48/05/06
الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /الاستدلال بالأخبار / رواية الخصال
الموضوع: الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /الاستدلال بالأخبار / رواية الخصال
البحث السندي في رواية الخصال (حديث الأربعمائة):
الكلام في السند يقع في شخصين، القاسم بن يحيى وجده الحسن بن راشد، فكل منهما لم يُنص على وثاقته، أما القاسم بن يحيى فترجم له النجاشي، وذكره الشيخ لكنهما لم ينصا على وثاقته، بل ضعفه ابن الغضائري صريحاً، وكذا ضعفه العلامة.
وهناك محاولتان يمكن أن يُذكرا لتوثيقه:
المحاولة الأولى: رواية الاجلاء عنه، من قبيل أحمد بن محمد بن عيسى، ومحمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، وابراهيم بن هاشم، وهم رواة كتابه، كما يظهر من طريق النجاشي والشيخ والصدوق، فقد يقال إنَّ هذا كافٍ في إثبات وثاقته، وخصوصاً عند ملاحظة أحمد بن محمد بن عيسى المتشدد في الرواية عن الثقات، وخصوصاً إذا فرضنا إكثارهم الرواية عنه.
ولكن لا يمكن القول بتحقق اكثار الرواية عنه بلحاظ هؤلاء لأنهم رواة كتابه، فروايتهم عنه كرواية واحدة عنه، فالإكثار الموجب للتوثيق غير متحقق في هذا المقام.
المحاولة الثانية: وقد يُستدل على وثاقته بأنَّ الشيخ الصدوق في الفقيه ذكر زيارة للإمام الحسين[1] (ع) ثم قال: (هَذِهِ الزِّيَارَةُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ثُوَيْرٍ عَنِ الصَّادِقِ (ع))[2] ، ثم قال بعد ذكر الوداع ما لفظه:
(وَقَدْ أَخْرَجْتُ فِي كِتَابِ الزِّيَارَاتِ وَفِي كِتَابِ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ (ع) أَنْوَاعاً مِنَ الزِّيَارَاتِ، وَاخْتَرْتُ هَذِهِ لِهَذَا الْكِتَابِ لِأَنَّهَا أَصَحُّ الزِّيَارَاتِ عِنْدِي مِنْ طَرِيقِ الرِّوَايَةِ وَفِيهَا بَلَاغٌ وكِفَايَةٌ (.[3] فصرَّح أنها أصح الزيارات من طريق الرواية.
وإذا لاحظنا أنَّ هذه الزيارة التي يرويها عن الحسن بن راشد يرويها حفيده القاسم بن يحيى لأنَّ طريق الشيخ الصدوق الى الحسن بن راشد يمر بالقاسم بن يحيى، وهو يعني أنَّ هذه الزيارة وصلت إليه عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد، وهي أصح الزيارات عنده من طريق الرواية كما ذكر، وإذا التفتنا الى أنَّ الزيارات التي يرويها في كتبه فيها ما هو صحيح السند وعبّر عن هذه الزيارة بأنها (أصح الزيارات) فيُفهم منه توثيق سند هذه الزيارة، ومنهم القاسم بن يحيى، وإذا تم هذا الدليل فيمكن جعله دليلاً على وثاقة الحسن بن راشد أيضاً.
وفي كامل الزيارات ذكر بن قولويه نفس هذه الزيارة مع التصريح بوجود القاسم بن يحيى في سندها[4] .
فالظاهر أنَّ هذا الوجه تام لإثبات وثاقة القاسم بن يحيى، نعم الاشكال في معارضة هذا التوثيق بتضعيف بن الغضائري، بناءً على الأخذ بتوثيقاته وتضعيفاته - كما هو الصحيح - وعليه لا يمكن إثبات وثاقته بهذا الوجه، فلا يبقى دليل على وثاقته، نعم بناءً على الرأي الآخر وهو عدم الأخذ بتضعيفات بن الغضائري - ولعله هو المشهور - إما لعدم ثبوت نسبة الكتاب إليه، وإما لتسرعه في الطعن والتضعيف كما قيل، فحينئذٍ يمكن اعتبار كلام الشيخ الصدوق توثيقاً له من دون معارض.
وأما تضعيف العلامة فمأخوذ من تضعيف بن الغضائري، فلا يكون معتبراً، وصرَّح بذلك الوحيد في التعليقة، وصاحب نقد الرجال.
وأما الحسن بن راشد فهذا العنوان مشترك بين ثلاثة أشخاص:
الأول: الحسن بن راشد الطفاوي، وضعفه النجاشي صريحاً[5] .
