الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الفقه
32/11/25
بسم الله الرحمن الرحیم
من هم رواة الحديث(1)
من هم رواة الحديث(1)
قلنا لابد أن نقف عند هذا البحث وهو ما هو المراد من رواة الحديث في التوقيع الصحيح السند، المعتبر الأعلائي عندنا، كما ذكرنا في أبحاث سابقة أننا نعتقد أو لا أقل حصل لنا اطمئنان بصدور هذا التوقيع من الإمام (عليه أفضل الصلاة والسلام) ولذا وقفنا عند هذا النص بالخصوص وإلا الروايات الواردة التي استدل بها على ولاية الفقيه كثيرة جداً ولكن كثير منها مخدوشة من حيث السند، وإن كانا لا نتعامل مع السند بمنهج رياضي ، وإنما من خلال جمع القرائن، وكل رواية من هذه الروايات تُعد قرينة مثبتة ومؤيدة وشاهد صدق على هذه النظرية. على أي الأحوال. ما هو المراد من رواة الحديث؟ <فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله>
في هذا المقطع من هذا التوقيع المبارك والشريف يوجد اختلافان في المسألة:
الاختلاف الأول: هو الاختلاف المشهور بين الإخباريين والمجتهدين، اذ تعبير (الأصوليين) عنوان معرِّف وإلا الخلاف الأساسي ليس بين الأصولي وبين الأخباري، ولكن باعتبار ان الأصول واحدة من أهم ركائز مدرسة الاجتهاد سمّوا بالأصولية وإلا ليس الكلام أنّ الاخبارية لا أصول لهم هؤلاء بل لهم أصول، ولكن المراد أن الاصوليين يؤمنون بإعمال النظر للوصول إلى الحكم الشرعي ويكتفون بالظن المعتبر لإثبات الأحكام الشرعية وأولئك يقولون لابد من تحصيل الجزم والقطع واليقين بالحكم الشرعي، هذا أولاً.
وثانياً: أنّ المدرسة الأخبارية أو الاتجاه الأخباري يقول: وظيفتنا عندما نسأل عن حكم واقعة أن نقرأ له رواية من الكافي أو من التهذيب أو من الفقيه أو من أي كتاب آخر وهو يعمل بالحكم أبداً، ولا نُعمل نظرنا وإنما ننقل الروايات.
هذا البحث في (كتاب، الفوائد المدنية لأحد أعلام المدرسة الأخبارية المتوفى 1033 من الهجرة) هناك بعد أن ينقل مجموعة الروايات الواردة في المقام التي منها التوقيع، بعد أن ينقل مقبولة عمر ابن حنظلة إلى أن يأتي يقول: [ومنها التوقيع الشريف الصادر عن الإمام] يقول: [أقول: الأحاديث الناطقة بأمرهم بالرجوع في الفتوى والقضاء إلى رواة أحاديثهم وأحكامهم] يعني رواة أحكامهم [متواترةً معنىً وتلك الأحاديث صريحةٌ في وجوب إتباع الرواة فيما يروونه عنهم (عليهم أفضل الصلاة والسلام) من الأحكام النظرية] البديهية لا نحتاج أن نرجع فيها إلى أحدٍ لأنها من الواضحات [وليست فيها دلالة أصلا على جواز إتباع ظنونهم الحاصلة من ظواهر كتاب الله أو أصلٍ أو استصحابٍ أو غيرها ولا دلالة فيها على اشتراط أن يكون الرواة المتبعون] <فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا< وجوب الرجوع إليهم [أن يكون الرواة المتبعون أصحاب الملكة المعتبرة في المجتهدين] لا يشترط أن يكون الراوي مجتهداً حتى نرجع إليه، وإنما وظيفة الراوي أن يروي إلينا الحديث، إما أن يرويه لنا مباشرة كزرارة وإما يروي إلينا ذلك بالواسطة.
فإن قلت: نتمسك بالإطلاق نقول رواة حديثنا أعم من أن يكون نقلاً للرواية أو ظنهم الاجتهادي.
