« قائمة الدروس

الأستاذ السيد كمال الحيدري

بحث الفقه

32/11/18

بسم الله الرحمن الرحیم

بحث في (اما الحوادث الواقعة...)2

 بحث في (اما الحوادث الواقعة...)2
 قلنا بأنّه هذا المقطع من التوقيع الصادر من الإمام (عليه أفضل الصلاة والسلام) مهمٌ ويتحدث عن أبحاث أساسية وابتلائية ومحورية في عصر الغيبة الكبرى خصوصاً فيما يتعلق بالمسؤوليات التي ألقيت على عاتق رواة الحديث, خصوصاً وأن الإمام (عليه أفضل الصلاة والسلام) جعلهم حجة >فإنهم حجتي عليكم<.
 ويقل مثل هذا التعبير في كلمات أئمة أهل البيت, ومن هنا تأخذ هذه العبارات أهميّة خاصّة.
 ونحن لا نريد أن نعقد بحثاً تفصيلياً وما قاله الأعلام وما يمكن أن يقال وما يرد عليهم في هذا, وإنما نريد من طرح هذا البحث طرح تصور صحيح من هذا المقطع.
 والأبحاث التي أشرنا إليها جملة منها متداخلة, يعني عندما نبحث البحث الأول لعله في الضمن أيضاً لابد من الإشارة إلى البحث الرابع أو الخامس ونحو ذلك كما سيتضح من خلال طرح هذه الأبحاث.
 أما البحث الأول: قلنا هل يوجد إطلاقٌ أو لا يوجد؟ قلنا يوجد هناك اتجاهان:
 الاتجاه الأول قال: أنّه لا إطلاق في الحوادث, بل الحوادث مجملة باعتبار أنّه في مقدمة التوقيع هناك سؤالٌ: >أن يوصل لي كتاباً سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان<, إذن قوله >وأمّا الحوادث< فلا أقل يوجد احتمال بأنها حوادث معينة أشار اليها إسحاق ابن يعقوب, والإمام قال: >فأرجعوا فيها إلى رواة حديثنا< لا أنه ارجعوا في كل الحوادث إلى رواة حديثنا وإنما ارجعوا في هذه الحوادث التي سألت عنها وحيث أننا لا نعلم أن هذه الحوادث مرتبطة بالفتوى او مرتبطة بالموضوع او مرتبطة بالتطبيق او مرتبطة بالحكم مرتبطة بأي شيء, فلهذا يقال بأن هذه الحوادث ليست مطلقة وإنما مجملة لا يمكن أن نجري فيها مقدمات الحكمة لإثبات الإطلاق لأنه واحدة من أهم من مقدمات الحكمة أن لا توجد هناك قرينة مقيدة قرينة على الخلاف, وهنا هذه الأسئلة قد تكون قرينة على الخلاف, فلا يمكن التمسك بالإطلاق وإجراء مقدمات الحكمة.
 هذا هو الاتجاه الأول, ولذا قرأنا سابقا أن الميرزا النائيني والمحقق الأصفهاني وأعلام آخرين جملة كثيرين وليسوا قليلين, قالوا بأنه هذه الحوادث لا يوجد فيها إطلاق.
 الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه الذي سار عليه الشيخ الأعظم(قده) في المكاسب, قال: [فإن المراد بالحوادث ظاهراً مطلق الأمور]. إذن هنا آمن الشيخ الأنصاري بأن الحوادث هذه المفردة فيها إطلاق وأن السؤال لا يقيد [مطلق الأمور التي لابد من الرجوع فيها عرفاً أو عقلاً أو شرعاً إلى الرئيس في أي مكان] ثم ذكر مجموعة من الأمثلة, وهذه ليست للحصر, ولذا قال: [مثل النظر في أموال القاصرين] لا أنه مختص بهذه الأمور [لغيبة أو موت أو صغر أو سفه] ثم بعد ذلك يقول [ولا معنى لتقييد الحوادث بالأحكام >فأرجعوا فيها إلى رواة حديثنا<] ليس فارجعوا في أحكام الحوادث, هذه نكتة أخرى التي سنشير إليها, حيث قال: [وأما تخصيصها بخصوص المسائل الشرعية فبعيد من وجوهٍ] هذا بحث آخر.
