« قائمة الدروس

الأستاذ السيد كمال الحيدري

بحث الفقه

33/01/21

بسم الله الرحمن الرحیم

حرمة الربا للزيادة في المالية لا مطلقاً

 حرمة الربا للزيادة في المالية لا مطلقاً
 
 اتصور أن مسألة الربا من المسائل الابتلائية التي تدخل بشكل مباشر في حياتنا العملية ولا أتصور أنّ إنساناً يعيش في هذا العصر وهو غير مبتلٍ بمسألة العلاقة مع البنوك، والبنوك عموماً كما أشرنا قائمة على أساس ربوي، وإن تعددت العناوين والأساليب.
 سأشير الى بعض النكات المتعلقة بالربا وإلا البحث التفصيلي يحتاج إلى رسالة مستقلة.
 عندما نرجع إلى القرآن الكريم، نجده يحرم الربا بشكلٍ واضح وصريح، والآيات في ذلك متعددة ومن أهم تلك الآيات ما ورد في سورة البقرة الآية 275 و278، قال تعالى: <الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ> الآية واضحة أولاً: في تحريم الربا، وثانياً: في التشديد على ذلك، لأنه في ذيلها: <وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ> فإذا قبلنا أنّ ذكر الوعيد على الذنب بالخلود في النار يُعد من الكبائر، يكون الربا من الكبائر.
 وكذلك في قوله 279 <يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ>.
 أما الروايات فهي كثيرة جداً ولا نحتاج إلى التفصيل فيها.
 والآيات تتكلم في الربا أعم من أن يكون الربا ربا معاوضي اوقرضي.
 اما الروايات فقد فصلت بين القرضي والمعاوضي.
  الربا لغةً الزيادة، من الواضح أنه ليس مطلق الزيادة محرّمة بلا إشكال وإلا لحرمت كلّ المعاملات فما من نحو من أنحاء المعاملة إلاَّ وقصد منه الزيادة، فإذا كانت الزيادة محرّمة مطلقاً لشملت البيع وباقي أنواع المعاوضات فضلاً عن القرض.
 من هنا نجد أنّ الروايات قسّمت المعاملات الربوية إلى قسمين: الربا القرضي والربا المعاملي أو الربا المعاوضي.
 أما الربا القرضي فقد قسمته، الى ربا حلال وربا حرام، في(وسائل الشيعة، ج18، ص160، طبعة مؤسسة آل البيت) الرواية<عن أبي عبد الله الصادق، قال: الربا ربائان: أحدهما ربا حلال والآخر حرام، فأما الحلال فهو أن يقرض الرجل قرضاً طمعاً أن يزيده، ويعوضّه بأكثر مما أخذه بلا شرطٍ بينهما> من الواضح في هذا القرض توجد زيادة ولكن زيادة بلا شرط، ولذا وردت في روايات كثيرة<خير القرض ما جر نفعاً> بل من المستحبات أن الإنسان إذا اقترض شيئاً يعطي أن يعطي زيادة عند . وأما الربا الحرام <فهو الرجل يقرض قرضاً ويشترط أن يرد أكثر ممّا أخذه فهو الحرام>وهذا هو القدر المتيقن من الربا الذي حرّمه القرآن الكريم والروايات الكثيرة.
 أما فيما يتعلق بالربا المعاوضي فقد ذكروا له شرطين: الشرط الأوّل: اتحاد الجنس.
  الشرط الثاني: أن يكونا من المكيل أو الموزون، يعني طرفي المعاملة وطرفي المعاوضة إما مكيل وإما موزون.
 على هذا الأساس رتبوا نتيجة وهي من أخطر النتائج، قالوا: ان الأوراق النقدية وان كانت متحدة جنساً ولكنها ليست من المكيل أو الموزون. إذن بدل بدل أن تقول له أقرضتك مائة بمائة وعشرين،فيكون حراما قل له بعتك مائة بمائة وعشرين فلا يكون حراماً. ولذا جملة من الفقهاء، هروباً من الربا قالوا كلّ قرض نحوله إلى معاوضة وانتهت القضية.
 ولا أتصور أن عاقلاً يحترم عقله يرتضي الربا لآثاره المدمّرة في الدنيا والآخرة، كما في مسألة الزنا، اذ تحريمها في الروايات لان الحياة الاجتماعية والحياة الأسرية لا تستقرأ وينتهي البناء الأولي للمجتمع. ومن قبيل تحريم الخيانة لانه لا يمكن أن يعيش فيه الإنسان في مجتمع قائم على أساس الخيانة.
 والأعلام بشكل واضح وصريح صرحوا في كتبهم أنه لا محذور في أن نحول القرض الربوي الى بيع؛ بدلاً ان تقول: اقرضتك مائة بمائة وعشرين قل: بعتك مائة بمائة وعشرين، فقط تغيير اللفظ. في(منهاج الصالحين للسيد الخوئي، ج2، ص54- 55، رقم المسألة 220) يقول: [الأوراق النقدية، لما لم تكن من المكيل والموزون لا يجري فيها الربا، فيجوز التفاضل في البيع بها] يعني تعطي مائة تقول بعتك مائة دينار لمدة شهر بمائة وعشرين، إذا قلت: أقرضتك فيصير درهمٌ بسبعين زنية، اما إذا قلت: بعتك يصير إسلامي وفيه ثواب! ، قال: [نعم] كلّ ما في الأمر [حتّى يتميز الثمن عن المثمن] لأن الثمن والمثمن في الأوراق النقدية من المثليات [فلابدَّ أن يكون أحدهما بعملة والآخر بعملة أخرى، ....] لأن العبارة صريحة، يقول: [... فلابدَّ من امتياز الثمن عن المثمن كبيع الدينار العراقي في الذمة بالدينار الكويتي، ولا يجوز بيع الدينار العراقي بمثله في الذمة].
