الأستاذ السيد كمال الحيدري
بحث الفقه
32/10/21
بسم الله الرحمن الرحیم
تلخيص لما مر في السنة الماضية حول مسألة الخمس
تلخيص لما مر في السنة الماضية حول مسألة الخمس
من باب الاستذكار والتذكر لما سبق في السنة الماضية في أبحاث الخمس, قلنا: بأنه يقع البحث في الخمس ولكن هناك مجموعة من الأصول والقواعد والنكات التي لابد من الوقوف عندها قبل الدخول في بحث الخمس, طبعاً هذه القواعد ليست مرتبطة بالضرورة بباب الخمس, ولكن لأنها لم تبحث في كلمات الفقهاء كما ينبغي فلذا اضطررت إلى بحثها هنا لترتيب الآثار عليها.
الأمر الأول: -الذي هو من الواضحات- هو أن الخمس واجب بالضرورة عند علماء المسلمين, أصل الخمس - بنحو القضية المهملة - لا يوجد خلاف عند أحد من علماء المسلمين أن الخمس واجب, وذلك للآية الواردة في سورة الأنفال, هذا لا يحتاج إلى بيان ويمكن مراجعته والوقوف عليه عند مراجعة كلمات علماء المسلمين.
الأمر الثاني: أنّه وقع الخلاف فيما يتعلق به الخمس وإلا أصل الخمس لم يقع فيه خلاف, وإنما الخلاف فيما يجب فيه الخمس, فمثلاً على سبيل المثال غنائم القتال بالشروط المذكورة في محلها لم يقع فيه خلاف بين علماء المسلمين أما عندما نصل إلى المال الحلال المختلط بالحرام بالشروط المذكورة, لم يعرف صاحبه لم يعرف قدره ونحو ذلك هذا من الواضح أنه لا يوجد عليه إجماع, بل هو مرتبط بمدرسة أهل البيت.
إذن الاختلاف بين علماء المسلمين ليس هو في أصل الخمس وإنما فيما يتعلق به الخمس, فمدرسة ذهبت إلى وجوب الخمس في كذا كأرباح المكاسب كفاضل المؤونة, ومدرسة أخرى من علماء المسلمين قالوا لا يجب فيها الخمس.
الأمر الثالث: كما هو المعروف على مستوى كلمات فقهاء الإمامية وفي الرسائل العملية أن الخمس يجب في هذه الأمور المعروفة وهي:
اولاً:الغنائم المأخوذة من القتال بشرطها وشروطها, ,
ثانيا: المعادن على اختلافها وشروطها وأنه أساساً واقعاً مملوكة أم لا, وأنتم تعلمون أن هناك اختلاف شديد في هذه المسألة خصوصاً على مباني السيد الإمام(قدس).
ثالثاً: الكنز أو ما يكتنزه الإنسان.
رابعا: ما يخرج بالغوص.
خامسا: الأرض التي اشتراها الذمي من المسلم.
سادسا: المال الحلال المختلط بالحرام.
سابعا: الفاضل من مؤونة السنة أو أرباح المكاسب.
طبعاً الآن لا أريد أن أدخل في بحث هذه السبعة وأنه وردت بها روايات أو لا توجد فيها روايات وهل هذه الموارد متداخلة أو غير متداخلة وهل يرجع بعضها إلى بعض أو لا يرجع؟ تلك أبحاث لست الآن بصدد الدخول فيها.
النقطة الرابعة: نحن أعزائي يتذكر الأعزة في السنة الماضية لم ندخل في الأقسام السابقة من الخمس يعني الستة الأولى, يعني المعادن والكنز والغوص والقتال لأنه في الأعم الأغلب لا موضوع لها في زماننا, مثلاً المأخوذ في القتال هذه مرتبطة بولاية الدولة ومرتبطة بولي الأمر ومرتبطة بالقائم أساساً من غير الولاية أساساً هل يحق لأحد أن يقاتل أو لا؟ فأساساً خارجة عن ما نحن فيه, وهكذا ما يتعلق بالمعادن, الآن بينكم وبين الله حتى لو اشترى الإنسان أرضاً كبيرة وخرج فيها معدن يكون مالكاً لذلك المعدن؟ أصلاً يسمح له بذلك؟ الآن القوانين الحديثة لا تسمح للشخص ان يتصرف بما تحت يده لانه راجع للامة، مثلا إذا كنت مالكاً لكتاب خطي يقولون هذا إرث ملّي ارث مرتبط بالدولة مرتبط بالأمة ولايحق لك التصرف به كباقي املاكك , فإذن على الأعم الأغلب أن هذه الموضوعات خارجة عن محل الكلام.