  بعد ذلك لابد أن نبحث ما هو التخريج الفني مع وجود تلك الإشكالية التي ذكرها المحقق النائيني أو ذكرها المحقق الأصفهاني.
 للايضاح أو للبيان لا بأس بأن أشير إلى مجموع الحوادث الموجودة في المقام, الحوادث على أنواع هذه من باب الإشارة إلى بعض المصاديق:
  1. ما هو حكم الواقعة الكذائية ولمن أرجع في ذلك؟ أئمتنا قالوا أرجعوا فيها إلينا, يا ابن رسول الله أنت لست موجوداً ؟ قال فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا لتستنبطوا منها حكماً شرعياً, يعني بعبارة أخرى: ارجعوا إلى فروع الكافي إلى أصول الكافي إلى التهذيب إلى .. هؤلاء نقلوا روايات الأئمة, وهذا معناه رجوع الفقيه - الفقيه المتخصص- إلى الروايات لاستنباط الأحكام من الروايات, هذا نوع من الحوادث.
  2. هو رجوع غير المجتهد إلى المجتهد في معرفة الحكم الشرعي, بأن يراد من رواة الحديث ليس نقلة الرواية وإنما المراد من رواة الحديث من هو صاحب نظرٍ, هذا نوع أيضاً من الرجوع رجوع غير المجتهد غير المتخصص للمتخصص لتحصيل الحكم على الواقعة. إذن >فارجعوا فيها< يعني هذه الوقائع ارجعوا في أحكامها إلى رواة حديثنا يعني إلى المجتهدين إذا فرضنا أن راوي الحديث بالإضافة إلى أنه راوي الحديث هو أيضاً صاحب نظر كزرارة مثلاً, فزرارة من فقهاء أصحاب الأئمة (عليهم أفضل الصلاة والسلام)
  3. وهو المهم- وهو: فارجعوا في أمر الموضوعات إلى رواة حديثنا, يعني واقعة من الوقائع في نفسها مباحة على سبيل المثال ولكن راوي الحديث صاحب نظر مجتهد متخصص, يعطي حكماً فيها, كما هو محل كلامنا, الخمس في أرباح المكاسب قلنا من الأحكام الولائية, أو كما ذكر بعض الأعلام فيما يتعلق بسمرة >اقلعها وإرمه إليه فإنه لا ضرر ولا ضرار< حكم ولائي صدر من النبي كما يقول بعض الأعلام في هذا, المهم ان الأحكام الولائية في الموضوعات, لو نظرة إليها لوجدتها مباحة, ولكن بالحكم الولائي تاخذ حكما اخر.
 و أنا معتقد أن كل مجتهد جامع للشرائط - على نحو القضية الحقيقية- بالنحو الذي اعتقده يمكنه أن يصدر أوامر ولائية, ولكن هذه الأوامر الولائية إنما تجري على من يرجع إليه, لا على من لا يرجع إليه. إن قلت يلزم منه الفوضى ويحصل التنازع ويحصل الاختلاف. قلت ذاك بحث آخر والمهم أن هذه الرواية تثبت هذا المعنى.
  • الحوادث المرتبطة بتنفيذ الأحكام الشرعية فاذا صدر حكم شرعي من القاضي كيف ننفذ هذا الحكم, مثلا احكام الاعدام هل تنفذ في الملأ العام او في داخل السجن؟ هذا تابع للظروف التي يشخصها الحكم القضائي الصادر وليست مسألةكلية وإنما أيضاً حادثة من الحوادث, وبتعبير الشيخ الأنصاري [كل ما يرجع فيه إلى الرئيس عرفاً عقلاً شرعاً من الحوادث].
