الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الفقه
32/11/06
بسم الله الرحمن الرحیم
رهروايات التحليل3
روايات التحليل3
ورد في الرواية محل البحث> أتدري من أين دخل على الناس الزنا؟ < وهنا أريد أن أشير إلى ان زنا الذي أشارت إليه الرواية, هل هو الزنا الفقهي الاصطلاحي, أو شيء آخر ؟ وأنتم تعلمون أن هذه القضية من القضايا التي يستهجنها خصوم شيعة أهل البيت منهم لأنهم يعتقدون أن المسلمين ليست نطفهم طاهرة, وإنما هم أولاد كذا مثلاً.
في الواقع أنّ هذا البحث بشكل دقيق وواضح إلى الآن لم يطرح في كلمات علمائنا, لأنّه ما معنى أنه دخل عليهم الزنا, يعني تترتب الأحكام الفقهية عليهم, يعني لابد من إقامة الحد عليهم, وأن الأولاد الذين يتولدون من هؤلاء لا يرث بعضهم من بعض مثلاً, وعشرات الأحكام الفقهية الأخرى, بالإضافة إلى انه هل يعاقب هؤلاء يوم القيامة لأنّهم زناة مثلاً؟
لا أتصور أن فقيهاً يلتزم بهذه اللوازم, خصوصاً ونحن نعلم أنّ فقهاء مدرسة أهل البيت صرحوا بأنهم إذا كانوا قاصرين لا يترتب عليهم شيء من ذلك, بل أكثر من ذلك قالوا أن عقد ونكاح كل ملةٍ بحسب تلك الملة, إذن ما المقصود من الزنا في الرواية ومثالها. بل توجد روايات تقول: ما من أحدٍ إلا ويصيب حظاً من الزنا.
أشير إلى رواية واحدة واردة في (وسائل الشيعة, طبعة مؤسسة آل البيت, ج20, ص191, كتاب النكاح باب أن من علق نذر العتق على وطء الأمة, الرواية الثانية, يعني باب 103 من أبواب مقدمات النكاح): > عن يزيد ابن حماد وغيره عن فلان عن أبي جعفر وعن أبي عبد الله قالا: ما من أحدٍ إلا ويصيب حظاً من الزنا<. والرواية ثقيلة من حيث المحتوى والروايات كثيرة في هذا المضمون فلا يضر ضعف السند >ما من أحدٍ إلا ويصيب حظاً من الزنا, فزنا العينين النظر, وزنا الفم القبلة, وزنا اليدين اللمس, .. < إلى غير ذلك >صدق الفرج ذاك أم كذب< بل حتى للفكر على هذا الأساس إذا فكر الإنسان بالمعاصي يوجد نحوٌ من الزنا ايضاً.
ثم ان الرواية محل البحث صرحت أن هؤلاء دخل عليهم الزنا, ومن الواضح أن لفظ الزنا عندما يطلق يراد منه المعنى الحقيقي لا ما له نصيب من الزنا، فالمسألة اكثر تعقيداً.
أقول إجمالاً: لا أقبل أن الزنا الوارد في هذه الروايات الزنا الاصطلاحي الذي تترتب عليه الآثار الفقهية المعروفة والآثار الكلامية المعروفة.
