« قائمة الدروس

الأستاذ السيد كمال الحيدري

بحث الفقه

32/11/17

بسم الله الرحمن الرحیم

بحث في (اما الحوادث الواقعة...)1

 بحث في (اما الحوادث الواقعة...)1
 
 قلنا بأنه هذا التوقيع يوجد فيه مقطعان أساسيان:
 المقطع الأول: وهو ما يتعلق ببحثنا وهو الروايات الدالة على التحليل, تحليل الخمس في عصر الغيبة بهذا القيد باعتبار أنه ورد >فإنّهم جعلوا منه في حلٍ إلى وقت ظهور أمرنا< وهذه خصوصية لعله لا توجد في باقي روايات التحليل.
 المقطع الثاني: وهو >وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا<.
 طبعاً كما أشرت مقاطع أخرى من قبيل >وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب< وهذه قضية مهمة وأساسية في معرفة آثار ومسؤوليات وفوائد وجود الإمام في عصر الغيبة الكبرى, أنّه ما هي الفائدة من وجوده مع أن الناس انقطعت أيديهم عن الارتباط به (عليه أفضل الصلاة والسلام) وهو بشكل ظاهري لا يتصدى لا لبيان الأحكام ولا لإدارة الأمور ولا لقيادة الأمة, إذن ما هي الفائدة المترتبة على وجوده (عليه أفضل الصلاة والسلام) وهذا سؤالٌ أساسي ومحوري في الأطروحة المهدوية, ولابد لكل طالب علمٍ لا أقل أن تحل له هذه المسألة عند نفسه قبل أن تحل مع الآخرين, ما هي ضرورة وجود إمامٍ معصوم ولكنّه منقطعة عنه الأيدي ولا توجد له آثار وفوائد ولا يتحمل أي مسؤولية ونحو ذلك من الأمور؟ ولعل هذا هو السؤال المحوري الذي يؤدي بالكثير إلى أن ينكر وجود الإمام (عليه أفضل الصلاة والسلام).
 على أي الأحوال, هذا البحث بحث آخر ليس داخل في أبحاثنا الفقهية الآن ولكنّه بحث أساسي والرواية كما عرفنا صحيحة السند معتبرة من الصحيح الأعلائي إذن الإمام بلسانه المبارك يبين بأنه ما هي الفائدة المترتبة على وجوده في عصر الغيبة الكبرى.
 أما ما يتعلق بالمقطع محل البحث, وهو أنّه: >وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حلٍ< لو كنّا نحن وهذا المقطع الذي صدر من الإمام لو صدر منه ابتداءً لا إشكال في دلالة هذا المقطع على إباحة الخمس مطلقا يعني كل أنواع الخمس, أعم من أن يكون في المناكح أو أن يكون في المتاجر أو أن يكون في المساكن سواء كان دار الحرب أرباح المكاسب المعدن ... وإلى غيره.
 إذن الألف واللام تفيد الاستغراق هنا تفيد العموم والإطلاق لا توجد هناك أي قرينة على التقييد, اللهم إلا أن يقال أن القيد هو قوله (عليه أفضل الصلاة والسلام) >لتطيب ولادتهم ولا تخبث< وذكرنا في الأبحاث السابقة أن هذه لا يمكن أن تكون قرينة فيها ظهور على الصرف, باعتبار أنه لبيان واحدة من أهم الفوائد والآثار المترتبة على تحليل الخمس, نعم, فيها تلويح مرتبط بباب المناكح ولكن أن يكون الظهور يصرف الخمس إلى خصوص ما يتعلق بالمناكح، هذه الدعوى عهدتها على مدعيها فلا يوجد مثل هذا الظهور.
 ولهذا احتمل جملة من الأعلام بأن هذه لبيان بعض الثمرات لبيان بعض الفوائد, ليس تعليلاً وإنما هو لبيان لام العاقبة أو لبيان لام الفائدة ونحو ذلك.
 إذن نحن لو كنّا وهذا المقطع وكان صادراً من الإمام بنحوٍ ابتدائي لقلنا ذلك, ولكنّ المشكلة كل المشكلة أو المعيق والمانع عن هذا الاستغراق هو أن في مقدمة هذا البحث إسحاق ابن يعقوب قال: >سألت محمد ابن عثمان أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان أما ما سألت عنه, وأما الفقاع, وأما وأما وأما الخمس< إذن هذا جواب عن سؤال سأله إسحاق ابن يعقوب, وحيث أن السؤال ليس بأيدينا فلا نعلم السؤال كان عن مطلق أنواع الخمس أو كان عن بعض مصاديق الخمس لعله كان عن باب المناكح أو غيرها.
 ومن هنا قيل أنّه لابد من حمله على القدر المتيقن, لأنها صارت مجملة تحتاج إلى بيانات إما من نفس الرواية وإما من روايات أخرى نستند إليها لتفسير ماذا أُحل من الخمس للشيعة في عصر الغيبة الكبرى.