الجواب: لا، [ومن المعلوم أن المقام مقام البيان والتفصيل فيعلم بقرينة المقام علماً عاديا بأن تلك الظنون وكذلك تلك الملكة غير معتبرة عندهم].
ثم يبدأ هنا حملةً شديدة على العلامة والمحقق ومن جاء بعدهم، يقول: [ومن جملة غفلات المتأخرين] من هؤلاء أهل الغفلة؟ [العلامة الحلي، والمحقق الحلي، والشهيد الأول، والثاني] وخذ على هذه الطائفة إلى الآخر، [أنهم زعموا أن المراد من تلك الأحاديث المجتهدون وإنما قلنا أنه من جملة غفلاتهم] لا تستغرب علينا ولا تستبعده ولا تستوحش [وإنما قلنا من جملة غفلاتهم لأنّا نعلم علماً قطعياً عادياً أنهم لو لم يذهلوا عمّا استفدنا من كلامهم ومن كلام قدماءنا] يقول لو التفتوا لما ابتلوا بآراء العامة، لانه لابد من الالتفات الى عدة اصول:-
أولاً: لابد في باب القضاء والفتوى من تحصيل القطع. وهذا أول الكلام فمن قال بأنه في الفتوى نحتاج إلى قطع؟
الأصل الثاني: يقول: في عصر الحضور هناك مرجع يرجع إليه الشيعة وهو الإمام المعصوم، وأيضاً لابد أن يوجد في عصر الغيبة الكبرى مرجع، وهذا أصل قويم وصحيح ومتين قال:[أن لا يمهدوا لأهل زمان الغيبة الكبرى مرجعاً يرجعون إليه في عقائدهم وأعمالهم فعلم أن لنا كتباً ممهدة من جهة الأئمة بأمر الملك العلام] إذن أئمة أهل البيت هيئوا لنا مجموعة من الكتب حتى يجيب عليها الرواة عندما يُسألون، هذا أيضاً الأصل الثاني.
الأصل الثالث: تحصيل القطع ليس صعبا لأن الأئمة (ع) خلال ثلاثمائة عام بثوا علومهم في الناس وأمروا رواة الحديث بكتابتها فعند ذلك وجدت عندنا الأصول الأربعمائة، [بعد ذلك، ولأن لا تحتاج في سلوك ما سلكته العامة] بعد ما يؤصل هذه الأصول، يقول إذن لا نحتاج إلى ما سلكته العامة، يريد بالعامة المسلك الاجتهادي، لأنه يقول: [هذه كلها هيئوها وأمروهم أن يكتبوا بين أيديهم ما يسمعونه منهم لتعمل به الشيعة لا سيما في زمن الغيبة الكبرى وأن لا تحتاج إلى سلوك ما سلكته العامة من الاستنباطات الظنية، فألفوا بأمرهم أصولاً كثيرة كانت بخط تلك الأفاضل الثقات وبإملائهم ومن جملتها تقريرهم في تلك المدة الطويلة أصحابنا على الاعتماد على تلك الأصول في عقائدهم وأعمالهم بل تصريحهم بذلك ومن تصريح الأئمة] الأئمة الثلاثة يعني الكليني والطوسي والصدوق صرحوا بأنهم أخذوا هذه الأحاديث من الأصول الأربعمائة والحاصل يقول: [لو التفتوا إلى مثل هذه الأصول لما وقعوا في هذه الشبهات].
إذن النهج الأول: النهج الذي يقوم على أساس أنّه ما من واقعةٍ حصلت أو تحصل أو ستأتي بعد ذلك إلا وجوابها حاضرٌ موجود في الرواية، فليس وظيفة العالم في عصر الغيبة أو المرجع في عصر الغيبة، إلا ان يأتي بروايةٍ.