إذن المهم عندنا أعزائي في الخمس لا أقل عصب الخمس عندنا في عصر الغيبة الكبرى يدور مدار أرباح المكاسب وفاضل المؤونة, هذا الذي لابد أن يقع عليه البحث. ولذا في السنة الماضية يتذكر الأعزة نحن مباشرة دخلنا إلى هذا النوع مما يجب فيه الخمس.
ولكنّه قبل أن ندخل إلى ذاك البحث أشرنا إلى مطلب أعزائي هذا المطلب أساسي جداً ومهم لا فقط في باب الخمس بل في كل أبواب الفقه وهي ما هو نوع الحكم الذي تعلق بالخمس؟
يتذكر الأعزة قلنا: أن الأحكام الصادرة من الشريعة بالمعنى الأعم للشريعة, يعني الكتاب السنة النبوية والروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(ع), أن هذه الأحكام على نوعين أساسيين:
النوع الأول من هذه الأحكام: هي التي تُعد جزءً من الشريعة, يعني عندما نُعد أحكام الشريعة نجعل ذلك جزءً من الشريعة, الآن لو سألتك ما هي الأحكام الفقهية الثابتة في الإسلام؟ تقول الحج, تقول الصوم, تقول الزكاة, تقول وهكذا.
إذن النوع الأول: هي الأحكام التي تُعد جزء من الشريعة, طبعاً هذا النوع من الأحكام يصنف إلى صنفين:- صنف شرعه الله سبحانه وتعالى, وهذا هو المصطلح عليه في كلمات أئمة أهل البيت >فرض ربكم<, وصنف فوّض إلى رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) أن يضع له حكماً فرسول الله ليس مبلغا للحكم وإنما مشرّع للحكم, >أدبني ربي فأحسن تأديبي ثم فوّض إليّ< هذه واحدة من معاني التفويض الستة أو السبعة المعروفة, نعم وقع بحث وأشرنا إليه تفصيلاً في السنة الماضية, أن هذا التفويض التشريعي أعطي للأئمة من بعده (عليه أفضل الصلاة والسلام) ولو في دائرة أضيق أو لم يعطَ؟
أعزائي في الأعم الأغلب علماء الإمامية لم يعرضوا لهذه المسألة, أصلاً لا نعلم آرائهم في المسألة أنهم يقبلون أن الأئمة فوّض إليهم أمر التشريع أو لم يفوّض؟ المسألة مسكوتة في كتبهم في كلماتهم, وأولئك الذين تعرضوا للمسألة على قولين: قول يقول فوّض إليهم كما فوّض إلى رسول الله, وقول يقول لا, هم رواة عن رسول الله ولم يفوّض إليهم أمر التشريع, وأنا من القائلين بالاتجاه الأول, وهو أنه فوّض إلى الأئمة التشريع كما فوّض إلى رسول الله(صلى الله عليه واله وسلم).
النوع الثاني: هي أحكامٌ صادرةٌ من الشارع ولكنها ليست جزءً من الشريعة, صدرت من النبي الأكرم(صلى الله عليه واله وسلم) صدرت من الأئمة(عليهم السلام) ولكن لم تصدر عنهم بعنوان أنها جزء من الشريعة بل صدرت عنهم أحكام ولائية لمصالح مرتبطة بالزمان والمكان, فهو حكمٌ أصيل ثابت في الشريعة جزء من الشريعة أو ليس ثابتاً وجزءً من الشريعة؟ الجواب: لا هو جزء من الشريعة ولا هو حكم أصيل, اما ما هي أهم خصوصيات هذا النوع الثاني؟ أنه يتغير من زمان إلى زمان، حتى أوضح ولو بمثال: انظروا الآن حتى ونحن نعيش الآن في دولة الجمهورية الإسلامية, كثير من الأحكام المرتبة بالمرور والمرتبطة بالجوازات هذه كلها أحكام ولائية ليست جزء من الشريعة هذه, ولذا يمكن قبل عشرين سنة كانت بنحو, بعد عشرين سنة قد تكون بنحو آخر, لماذا؟ لأنه تابعة للمصالح والمفاسد, هذه أوكل تعيينها أوكل الحكم فيها إلى من؟ إلى ولي الأمر ليملأها ليقول: واجب او يقول: حرام.