اعود الى مسألة التحليل، ويظهر لنا بشكل واضح وصريح بان الرواية مرتبطة بباب المناكح اما ما هو المراد من المناكح؟ قلنا هناك عدة آراء والذين يريدون أن يراجعون هذا البحث فليرجعوا إليه تفصيلاً (عند الفقيه الهمداني في مصباح الفقيه, ج14, ص269) قال: [والمراد بالمناكح كما صرّح به غير واحدٍ السراري المغنومة من أهل الحرب] التحليل وارد على هذه النقطة, وأنّه هذه السراري والمسبيات فمن حصل عليهن بهبة او شراء او بأي شكل كان, [فإنّه يباح للشيعة في زمان الغيبة تملكها بالشراء ونحوه ووطئها وإن كان جميعها للإمام (عليه أفضل الصلاة والسلام) كما لو كانت الغنيمة بغير إذنه] كما تعلمون بأنه إذا كانت الحرب بغير إذن الإمام المعصوم أو ولي الأمر فكل ما يغنم يكون من الأنفال -على بعض الآراء- [كما هو الأظهر أو بعضها] يعني: فيها الخمس [كما لو كانت الغنيمة مع الإذن ففيها خمس الإمام (عليه أفضل الصلاة والسلام)] ولا يجوز التصرف فيها أيضاً [وربما فسّرت المناكح بما يتناول مؤونة التزويج ومهور النساء وثمن الجارية التي اشتراها من كسبه الذي تعلق به الخمس] يقول: [وفيه] كل هذا غير صحيح, وإنما المراد ذلك المعنى الذي أشرنا إليه. وهكذا بعد ذلك يقول: [والمراد بالمساكن] الذي ورد فيه التحليل, [ما يتخذها منها من الأرض المختصة بالإمام(ع) كالمملوكة بغير قتال ورؤوس الجبال] الفيء والأنفال التي أشرنا إليها سابقاً [أو المشتركة بينه وبين غيره كالمفتوحة عنوة المنتقلة إلى الشيعة من أيدي المخالفين وربما فسّرت بما يعم الدار المشترات بما يتعلق بها الخمس] مثلاً تشتري بيتاً بثمن تعلق به الخمس.
يقول: التحليل لا يشمل هذا بل يشمل الأرض التي أشرنا إليها سابقا [والمراد بالمتاجر المال المنتقل إلى الشيعي ممن لا يخمس] لعدم الاعتقاد به [والقدر المتيقن منه الذي يمكن دعوى انصراف أخبار التحليل إليه إنما هو فيما إذا كان ممن يستحل الخمس كالمخالف وشبهه, لا مطلق من لا يخمس حتى ولو كان معتقداً) .
واياً كان المراد من المناكح فالرواية ليست مطلقة. وعلى فرض الإطلاق فيها فهي صادرة من الإمام الصادق (عليه أفضل الصلاة والسلام) ومن الواضح حتى لو ثبت هذا التحليل فإن الأئمة الذين جاؤوا بعد ذلك رفعوا هذا التحليل, لأنه واضح الإمام الجواد الإمام الهادي الإمام العسكري الإمام الثاني عشر كل هؤلاء (ع) كانوا يبعثون الوكلاء لأخذ الخمس.
الرواية الثامنة: لعله من أهم وأوضح الروايات الواردة في باب التحليل هذه الرواية, وهي في (وسائل الشيعة, ج9, ص550) فيما ورد عليه من التوقيعات بخط صاحب الزمان(عج) قال: >أما ما سألت عنه من أمر المنكرين لي... وأما المتلبسون بأموالنا فمن استحل منها شيئاً فأكله فإنما يأكل النيران، وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حلٍ إلى أن يظهر أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث<.
وقبل الدخول في السند نذكر ثلاث خصوصيات موجودة في هذه الرواية لم نجدها في روايات أخرى.
الخصوصية الأولى: أنها صادرة من الإمام الثاني عشر, وهذه من أهم خصوصيات هذه الرواية, باقي الروايات حتى لو كان فيها تحليل كنا نقول أن الإمام اللاحق رفع ذلك التحليل او نسخ ذلك التحليل ونحو ذلك, أما هذه الرواية فهي صادرة في عصر الغيبة الصغرى يعني بعده الغيبة الكبرى.
الخصوصية الثانية: النص يقول: >وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا< فلا يوجد فيها لامناكح ولا متاجر ولا مساكن بل خمس مطلق, وأعم من سهم الإمام وسهم السادة, اللهم إلا أن يقال, هذا بحث مرتبط بمكان آخر, أن سهم السادة ليس مرتبط بهم حتى يحللوه, ومن هنا جاءت النظرية أن سهم الإمام أحل في عصر الغيبة ولكن سهم السادة لابد أن يُعطى,وواحدة من أدلتها هذه, وهو أن الإمام إنما يبيح ما هو مالك له, وتلك الأصناف الثلاثة ليس من حقه أن حتى يبيحها, نعم له حق أن يبيح ما هو مالك له.
