قائم في الذهن بلا حكاية عن شيء أبداً، وهذا المفهوم من الواضح أنه أمر ذهني. وجود أو عدم؟ إذا كان عدماً فلم يتصور ومع أنك تتصوره إذن هو أمر وجودي. جزئي أو كلي؟ هذا المفهوم في الذهن، هذا المعنى المتصور كلي أو جزئي؟ تارة إذا لوحظ بما هو حاكٍ عن أفراده يكون كلياً أما لوحظ بما هو موجود في عالم الذهن فهو شخصي جزئي.
وهذا المعنى المتصور يمكن أن يلحظ بلحاظين، تارة يلحظ بما هو حاكٍ فيكون كلياً، وأخرى يلحظ بما هو هو، لا بما هو حاكي، هذا الذي عبرنا عنه في السنة الماضية ما فيه يُنظر وما به يُنظر، وقلنا مثاله المرآة تارة تنظر في المرآة لترى أنها سالمة أو لا، حتى إذا سألتك هل صورتها جيدة، تقول لي لا أعلم، لأني لم أر فيها نفسي، أنا كنت أريد أن أرى بأنها سليمة أو معيبة، هذا ما فيه ينظر، وتارة أخرى تجعلها وسيلة للتنظر إلى صورتك، والمفهوم الذي في الذهن مرة ينظر إليه بما فيه ينظر، ومرة بما به ينظر.
وبعبارة اخرى: أن المفهوم في الذهن تارة تنظر إليه بما هو موجود من موجودات هذا العالم فيكون جزئياً شخصياً، وتارة تنظر إليه بما هو حاكٍ عن أفراده، يعني عن زيد وعمرو وخالد ... فيكون كلياً. لأنه مفهوم قابل للصدق على كثيرين. والخلاصة الأصل الثالث: اننا نلاحظ الموضوع تارة بما فيه يُنظر فيكون جزئياً، وأخرى بما به يُنظر فيكون كلياً.
الأصل الرابع: وهو مهم جداً: قلنا: أن المفاهيم التي بها يُنظر يعني بلحاظ الكلية، محكياتها نوعين:
النوع الأول: محكيه الواقع الخارجي .
النوع الثاني: الواقع النفس الأمري.
والذي أريد أن أبينه عليه في الأصل الرابع ، في بعض الأحيان يكون محكي المفهوم لا الواقع الخارجي ولا الواقع النفس الأمري،بل مرتبة من الذهن تكون حاكية ومرتبة أخرى من الذهن تكون محكية، فمحكيه أمر ذهني آخر لا الواقع الخارجي ولا الواقع النفس الأمري.
مثلاً الإنسان مفهوم كلي، زيد ماذا؟ الجواب: مرة أقول: زيد ومرادي هذا الموجود الخارجي ومصداقه بلحاظ الواقع الخارجي. ومرة لا أتكلم عن وجوده الخارجي بل أتكلم عن صورته الذهنية فيكون مفهوماً جزئياً ، في قبال الإنسان الذي هو مفهوم كلي. ولذا أنت تقسم في علم المنطق المفاهيم إلى كلية وإلى جزئية، إذن هل الإنسان الكلي في الذهن يحكي الوجود الخارجي لزيد أو يحكي مفهوم زيد في الذهن؟ لا إشكال ولا شبهة أنه لا يحكي الوجود الخارجي وإنما يحكي المفهوم الذهني لزيد والمفهوم الذهني لزيد يحكي الوجود الخارجي. إذن صار عندنا في الواقع الذهني مفهوم كلي حاكي، ومفهوم جزئي محكي.
والخلاصة: محكي المفاهيم على ثلاثة أنحاء:
- الواقع الخارجي.
- الواقع النفس الأمري.
- ومرتبة من مراتب الوجود الذهني.
هذا هو الأصل الرابع.
وبالجمع بين الأصل الثالث والأصل الرابع يصح عندنا الوضع العام والموضوع له الخاص. تصويره يأتي غد.
والحمد لله رب العالمين