 فمن ذلك ان عبارة >لتطيب ولادتهم< هذه قرينة على أن السؤال كان عن المناكح لا عن مطلق الخمس, وإلا لماذا (عليه أفضل الصلاة والسلام) يشير إلى هذه دون غيرها؟
 إلا أنه من باب التساؤل ومن باب وضع علامة الاستفهام لا شيء آخر, اقول: كما يحتمل أن السؤال كان عن المناكح, كذلك يحتمل أن السؤال كان عن أرباح المكاسب لأن مسألة أرباح المكاسب كانت مطروحة وكان الإمام الجواد(ع) تارة يجعلها خمس واخرى يرفعها وثالثة يقللها, يأتي الإمام الهادي يُسأل أنه لماذا ندفع الخمس أو أقل من ذلك, فلعله هذه المسألة في التوقيع من تلك المسائل.
 الآن إذا دار الأمر بينهما ولا نعلم أن السؤال عن هذا أو ذاك تارةً يكون السؤال ودورانه بين الأقل والأكثر, فنجري البراءة عن الأكثر, ولكن أيهما الأكثر الذي نجري عنه البراءة هل هو المناكح أو أرباح المكاسب ؟ أو نقول هذا من قبيل العلم الإجمالي وأنه لا نعلم أنها، في مثل هذه الموارد ما هو التكليف؟ واذا احتملنا أن الإمام (عليه أفضل الصلاة والسلام) حلل أرباح المكاسب. إذن أخذها في عصر الغيبة يجوز أو لا يجوز؟ فلا أقل إذا احتملنا هذا الاحتمال المعتد به لابد من المصالحة بين المكلف وبين من يريد أن يوجب الخمس عليه.
 هذا كله على مستوى هذه الرواية, بعد ذلك لابد أن نرى أن الروايات الأخرى ماذا قالت.
 والنتيجة: يتوقف فهم هذا المقطع على فهم مقطع آخر موجود, بعبارة أخرى: فهم أجواء وسياق صدور هذا التوقيع سوف يعطينا رؤية جديدة لـ>وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا<.
 بحث في رواة حديثنا
 ومن هنا سوف أنتقل إلى المقطع الثاني وهو >وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا<.
 وهذا المقطع من المقاطع المحورية والأساسية والضرورية جداً لفهم مسؤوليات رواة الحديث في عصر الغيبة, الرواية لم تعبر فارجعوا فيها إلى الفقهاء, الرواية عبّرت >وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا< فإذا ضممنا إليه جملة >فإنهم حجتي عليكم< إذن يتبين بأنّ دور هؤلاء الرواة ومسؤوليات رواة الحديث في عصر الغيبة, لأن هذه الرواية واردة في أواخر عصر الغيبة الصغرى, يعني الإمام يريد أن يبدأ رحلته في الغيبة التي لا يُعلم متى ظهوره ويريد أن يعطي ضابطة لشيعته ماذا تفعلون في عصر غيبتي وعدم حضوري.
 وهنا تجدون أن الأعلام بحسب اختلاف فهمهم من هذه الرواية ذهب بعض إلى ولاية الفقيه المطلقة والعامة, , وبعضٌ ذهب إلى أنّ الفقيه -يعني راوي الحديث بتعبير الرواية- أن راوي الحديث ليس له إلا الفتوى والقضاء.
 وهنا عدة ابحاث:
 البحث الأول: ما هو المراد من >الحوادث<؟ هل المراد مطلق الحوادث أو بعض الحوادث؟
 البحث الثاني: ما هو المراد في >فارجعوا فيها< في أي في الاحكام او الموضوعات او ماذا؟
 ولذا تجدون أن جملة من الأعلام قالوا >فارجعوا فيها< أي في أحكامها لا أرجعوا في نفس الحوادث ولذا قالوا بالتقييد بالفتوى, قالوا الرجوع إلى الفقيه إنما في الأحكام وفي الفتوى أما الموضوعات فلا نرجع فيها.
 البحث الثالث: ما هو المراد من راوي الحديث هل معناه ناقل الحديث؟ وهذا الذي صار منشأ للاتجاه الأخباري أن يقول وظيفة الفقيه يقرأ الرواية للمكلف وبما ان المكلف لا يستطيع أن يفهم الرواية هو يوضحها له يقول هذه الرواية واردة بهذا الشكل , لا أنه يستنبط ويستنتج ويعطيه حكماً. او ان المراد الفقيه الذي يستنبط الاحكام الشرعية من الاحاديث؟
 البحث الرابع: >فإنهم< هذه الجمع هذا عام مجموعي أو عام استغراقي أي منهما؟ >فإنّهم< يعني لابد أن يجتمعوا حتى يصيروا حجة، يعني لابد أن نحصل إجماع فقهاء الإمامية من عصر الغيبة إلى يومنا هذا, فإذا اجمعوا حجة وإذا اختلفوا ليس بحجة، ظاهرها مجموعي >فإنّهم حجتي عليكم<.