وهذا الاتجاه إلى الآن في كثير من أبعاده لا في الأبعاد الفقهية بل في الأبعاد العقائدية وفي الأبعاد الأخلاقية وفي أبعاد المنبر موجود، الآن تجدون الخطباء عموماً عندما تأتي قضية أخلاقية او تاريخية او عقائدية يقرأ لها رواية من البحار او من أصول الكافي، ولا يذكر ان هذه الرواية يوجد لها معارض أو لا يوجد؟ صحيحة السند أو ضعيفة السند، مقبولة عند الأعلام أو .. أبداً لا علاقة لها، ولكن يجدها رواية جداً لطيفة فيقرأها على الناس، ويأتي الآخر يقرأ رواية تقابلها كاملةً بل تناقضها، هذا يقرأ هذه وذاك يقرأ تلك، هذا المنهج حاكم إلى الآن لا يتبادر إلى ذهنكم أنّه نحن يعني مدرستنا الاجتهادية ومدرستنا الأصولية استطاعت أن تتخلص من النهج الأخباري لا، استطاعت أن تتخلص بعض الأحيان من النهج الأخباري في حدود الحلال والحرام فقط،
أقول: أن المدرسة الاجتهادية أو المدرسة الأصولية أو النهج الأصولي والاجتهادي وإن كان أصولياً واجتهادياً في الفروع إلا أنه بقي في الأصول أخباريا، ويا ليت أنهم صاروا في الأصول أصول العقائد أخبارية وبقوا في اخبارية، وهذا هو الذي فعله الفيض الكاشاني، السيد فيض الكاشاني على مستوى العقائد والمعارف الدينية الأصلية هو مجتهد بالمعنى العقلي ومن أتباع ملا صدرا، ولكن بحثه الفقهي أخباري هو، وأنا من الداعين إلى الاجتهاد فيهما معاً. هذا اتجاه.
الاتجاه الثاني: وهو: المدرسة الاجتهادية، التي يصطلح عليها بالمدرسة الأصولية، الذي يعتقد أنه لابد من إعمال النظر في استنباط الاحكام الشرعية والمادة الأولية لذلك الروايات، لا أنّ المراد من <رواة حديثنا< نقل الروايات، بل المراد أن مادتهم الأولية التي ينطلقون منها لإعطاء الحكم الشرعي تكون الروايات.
هذا المنهج مذكور في الحاشية على كتاب الفوائد المدنية، للسيد نور الدين الموسوي العاملي أخ صاحب الرياض يقول [هذا الكلام الذي ذكره على إطلاقه غير تامٍ. نعم، في بعض الموارد قد يمكن الاعتماد على رواية واضحة الدلالة وإعطائها للناس أما ما ذكره على إطلاقه من أنّه لا حاجة إلى الاجتهاد هذا كلام سقيم وغير تام] لماذا؟ يقول: [لأن معرفة دلالة الحديث وصحة الحديث ومواد الخطأ في الحديث وسلامة الحديث من احتمال خلاف الظاهر وصحة متنه وعدم وجود ما ينافيه لا يتأتى لغير من لم يحصل مرتبة الاجتهاد ولا يؤمن على غيره الغلط والخطأ وحمل الكلام على غير المراد منه وعدم معرفة صحة الحديث وضعفه فكيف يليق من الإمام إطلاق حكمه للناس في كل ما يسألونه عنه] كيف يعقل هذا ثم يدخل في مناقشة قيمة جداً يقول: العلم لم يكن يحصل في عصر الحضور فما بالك بعصر الغيبة الكبرى، قال: [ومتى يتيسر لأحدٍ أن يعلم حكم جميع ما يُسأل عنه في زمانهم بطريق العلم والقطع من غير مراجعتهم من غير احتياجٍ إلى مراجعتهم، نعم وسعوا على شيعتهم في عصر حضورهم] أرجعوا إلى يونس، أرجعوا إلى زرارة، أرجعوا إلى فلان وفلان وفلان .. إلى أن يقول: [مع إمكان، بل تعذر ذلك لأهل الفضل والورع والاجتهاد الذي يؤمن معه الوقوع في الخطأ وجهالة محاذير صحة الأحاديث والعجب كل العجب من تصور المصنف بطلان الاجتهاد والتقليد وإمكان كل مكلفٍ أن يعلم بنفسه حكم مسألةٍ من الأحاديث بالقطع والجزم] ثم ينقض عليهم، بنقضٍ مهم جداً.
والحمد لله رب العالمين.