إلى هنا أتصور أن هذه المقدمة بإجمالها التي وقفنا تفصيلاً عندها في السنة الماضية اصبحت واضحة. وهنا يأتي هذا السؤال: وجوب الخمس في فاضل المؤونة من أي نوع من النوع الأول أو من النوع الثاني؟
يوجد هنا أعزائي قولان لا فقط اتجاهان:
القول الأول: وهو القول المشهور بين فقهاء الإمامية, وهو: أن الخمس في أرباح المكاسب يعني وجوب الخمس فيها, في أرباح المكاسب أو فاضل مؤونة السنة من الصنف الأول من النوع الأول, يعني لا أنها مشرّعة من الأحكام الثابتة بل هي من الصنف الأول من الأحكام الثابتة, لأنهم استدلوا له بالآية المباركة وان (غنمتم) في الاية كما تشمل غنائم دار الحرب تشمل غنائم مطلق الفائدة التي تحصل عند الإنسان من أرباح المكاسب أيضاً.
ولذا أعزائي كل من قال أن وجوب الخمس في أرباح المكاسب ثابتٌ بالآية الكريمة فهذا معناه أنه يعتقد انه من الأحكام الثابتة في الإسلام الأصيلة من الصنف الأول, والآن الأعزة بإمكانهم أن يرجعوا لأنه أنا ما أريد أن أطيل البحث, بإمكانهم أن يرجعوا إلى (الجواهر, ج16, ص16, طبعة دار الكتب الإسلامية) في أوائل بحث أرباح المكاسب [الخامس: مما يجب فيه الخمس ما يفضل عن مؤونة السنة له ولعياله من أرباح التجارات والصناعات والزراعات بلا خلاف معتدٍ به أجده فيه بل في الخلاف والغنية والتذكرة والمنتهى الإجماع عليه بل ... ] إلى أن يأتي ويقول: [وربما ..] إلى أن يقول: [والدليل على ذلك قوله تعالى: {غنمتم من شيء فإن لله خمسه}] هذا صاحب الجواهر.
وكذلك سيدنا الاستاذ السيد الخوئي(قدس) في (المستند في العروة الوثقى, ص193) يقول: [ينبغي التكلم في مقامين أحدهما في أصل التشريع] هل الخمس واجب أو ليس بواجب؟ لابد أن نعرف, أصلاً مشرع أو لا؟ كما وجب في سائر الأقسام الأخرى, ثانيهما .. إلى آخره. [لنؤخر البحث عن المقام الثاني] مسألة التحليل [وأما الكلام في الأول] يعني في المقام الأول في أصل التشريع يقول: [الجهة الأولى: الظاهر تسالم الأصحاب واتفاقهم قديماً وحديثاً على الوجوب] أي وجوب؟ ليس الوجوب من النوع الثاني, الوجوب من النوع الأول من الصنف الأول من النوع الأول, بقرينة ما ذكره في (ص195) قال: [وكيف ما كان فلا ينبغي التأمل في إطلاق الآية المباركة في حد ذاتها وشمولها لعامة الأرباح والغنائم]. إذن وجوب الخمس في أرباح المكاسب لا فقط الإجماع, بل الإجماع والدليل القرآني (الآية المباركة) فقد أثبتت وجوب الخمس في غنائم دار الحرب بل وجوب الخمس في مطلق الأرباح والغنائم والفوائد ومنها أرباح المكاسب وفاضل مؤونة السنة بالآية الشريفة، وهذا هو المشهور بين الفقهاء.
أما القول الثاني: وهو الذي يعتقد ان الخمس في أرباح المكاسب ليس واجباً بالنوع الأول أصلا لا بصنفه الأول ولا بصنفه الثاني, بل بالنوع الثاني وهو حكم ولائي صدر من بعض الأئمة أو من الإمام الصادق(عليه السلام) ومن بعده.
إذن لا يعد جزءً من الشريعة، والأحكام المتغيرة وليس من الأحكام الثابتة.
وأنا من القائلين بهذا القول الثاني لا القول الأول. لا أرى وجوب الخمس في أرباح المكاسب في أصل التشريع.
واما الآن في عصر الغيبة ما هو تكليفنا ذاك بحث آخر.
وأعزائي أنتم في أي حكم شرعي تريدون أن تدخلوا إليه وجوباً كان أو حرمة لابد أن تعرفوا في الرتبة السابقة أنه من النوع الأول أو من النوع الثاني, وإذا كان من النوع الأول هل هو من الصنف الأول أو من الصنف الثاني, وإلا كونوا على ثقة فقهنا لا يكون متوازناً كما هو الآن موجود.
وهذا هو من امتيازات ما نقوله نحن, أنه لابد في أي حكم من الأحكام الفقهية في الرتبة السابقة ننتهي من هذه القضية وهو أنه من النوع الأول أو من النوع الثاني, وإذا ثبت أنه من النوع الأول هل هو من الصنف الأول أو هو من الصنف الثاني.
الآن قد تقول: ما هي الثمرة المرتبة في باب الخمس على هذا التقسيم اللاحكام الشرعية؟ تأتي ان شاء الله
والحمد لله رب العالمين.