والنكتة المهمة في هذه الرواية: أن الإمام يقول فقد أبيح لشيعتنا< وليس فقد أبحت, يعني هذه سيرة أبائي وأجدادي, إلا أن يقال هذا من باب التعظيم وأنه (ع) يعبر عن نفسه ولكن الظاهر أبيح يعني ليست هذه الإباحة التي أنا أقولها, وانما كل الائمة يقولون هذا المعنى بشكل واضح وصريح.
ان قلت: >لتطيب ولادتهم ولا تخبث< هذه قرينة على أن المراد به خصوص المناكح.
قلت: ذكرنا سابقاً انه ليس معلوما أن هذه قرينة على التخصيص, لعله للإشارة إلى أنّه واحدة من أهم خصائص الإباحة طيب الولادة, لا أقل لا يمكن أن يدعي أحد ظهور في التخصيص, ومن هنا يبقى احتمال الإطلاق وارد, هذه أيضاً الخصوصية الثانية في هذه الرواية.
الخصوصية الثالثة: في هذه الرواية: أن فيها تصريح في عصر الغيبة, >إلى أن يظهر أمرنا< إذن كل عصر الغيبة الكبرى قد ابيح فيه الخمس.
من هنا حاول البعض بلطائف الطرق أن يتخلصوا من هذه الرواية لأنها واردة عن الإمام الثاني عشر (عليه أفضل الصلاة والسلام).
أما سند الرواية.
في المقدمة: افترضوا في بعض من الأحيان لم يتم السند بحسب الموازين الرجالية عندنا, ولكن هذا لا يعني عدم صدور الرواية, اذ لا توجد ملازمة. ومن الواضح ان عدم صحة السند لا يثبت أنّ الرواية كاذبة لم تصدر وإنما يقال ليست بحجة, ولكنّ احتمال أنها صادرة في الواقع موجود، من هنا تجدون بعض الأعلام عندما يصل إلى مثل هذه الموارد وإن كان لا يوجد عنده دليل على عدم الجواز أو دليل على عدم الجواز, ولكن يحتاط احتياطاً وجوبياً, ما هو منشأ الاحتياط الوجوبي؟ لانه يحتمل أن هذه الرواية صادرة وان كانت مبانيه الرجالية لم توصله إلى صحة الرواية، ولعله يوجد خلل في مبانيه الرجالية لا في صحة الرواية.
أما فيما يتعلق بسند هذه الرواية فلها طريقان:
الطريق الأول: وهو ما ورد عن الشيخ الصدوق في كتابه (إكمال الدين وإتمام النعمة) وصاحب الوسائل ينقل الرواية عن (إكمال الدين) الرواية رقم 16 من كتاب الخمس أبواب الأنفال الباب الرابع من أبواب الأنفال كتاب الخمس الحديث رقم 16 والتسلسل العام 12690) [وفي كتاب إكمال الدين عن محمد ابن محمد ابن عصام الكليني عن محمد ابن يعقوب الكليني عن إسحاق ابن يعقوب فيما ورد عليه من التوقيعات بخط صاحب الزمان, >أما ما سألت عنه<] من سأل؟ إسحاق ابن يعقوب [>من أمر المنكرين ..<]
وفي هذا السند يوجد شخصان: الشخص الأول: محمد ابن محمد ابن عصام الكليني, والثاني: إسحاق ابن يعقوب الذي ما بعد الكليني ما بعد محمد ابن يعقوب صاحب الكافي, هذا محمد ابن محمد ابن عصام الكليني هل هو موثق أم لا؟ الجواب: لم يرد أي شيء في الكتب الرجالية عنه أولاً, وثانياً: وليست له رواية في مصادرنا إلا هذه الرواية. فلا القرائن السابقة ولا اللاحقة ولا قبل ولا بعد ولا من يروي عنه ولا هو عن من يروي, الطريق مغلق, نعم, يوجد طريق واحد لإثبات توثيق هذا الرجل وهو الترضي عليه من قبل بعض أعلامنا, وهناك بحث وهو هل أنّ الاستغفار, او الترحم او الترضي على أحدٍ يدل على وثاقته أو لا يدل؟
