48/05/08
الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /الاستدلال بالأخبار / رواية الخصال
الموضوع: الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /الاستدلال بالأخبار / رواية الخصال
الملاحظة الثانية على جواب المحقق العراقي:
لم يتضح مراد المحقق العراقي من كلامه، فإنَّ محل الكلام هو في الترتب بين الشك واليقين المستفاد من قوله (ع) (مَنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ فَشَكَّ)، ومن الواضح أنَّ المراد من هذه الدعوى هو الترتب الزماني، بل لا مجال لإرادة الترتب الرتبي - لا بنحو ترتب المعلول على العلة، ولا المسبب على السبب، ولا المشروط على الشرط - لعدم تحقق خصوصيات الترتب الرتبي بين اليقين وبين الشك.
نعم قد يُفهم من قوله: (فيكون السبق فيه رتبياً بالقياس إلى الحكم الذي هو وجوب المضي عليه لا سبقاً زمانياً)[1] أنَّ المقصود هو إرادة الترتب بين اليقين وبين الحكم بوجوب المضي عليه، ترتب كل حكم على موضوعه، لكن هذا وإن كان صحيحاً إلا أنَّ الكلام ليس في العلاقة بين اليقين وبين الحكم، وإنما بين اليقين وبين الشك.
الجواب الثالث: وهو ما في الكفاية، وحاصله[2] :
إنَّ عطف الشك على اليقين وإن كان له ظهور في الترتب الزماني لكنه لا يستلزم حمل الرواية على قاعدة اليقين، لأنَّه كما يصح فيها كذلك يصح في الاستصحاب، بل هذا هو المتداول في التعبير عن مورد الاستصحاب، ولعل السبب في ذلك هو أنَّ الاستصحاب لا بد فيه من تقدم المتيقن على المشكوك، ولما كان اليقين وصفاً للمتيقن، والشك وصفاً للمشكوك، وكان بين الوصف والموصوف نحو من الاتحاد، جاز لذلك سراية لازم الموصوف أي المتيقن الى الوصف وهو اليقين، فالتقدم المعتبر في الموصوف يسري الى الوصف، فيصح بهذا الاعتبار التعبير بـــ (مَنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ فَشَكَّ) في الاستصحاب ولا يتعين حملها على قاعدة اليقين.
ويلاحظ عليه: بأنَّ اليقين يتحد مع المتيقن بالذات وهو الصورة الذهنية للمتيقن، وهي وإن كانت طريقاً للمتيقن بالعرض إلا أنها لا تكتسب منه صفة موجودة فيه، ولذا لو كان الشك حادثاً في زمان حدوث اليقين مع كون المتيقن متقدماً عن المشكوك - كما إذا تيقن يوم السبت بعدالة زيد يوم الجمعة، وشك شكاً مقارناً ليقينه في عدالته يوم السبت، فلا يقول: كنتُ على يقين فشككتُ، بل لا يصح ذلك، مع أنه لو كان اليقين يكتسب صفة المتيقن والشك يكتسب صفة المشكوك لصح هذا التعبير، لأنَّ المتيقن في المثال هو عدالة زيد يوم الجمعة، وهو متقدم على المشكوك وهو عدالة زيد يوم السبت.
والحاصل أنَّ الاتحاد أنما يكون لواقع اليقين الموجود في نفس صاحبه مع المتيقن بالذات، أي الصورة الذهنية للشيء، فإنَّ اليقين عين المتيقن بالذات، كما أنَّ الحب عين المحبوب بالذات، والعلم عين المعلوم بالذات، وهذا المتيقن بالذات يكون مرآةً وفانياً في المتيقن بالعرض، لكن هذا كله في اليقين الموجود في أُفق نفس صاحبه لا في مفهوم اليقين، لأنَّ مفهوم اليقين الوارد في الرواية ليس متحداً مع المتيقن بالذات، ولا فانياً في المتيقن بالعرض حتى يقال إنه يكتسب صفة التقدم!
ويتبين مما تقدم عدم تمامية هذه الأجوبة عن دعوى أنَّ أخذ البعدية والترتب والسبق في الرواية قرينة على إرادة قاعدة اليقين لأنها ليست معتبرة في باب الاستصحاب.
وأما الدعوى الثانية وهي استظهار أنَّ البعدية المأخوذة في الرواية هي من باب الوجود بعد الوجود - فإذا تمت تكون الرواية ناظرة الى قاعدة اليقين، لأنَّ التقدم في باب الاستصحاب هو من باب تقدم الحدوث على الحدوث - فيناقش فيها بأنَّ غاية ما يُستفاد من قوله: (مَنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ فَشَكَّ) هو تقدم اليقين على الشك زماناً، وهو أعم من فرض حصول الشك بعد ذهاب اليقين ومن حصول الشك مع بقاء اليقين، فإنَّ تقدم اليقين متحقق في كل منهما وليس في العبارة ما يُستظهر منه الأول.
ويمكن الملاحظة عليها بأنَّ ما ذُكر وإن كان صحيحاً لكنه إنما يتم فيما لم يكن هذا الترتب بين أمرين متضادين، وأما إذا كانا متضادين فيتعين أن يكون من تقدم الوجود على الوجود.