  اما ما هو الدليل على هذا الإطلاق الذي التزم به الشيخ ؟
 توجد هناك عدّة تقريبات لإثبات هذا الإطلاق:
 التقريب الأول: أن نجري الإطلاق ومقدمات الحكمة في نفس الحوادث, فإن قلت: أنه ماذا تفعلون بالقرينة العهدية الموجودة( الأسئلة)؟ قلت ليس لتلك القرينة ظهورٌ يمنع عن انعقاد هذا الإطلاق, فليس كل ما جاء الاحتمال بطل الاستدلال, وانما لابد أن يكون الاحتمال احتمالاً عقلائياً, وإلا لو كنّا نحن بمجرد مجيء الاحتمال يبطل الاستدلال تسعين بالمائة من إطلاقاتنا يوجد فيها احتمال الخلاف, ليس كل احتمال ولو كان احتمالاً عقلياً احتمالاً غير عرفي احتمال غير عقلائي احتمال غير معتد به يمنع من الاستدلال, وإلا في الأعم الأغلب يوجد احتمال الخلاف.
 التقريب الثاني: التمسك بقوله (عليه أفضل الصلاة والسلام) >فإنّهم حجتي< نجري مقدمات الحكمة في حجتي, بان يقال ان الإمام (ع) لم يقيد(حجتي) في شيء معين إذن في كل شيء هم حجة, فنجري الإطلاق ليس في الحوادث, بل نجري الإطلاق في حجتي, فنثبت الإطلاق.
 ولكن هذا الوجه الثاني ليس وجهاً مستقلاً في قبال الوجه الأول, بهذا البيان وهو: أنّه إذا قلنا أن قرينة السؤال مانعة من الإطلاق في الحوادث فإذن قوله حجتي يعني حجتي في هذه الحوادث وحيث أن الحوادث لا إطلاق لها إذن الحجية تكون مقيدة, أما إذا تم الإطلاق في الحوادث يكون هذا تحصيل للحاصل حجتي أيضاً يكون مطلقاً, إذن الوجه الثاني ليس وجهاً مستقلاً في قبال الوجه الأول, فمن تم عنده الإطلاق بالوجه الأول فلا حاجة إلى هذا الوجه الثاني, ومن لم يتم عنده الإطلاق في الوجه الأول لا ينفعه الوجه الثاني.
 التقريب الثالث - ولعله الوجه الفني- ويستفاد من كلمات صاحب الجواهر(قده) وهو استفادة الإطلاق من المقابلة بين قوله(ع) >فإنّهم حجتي عليكم وأنا حجة الله< عندما نأتي إلى قوله (عليه أفضل الصلاة والسلام): >وأنّا حجة الله< لا إشكال ولا شبهة أننا نستطيع إجراء الإطلاق ومقدمات الحكمة فيه، وبقرينة هذه الحجية المطلقة كأن الإمام يريد أن يقول ما أنا فيه حجةٌ عليكم فقد جعلتهم حجتي عليكم, إلا ما أخرجه الدليل. هذا الوجه الفني ذكره صاحب الجواهر في (ج40 في كتاب القضاء بيان من لا ينعقد منه القضاء) يقول: [ويمكن بناء ذلك على إرادة النصب العام في كل شيء] يعني أن الفقيه منصوب بنحوٍ عام في كل شيء في عصر الغيبة الكبرى [على وجهٍ يكون له] أي للفقيه [ما للإمام كما هو مقتضى قوله(ع): >فإني جعلته حاكما< أي ولياً متصرفاً في القضاء وغير القضاء من الولايات ونحوها]. هذا أيضاً يقول نستفيده من قوله >جعلته حاكما< [بل] يترقى [بل هو مقتضى قول صاحب الزمان روحي له الفداء >وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله< ضرورة] هذا محل الشاهد [ضرورة كون المراد