48/05/07
الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /الاستدلال بالأخبار/ رواية الخصال
الموضوع: الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /الاستدلال بالأخبار/ رواية الخصال
كان الكلام في تحديد الظهورات من الرواية الخامسة، والظهور الأول هو ظهورها في تقدم زمان اليقين على زمان الشك في قوله (ع) (مَنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ فَشَكَّ)، فقد يقال إنه لصالح الاحتمال الثاني، لظهوره في حصول الشك بعد اليقين، أي بعد انتهائه وزواله، فتكون الرواية ناظرة الى قاعدة اليقين، لأنَّ المعتبر في الاستصحاب هو تعاصر زمان اليقين وزمان الشك.
ويمكن منعه باعتبار أنَّ ما تدل عليه هو مجرد تقدم زمان اليقين على زمان الشك، وهذا لا يعني كون ولادة الشك بعد انتهاء اليقين، فلا يكون هذا الظهور في صالح قاعدة اليقين، فلا بد لكي يتم استظهار قاعدة اليقين من ضم دعوى أنَّ أخذ البعدية في الرواية قرينة على إرادة قاعدة اليقين، لأنَّ البعدية غير معتبرة في الاستصحاب، بخلاف قاعدة اليقين إذ يعتبر فيها أن يكون الشك حاصلاً بعد اليقين، أو نلتزم بالاستظهار السابق أي كون ولادة الشك بعد انتهاء اليقين وزواله، وذلك باعتبار أنَّ الترتيب بين شيئين وإن لم يكن ظاهراً في حصول الثاني بعد انتهاء الأول وزواله إذا كان بين شيئين متضادين فيكون ظاهراً في الوجود بعد الوجود، أي يكون ظاهراً في كون الشك حاصلاً بعد انتهاء اليقين، والمقام من هذا القبيل، فإنَّ اليقين والشك المتعلقين بشيء واحد ذاتاً متضادان بنظر العرف - وإن لم يكونا كذلك بالنظر الدقيق لتعدد زمان متعلقهما - فيكون الترتيب بينهما ظاهر في أنَّ حصول الثاني يكون بعد ارتفاع الأول، فتكون الرواية ظاهرة في البعدية وناظرة الى قاعدة اليقين.
والتعليق عليه:
أما دعوى أنَّ البعدية في الرواية قرينة على إرادة قاعدة اليقين فذُكرت لها أجوبة:
الأول: إنَّ أخذ البعدية في الرواية ليس بابه باب التقييد حتى يقال إنه لا يتلاءم مع الاستصحاب لعدم اعتبار البعدية فيه وإنما يتلاءم مع قاعدة اليقين، بل هو قيد غالبي يتلاءم مع الاستصحاب لأنَّ الغالب فيه هو كون الشك بعد اليقين، فهو نظير قوله تعالى ﴿وَرَبَـٰۤىِٕبُكُمُ ٱلَّـٰتِی فِی حُجُورِكُم﴾.
وهذا الجواب يرتبط بالبحث الآتي، وهو أنَّ ظهور الرواية في تقدم اليقين على الشك هل هو من باب الوجود بعد الوجود، بأن يكون ولادة الشك بعد انتهاء اليقين وزواله، أم هو من باب تقدم الحدوث على الحدوث، بأن تكون ولادة الشك بعد ولادة اليقين؟
فإنه بناءً على الأول لا يتم هذا الجواب لأنَّ البعدية بهذا المعنى لا يمكن أن تؤخذ في دليل الاستصحاب لا دائماً ولا غالباً، لأنه يعتبر فيه التعاصر الزماني بين اليقين والشك، فأخذ البعدية بهذا المعنى لا يتلاءم إلا مع قاعدة اليقين.
نعم بناءً على التفسير الثاني يتم هذا الجواب لأنَّ البعدية بمعنى الحدوث بعد الحدوث يمكن أن تكون قيداً غالبياً في الاستصحاب، وإن لم تكن معتبرة فيه.
الجواب الثاني: ما ورد في تقريرات المحقق العراقي[1] من أنَّ ترتب الشك على اليقين لا يتعين حمله على الترتب الزماني، لأنَّ الرواية تدل على أنَّ ترتب الشك على اليقين على مجرد السبق الشامل للزماني والرتبي، نظير سبق العلة على معلولها، والموضوع على حكمه، ويشهد له صحة قولك: ادخل البلد فمن كان مطيعاً فأكرمه ومن كان عاصياً فاضرب عنقه، بلا عناية أو تجوز، مع وضوح عدم كون السبق المستفاد منها هو السبق الزماني، بل السبق الرتبي، والسبق في المقام من هذا القبيل، وعليه فالبعدية والترتب لا تكون قرينة على إرادة قاعدة اليقين لأنها ليست زمانية، بل هي في الرتبة، وهي تتلاءم مع الاستصحاب، فإنَّ الشك فيه متأخر رتبة عن اليقين حتى إذا كان الشك متقدماً على اليقين زماناً أو كان مقارناً له.
ويلاحظ عليه:
أولاً: إنَّ الذي يظهر من كلامه هو الاعتراف بدلالة الرواية على قاعدة اليقين إذا كان ترتب الشك على اليقين ترتباً زمانياً، وقد عرفت أنَّ مجرد السبق والترتب الزماني كما يتلاءم مع قاعدة اليقين يتلاءم مع قاعدة الاستصحاب، نعم إذا كان الترتب من باب ترتب الوجود على الوجود فلا تكون الرواية ظاهرة في الاستصحاب.