الثاني: الحسن بن راشد مولى بني العباس، كوفي من أصحاب الصادق(ع) كما في رجال الشيخ[6] ، وفي رجال البرقي ذكر أنه كان وزير المهدي وموسى وهارون[7] ، وذكره الشيخ في الفهرست، وذكر طريقه الى كتابه (الراهب والراهبة)، وفي طريقه القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد[8] ، وضعفه ابن الغضائري أيضاً قال: (مولى المنصور، أبو محمّد، روى عن أبي عبد اللّه، وأبي الحسن موسى عليهما السّلام، ضعيف في روايته.)[9] ، وذكر الشيخ الصدوق طريقين إليه، وفيهما القاسم بن يحيى.
الثالث: الحسن بن راشد مولى آل المهلب، يُكنى بأبي علي، بغدادي، ثقة، من أصحاب الجواد والهادي - عليهما السلام - وعدَّه المفيد (من الفقهاء الأعلام الرؤساء المأخوذ منهم الحلال والحرام، الذين لا يُطعن فيهم بشيء ولا طريق لذم واحد منهم..)، وذكره الشيخ الطوسي في الغيبة في جملة الوكلاء الممدوحين، ثم ذكر رواية فيها:
(كَتَبَ أَبُو الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ (ع) إِلَى الْمَوَالِي بِبَغْدَادَ وَالْمَدَائِنِ وَالسَّوَادِ وَمَا يَلِيهَا: قَدْ أَقَمْتُ أَبَا عَلِيِّ بْنَ رَاشِدٍ مَقَامَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّه، وَمَنْ قِبَلَهُ مِنْ وُكَلَائِي، وَقَدْ أَوْجَبْتُ فِي طَاعَتِهِ طَاعَتِي وَفِي عِصْيَانِهِ الْخُرُوجَ إِلَى عِصْيَانِي..)[10]
ورثاه الإمام (ع) بقوله: (ذَكَرْتَ ابْنَ رَاشِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ عَاشَ سَعِيداً وَمَاتَ شَهِيداً)[11] .
والظاهر أنَّ المراد من الحسن بن راشد في روايتنا هو الثاني، أي مولى بني العباس، وهو من أصحاب الصادق (ع)، بقرينة رواية حفيده القاسم بن يحيى عنه، ولا توثيق له كما تبين مما ذكرناه، بل عرفت تضعيف ابن الغضائري له، نعم ما تقدم من الشيخ الصدوق يمكن جعله توثيقاً له لكنه معارض بتضعيف ابن الغضائري كما تقدم.
البحث الدلالي: (مَنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ فَشَكَّ فَلْيَمْضِ عَلَى يَقِينِهِ، فَإِنَّ الشَّكَّ لَا يَنْقُضُ الْيَقِينَ)[12] .
يوجد في الرواية احتمالان: الأول أن تكون ناظرة الى الاستصحاب، والثاني أن تكون ناظرة الى قاعدة اليقين، وعلى الأول تكون دالة على حجية الاستصحاب، وأما على الثاني فهي تأمر المكلف بالبناء على اليقين، بمعنى البناء على مطابقته للواقع.
قد يقال بأنَّ هناك عدة ظهورات في هذه الرواية تختلف في كونها لصالح الاحتمال الأول أو لصالح الاحتمال الثاني:
الظهور الأول في كون زمان اليقين قبل زمان الشك، كما يستفاد من قوله (ع) (مَنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ فَشَكَّ)، وقد يقال أنَّ هذا الظهور لصالح الاحتمال الثاني لأنَّ ظاهر ذلك هو كون حصول الشك بعد اليقين، أي بعد زواله، وهذا لا ينطبق إلا على قاعدة اليقين، لوضوح عدم انطباقه على الاستصحاب لتعاصر زمان الشك مع اليقين فيه.
لكن قد يمنع هذا الكلام فإنَّ ما تدل عليه العبارة هو مجرد تقدم زمان اليقين على زمان الشك، وهذا لا يعني كون ولادة الشك بعد انتهاء زمان اليقين وزواله، بل يمكن أن يراد بالعبارة تقدم الحدوث على الحدوث، أي أنَّ ولادة الشك تكون بعد ولادة اليقين، وهذا لا ينافي التعاصر بأن يستمر اليقين الى زمان الشك، فيراد به الاستصحاب لا قاعدة اليقين، وعليه فلا بد لكي يتم استظهار قاعدة اليقين من ضم دعوى أنَّ أخذ البعدية في الرواية قرينة على إرادة قاعدة اليقين، لأنَّ البعدية غير معتبرة في الاستصحاب، بمعنى أنَّه لا فرق في جريان الاستصحاب بين أن يكون الشك بعد اليقين أو يكون حاصلاً قبله أو معه، بخلاف قاعدة اليقين إذ يعتبر فيها أن يكون الشك حاصلاً بعد اليقين حتى يسري إليه ويرفعه.