منه أنّهم حجتي عليكم في جميع ما أنا فيه حجة الله عليكم إلا ما خرج]. إذن الوجه الثالث هو هذه المقابلة التي قلنا البحث السادس كان ما هو وجه مجيء هذه الجملة بعد> فإنهم حجتي عليكم< صاحب الجواهر يقول: فائدتها لبيان الاطلاق. ان قلت: هذا الإطلاق معارضٌ بذلك التقييد أو العهدية. قلت: مسلّم إذا وقع التعارض يكون هذا الظهور أقوى من ذاك, يعني أنا حجة الله ظهوره أقوى بمراتب من احتمال قرينية العهد من السؤال, ولهذا قال: [وهو لا ينافي..] إلى آخره.
 إلا أن هذا البيان يمكن أن يُشكل عليه بأنّ صاحب الجواهر فهم من قوله(ع) >وأنا حجة الله< فهم من هذه الجملة الصادرة من الإمام لبيان سعة دائرة حجيته على على الأنام, فهم هذا الظهور قال فبقرينة المقابلة إذن نفس هذه السعة ثابتة في حجتي عليكم.
 إلا أنّه قد يقال أنه هذا الظهور ليس محرزاً لعل الإمام عندما قال: >وأنا حجة الله< لم يكن بصدد بيان سعة دائرة حجيته على الناس, وإنّما كان بصدد الجواب عن سؤال مقدر, يا ابن رسول الله أنت بأي دليلٍ تقول أنا نصبت عليكم هؤلاء حجة, >فإنّهم حجتي عليكم< هل عندك هكذا صلاحية او لا توجد ؟ الإمام أجاب عن هذا السؤال المقدر لأنه أنا حجة الله فلي صلاحية أن أنصب عليكم حجة, إذن الإمام ليس بصدد بيان سعة دائرة حجتيه.
 ومن هنا هذا البيان الثالث أيضاً سوف ينخدش وإن كان بياناً فنياً جيداً.
 التقريب الرابع: إلا أنه في اعتقادي يمكن أن يبين بيانٌ اخر لتتميم كلام صاحب الجواهر, ولكن هذه تحتاج إلى مقدمة أذكر المقدمة والتمثيل وبعد ذلك آتي إلى التطبيق؛ الآن افترض أنه أنت عندك أملاك كثيرة يأتيك شخص ويقول لك بأنه بيتك الفلاني أنا أريد أن أشتريه تقول في هذه القضية ارجع إلى فلان فإنّه وكيلي, هل يمكن ان يكون هناك ظهور فهو وكيل عني مطلقاً في كل ما أملك يوجد هكذا ظهور، لا لا يوجد؟ لا أقل يوجد شك بأنه وكيل في كل شيء. مثال آخر: أنت عندك أشغال كثيرة أو مسؤول أو صاحب تجارة ضخمة وتريد أن تسافر سفراً بعيداً يعني تريد أن تذهب وخمسين سنة أيضاً قد لا تأتي ولا يمكن الارتباط بك وأقول لك في فلان قضية ماذا أفعل؟ عندما تقول في هذه القضية ارجع إلى فلان فإنّه وكيلي. هنا ماذا نفهم فقط في هذا المورد أو في كل أموره يضع له وكيلاً, أي منهما؟ عقلائياً يضع في كل الموارد.
 وفي محل الكلام, الإمام عندما يقول >فإنهم حجة< افترضوا أن إسحاق ابن يعقوب سأل عن حوادث خاصة والإمام على لا على سفر على غيبة قد يطول أمرها مئات السنين بل قد يطول أمرها آلاف السنين, عند ذلك هل يجيب في قضية خاصة لهذه الموارد أو يريد أن يضع للشيعة مرجعيةً في غيبته ماذا يريد أن يفعل؟ مناسبات الحديث مناسبات التوقيع شروط صدور الحديث - في أواخر الغيبة الصغرى- تؤيد بانه (ع) يريد أن يضع للشيعة مرجعاً يرجعون إليه.
 تتمة الحديث تأتي.
 والحمد لله رب العالمين.

logo