السيد الخوئي في (معجم رجال الحديث, ج1, ص78) قال: [ترحم أحد الأعلام] ومراده من الترحم يعني: الأعم من الترحم والترضي وغير ذلك, لا خصوص الترحم, يقول: [واستدل على حسن من ترحم عليه أحد الأعلام كالشيخ الصدوق ومحمد ابن يعقوب وأضرابهما بأن في الترحم عناية خاصة بالمترحم عليه, فيكشف ذلك عن حسنه لا محالة, إن لم يدل على أنه ثقة لا أقل يدل على أنه حسن, والجواب عنه: أن الترحم هو طلب الرحمة فهو دعاءٌ مطلوب ومستحب في حق كل مؤمن وقد أمرنا بطلب المغفرة] إذن أدخل بعد الترحم المغفرة أيضاً [لجميع المؤمنين وللوالدين بخصوصهما وقد ترحم الصادق لكل من زار الحسين بل أنه(ع) قد ترحم لأشخاص خاصة معروفين بالفسق لما فيهم ما يقتضي ذلك كالسيد إسماعيل الحميري, فكيف يكون ترحم الشيخ الصدوق أو محمد ابن يعقوب وأمثالهم كاشفاً عن حسن المترحم عليه, وهذا النجاشي قد ترحم على محمد ابن عبد الله ابن محمد ابن عبيد الله ابن البهلول] البهلول المعروف [بعد ما ذكر أنّه رأى شيوخه يضعفونه, وأنّه لأجل ذلك لم يروي عنه شيئاً وتجنبه].
سؤال: هل يوجد أحدٌ ترضى -لا ترحم- على محمد ابن محمد ابن عصام؟ الجواب: نعم, الشيخ الصدوق(ره) في (مشيخته في من لا يحضره الفقيه, ج4, في ذيل وما كان فيه عن محمد ابن يعقوب الكليني) يقول: [فقد رويته عن محمد ابن محمد ابن عصام الكليني وعلي ابن أحمد ابن موسى ومحمد ابن أحمد السناني رضي الله عنهم] إذن الصدوق ترضى على محمد ابن محمد ابن عصام الكليني, فهل يدل على الوثاقة أو لا يدل؟
بنحو الإجمال, لابد أن نعرف معنى الترضي فإن كان الترضي رضي الله عنهم, معنىً عام كما تقول غفر الله له, وكما تقول: رحمه الله, ونحو ذلك, يكون الحق مع السيد الخوئي لأنه عندما تقول: غفر الله لفلان فيه اشعار انه عاص ولذا تجد عندك استعداد فيما يتعلق ببعض الصحابة ان تقول: غفر الله له, ولكن ليس عندك استعداد أن تترضى عليه وهذا يكشف عن وجود فرق بين مسألة طلب الاستغفار أو الترحم وبين مسألة الترضي.
عندما تترضى على احد تريد أن ترفع مقاماته, من قبيل: قدس الله نفسه, قدس الله سره, أعلى الله مقامه, فهذه العبائر تدل على الوثاقة بل تدل على انه في أعلى درجات الوثاقة. فهذا الاصطلاح الترضي - كما هو الصحيح لا يستعمل إلا لرفع الدرجات لا لمحو السيئات, لا سيما اذا صدر من إنسانٍ عالم بالاصطلاح.
وأنا شخصاً أعتقد أنّ هؤلاء الأعلام أمثال الشيخ الكليني, الصدوق, الطوسي, المفيد هذه الطبقة وغيرهم أولئك كانوا يعلمون أنهم يؤسسون لمن بعدهم لأنهم كانوا هم حلقة الوصل بين الأئمة وبين الشيعة والشاهد التاريخ وعلى هذا الأساس في موضعٍ يقول رضوان الله عليه, وفي مئات المواضع لا يقول, هذا يكشف عن أن هؤلاء كانوا ملتفتين جيداً لما يفعلون.
إذن في اعتقادي بأنّه قضية الترضي وقضية الترحم إن لم تدل على الوثاقة إن فلا أقل تدل على الحسن وهذا مما لا ريب فيه عندي.
والحمد لله رب العالمين.