 وقد أشكل عليه تلامذته ، قالوا: سيدنا إذا كان عدم الجواز ناشئاً من المثلية في الثمن والمثمن يكفي أن نوجد أي تغاير بين الثمن والمثمن ولا يشترط ان يكون أحدهما كويتياً والآخر عراقياً.
 منهم الشيخ الفياض في تعليقته على منهاج الصالحين، (ج2، ص195):[الأوراق النقدية لما لم تكن من المكيل والموزون لا يجري فيها الربا فيجوز التفاضل في البيع بها] ثمَّ يقول: [لكن لما كان لابدَّ من امتياز الثمن عن المثمن كبيع الدينار العراقي في الذمة بالدينار الكويتي أو بالريال الإيراني] هذه نص عبارات منهاج الصالحين للسيد الخوئي [وهل يجوز بيع كلّ عملةٍ بمثلها في الذمة كبيع الدينار العراقي بمثله... او لا؟] بدينار عراقي، [...والجواب أن هناك نظريتين: الأولى: أن الأوراق النقدية التي لا تمثل ذهباً ولا فضة ولا تدخل في المكيل والموزون فبدلاً أن يقرض مائة دينار بمائة وعشرين دينار إلى شهرين مثلاً فيكون قرضاً ربوياً، يبيع مائة دينار بمائة وعشرين دينار مؤجل إلى شهرين، فإنَّ قلت: نحتاج إلى أن يتميز الثمن عن المثمن] كما ذكر السيد الخوئي [والثمن هنا وإن زاد على المثمن مع وحدة الجنس] يعني لم يتميز الثمن عن المثمن [ولكن ذاك لا يحقق الربا المحرم في البيع ما لم يكن العوضان والدينار الورقي فبالإمكان التوصل بهذا الطريق إلى نتيجة القرض الربوي عن طريق البيع من دون محذور الربا].
 وبعد ذلك يقول: [الثانية] هذه النظرية الثانية التي لا يناقشها ويرتضيها [:أن ذلك وإن كان بيع صورةً إلاَّ أنه في الواقع قرضٌ ربوي] هذه النظرية التي يذهب إليها السيد محمد باقر الصدر، يقول: المشكلة ليس في تغيير الألفاظ وانما المشكلة في الآثار الاجتماعية المدمّرة المترتبة على حقيقة الربا، لايقال:هذه علل استنباطية، لانه يقال: هذه ليست قضايا غيبية وانما قضايا مرتبطة بعالم المجتمعات وإدارة المجتمعات.
 أما في الربا، الآن دعونا من المعاوضي له بحث خاص به الآن ما أريد أن أدخل فيه. تعالوا معنا إلى الربا.
 سؤال: عندما قال الشارع: كل قرض جرّ نفعاً بشرطٍ فهو حرام، ما هو مراده من النفع والزيادة التي تحقق الربا؟ هنا يوجد احتمالان: إما أن يكون مقصوده الزيادة العددية، يعني: تعطي مائة دينار قرضاً وتأخذ مقابلها مائة وعشرين دينارا، وإما أن يكون مقصوده الزيادة في المال والماليّة والقوة الشرائية.
 نحن نعتقد أنّ المراد من الزيادة هي الزيادة في الماليّة لا الزيادة العدديّة، يعني إذا أعطيت مائة قرضاً وشرطّت أن يُعطى لك مائة وعشرين بعد سنة شرطاً فإذا قلنا أنّ الزيادة العددية تؤدي إلى الحرام فهذه العشرين رباً حرام جزماً، أما إذا قلنا أن المراد من الزيادة الزيادة في المالية والقدرة الشرائية، فهنا بعد سنة إذا كانت المائة وعشرين واقعها وقيمتها وماليتها تعادل المائة، كما في حالت التضخم فلا زيادة ولا حرام.
 هذه المسألة لم تُطرح في كلمات السابقين باعتبار أن ظاهرة التضخم لم تكن واضحة المعالم في العُملات النقدية،وانما في الخمسين سنة الأخيرة ظاهرة التضخم بدأت واضحة.
 ونحن نقول أن المراد من الزيادة في الربا هي الزيادة المالية:
 القرينة الأولى: إذا زاد العدد ولم تزد القيمة والمالية فهل يعد ذلك رابحاً؟ من الواضح انه لا نفع ولا ربح، لا يشمله <جر نفعاً>
 ولذا في جملة من الدول بدأت ظاهرة رفع ثلاث او أربع نقاط من أمام العملة لان قيمة الوحدة النقدية تضآلت.
 القرينة الثانية: وهي القرينة القرآنية، <لا تظلمون ولا تظلمون> والظلم انما يكون بلحاظ القيمة لا بلحاظ العدد وإلا لو كان بلحاظ العدد لكان عشرة آلاف ريال إيراني أكثر من دولار عدداً مثلاً ولا يلتزم احد بهذا.
 عودة الى روايات التحليل
 وهي روايات كثيرة تتجاوز عشرين رواية، ومن هنا ادعي تواترها إجمالاً ولا يشك أحدٌ أنه ورد تحليل للخمس، من هنا وقع الكلام بين الأعلام في مفردتين:
 أولاً: ما هو المراد من التحليل؟
 ثانياً: ما هو متعلق هذا التحليل بعض الخمس او كلّ الخمس؟ إذن لابدَّ أولاً: أن نبحث الروايات الواردة، ومعارضاتها، وبعد ذلك ندخل في بيان المراد من التحليل، هل هو تحليل إباحي او تحليل مالكي.

logo