 البحث الخامس: لماذا أن الإمام ينسب الحجية إلى نفسه يعني الفقيه حجة من قبل الإمام وفي مكان آخر يقول >أمناء الله على خلقه< >أمناء الله على الحلال والحرام< كيف نوفق بين هذا وذاك.
 البحث السادس: ما هي العلاقة بين فإنّهم حجتي عليكم وأنا حجة الله< أصلاً ما هي الضرورة لهذه الجملة؟
  هذه ست ابحاث ولعله في الضمن توجد بعض الأبحاث الفرعية.
 أما البحث الأول: أما فيما يتعلق بالبحث الأول يوجد اتجاهان:
 الاتجاه الأول: الذي وجد في المقام, هو الاتجاه الذي يرى أن الحوادث كما أنّ الألف واللام في الخمس بقرينة السؤال عهدية كذلك الألف واللام في الحوادث بقرينة السؤال أيضاً عهدية, إذن لا يمكن استفادة الإطلاق والاستغراق منها.
 هذا المعنى هذا الاتجاه أشار إليه جملة من الأعلام:
  1. >منية الطالب في شرح المكاسب, تقريرات الميرزا النائيني, بتقرير الشيخ موسى الخنساري, طبعة مؤسسة النشر الإسلامي, ج2, ص233) يقول: [وإنما الإشكال في ثبوت الولاية العامة وأظهر مصاديقها] الولاية العامة [سد الثغور ونظم البلاد والجهاد والدفاع وهنا مصاديق مشكوكة] يقول بعض المصاديق مرتبطة بمقام الولاية العامة من قبيل الدفاع من قبيل الجهاد من قبيل إقامة الحكم العام في الأمة, هذه من مقام مرتبطة بمصاديق الولاية, وبعض المصاديق مشكوكة أنها من مصاديق ومن مسؤوليات الولاية او من مسؤوليات القاضي, لأنه إذا صارت من الولاية فمن لا يؤمن بالولاية العامة لا يجب عليه إقامتها, ومن جعلها من مسؤوليات القضاء يقول: [من مصاديقها المشكوكة في أنّها من منصب القاضي أو منصب الوالي كإجراء الحدود] إجراء الحدود هذه من مقام الولاية أو من مقام القضاء؟ [وأخذ الزكاة وإقامة الجمعة لإثبات دخولها في أي واحد من المنصبين واستدلوا لثبوتها] لثبوت هذه الولاية العامة [بأدلة منها: التوقيع الشريف المروي في إكمال الدين فإنّهم حجتي عليكم وأنا حجة الله وبمقبولة عمر ابن حنظلة إلى أن يقول استدلوا بهذا ولكن يشكل ما هو الإشكال في ص232 و233 و234 بحث مفصل, يقول: [فلأن السؤال غير معلومٍ فلعل المراد من الحوادث هي الحوادث المعهودة بين الإمام والسائل] وعلى هذا الأساس فهل يمكن الاستناد إلى الألف واللام في الحوادث لتشمل مطلق الحوادث أو مجملة تكون؟ تكون مجملة, هذا مورد.
  2. ما ورد في (حاشية المحقق الأصفهاني على المكاسب) يقول: [بتقريب أن عموم الحوادث لكونها جمعاً محلى باللام يقتضي أن يكون الفقيه] لأنهم فسروا راوي الحديث بالفقيه [مرجعاً في كل حادثةٍ يرجع فيها الرعية إلى رئيسهم] في المجتمعات العقلائية الرعية يرجعون إلى رؤوسائهم في كل شيء, في الأحكام في الموضوعات في القضاء في حفظ الثغور في كل شيء, ولكنّه في ص هذه (ص388 ج2من هذه الطبعة التي هي ناشر أنوار الهدى) يقول: [والجواب أن الجمع المحلى باللام إنما يفيد العموم حيث لا عهد ولم يعلم أن المسؤول عنه أي شيء عُبر عنه بالحوادث فكيف يؤخذ فيها بالعموم ويحتمل..] إلى آخره. وفي قبال هذا الاتجاه يعني اتجاه تلامذة الشيخ الأنصاري الذي يقولون أن الحوادث لا إطلاق فيها يوجد
 الاتجاه الثاني: للشيخ الأنصاري هذه عبارته(قده) في المكاسب هذه الطبعة المعروفة (شيخ مرتضى الأنصاري من منشورات لجنة تحقيق التراث) يقول: [فإن المراد بالحوادث ظاهراً مطلق الأمور التي لابد من الرجوع فيها] التفتوا إلى هذه العبارات الثلاثة [عرفاً عقلاً شرعاً إلى الرئيس] فهل توجد ولاية عامة أكثر من هذه الولاية [عرفاً شرعاً عقلاً] حتى إذا لم يقل الشرع فالعقل يقول به ثم يشير إلى بعض المصاديق يقول: [مثل النظر في أموال القاصرين] التي هي موضوعات وليست أحكام.
 إذن يوجد اتجاهان في >الحوادث< اتجاهٌ يقول ألف لام عهدية, وحيث لا نعلم السؤال فتكون مجملة, واتجاه يقول مطلقة ما هو دليل القائلين بإطلاق الحوادث, يأتي.
 والحمد لله رب العالمين.
 

logo