48/05/05
الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /الاستدلال بالأخبار / رواية الخصال
الموضوع: الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /الاستدلال بالأخبار / رواية الخصال
البحث الدلالي:
الاستدلال برواية إسحاق بن عمار (إِذَا شَكَكْتَ فَابْنِ عَلَى اَلْيَقِينِ، قَالَ قُلْتُ: هَذَا أَصْلٌ قَالَ: نَعَمْ) على الاستصحاب يتوقف على أن تكون ناظرة الى الاستصحاب، وذلك بأن يكون معناها هو إذا شككتَ في بقاء الشيء فابنِ على اليقين بالحدوث.
قد يقال: إنَّ هذا غير متعين، وذلك لوجود احتمالين آخرين في الرواية، فتكون اجنبية عن الاستصحاب ولا يصح الاستدلال بها، وهما:
الاحتمال الأول: أن تكون ناظرة إلى قاعدة اليقين بفراغ الذمة، وهو ظاهر كلام الشيخ في الرسائل[1] ، فيكون مفادها إذا اشتغلت ذمتك بشيء فلا بد من تحصيل اليقين بفراغ الذمة.
الاحتمال الثاني: أن تكون ناظرة قاعدة اليقين والشك الساري، فيكون مفادها إذا شككتَ وكان الشك سارياً الى اليقين السابق فابنِ على صحة اليقين ومطابقته للواقع ولا تعتنِ بالشك.
ويلاحظ عليه: أنَّ كلا الاحتمالين بعيد عن ظاهر الرواية، أما الأول فهو مخالف لظهورها في أنَّ اليقين اُخذ مفروغ الحصول مع الأمر بالبناء عليه، وأما في قاعدة اليقين بفراغ الذمة فيُطلب من المكلف تحصيل اليقين بالفراغ، فحمل الرواية على هذه القاعدة خلاف الظاهر.
وأما الثاني فكذلك لأنَّ الرواية كما تقدم تفترض وجود يقين وتأمر بالبناء عليه، والمفروض في قاعدة الشك الساري زوال اليقين بسريان الشك إليه، فحمل الرواية عليها خلاف الظاهر أيضاً.
ولكن يمكن أن يلاحظ على الثاني أنه يمكن تصور معنى للبناء على اليقين في قاعدة الشك الساري، وإن فُرض زواله، وهو أمر المكلف بالبناء على مطابقة اليقين الزائل للواقع.
والحاصل: إنَّ الأمر بالبناء على اليقين قرينة على افتراض وجود اليقين، وهذا موجود في قاعدة الشك الساري، بل فرض الشك يستلزم افتراض اليقين السابق، نعم هو غير موجود في قاعدة اليقين بفراغ الذمة.
نعم إذا استظهرنا من الرواية افتراض وجود اليقين في نفس المكلف في ظرف الشك - ولا مانع من اجتماعهما مع فرض تعدد زمان متعلقهما - فهذا يكون قرينة على حمل الرواية على الاستصحاب، لكن هذا الاستظهار غير واضح، إذ غاية ما يُفهم من قوله (ع): (إِذَا شَكَكْتَ فَابْنِ عَلَى اَلْيَقِينِ) هو فرض وجود اليقين والأمر بالبناء عليه، وهو أعم من الاستصحاب ومن قاعدة الشك الساري.
نعم قد يقال إنَّ اليقين المفروض وجوده إذا اُريد به اليقين بالحالة السابقة فتقديره وعدم ذكره يكون أمراً طبيعياً، وذلك باعتبار الملازمة الغالبية بين الشك وبين اليقين، إذ ما من شك إلا ومعه يقين بحالة سابقة، فكأنَّ المتكلم اعتمد في مقام بيان اليقين المقدر على بيان لازمه وهو الشك، وأما إذا اُريد به اليقين الذي تحتاجه قاعدة الشك الساري - أي اليقين الزائل بالشك الساري - فهذا مما لا يتفق للإنسان في شكوكه إلا نادراً، فإنَّ الشك بحسب العادة لا يكون مسبوقاً بيقين زال بسبب الشك، ومثل هذا اليقين لا بد من ذكره، وليس مما يُعتمد في بيانه على ذكر الشك.
ومرجع هذا التقريب الى أنَّ قاعدة الشك الساري تحتاج الى مؤونة بيان زائدة، وهي غير موجودة في الرواية، وعليه فالأقرب حملها على الاستصحاب، ويؤيد هذا الحمل ما تقدم من ارتكازية قاعدة الاستصحاب.
هذا تمام الكلام في الرواية الرابعة، وتبيّن أنَّ الاستدلال بها تام إذا تم سندها.
الرواية الخامسة: رواية الخصال[2] ، وهي ما ورد في حديث الأربعمائة، وأخرجه في الوسائل في الباب الأول من أبواب نواقض الوضوء الحديث 6: (مَنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ فَشَكَّ فَلْيَمْضِ عَلَى يَقِينِهِ فَإِنَّ الشَّكَّ لَا يَنْقُضُ الْيَقِينَ)[3] .
البحث السندي:
وسند الرواية في الخصال هو:
(حَدَّثَنَا أَبِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [الأشعري]، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ الْيَقْطِينِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ آبَائِهِ (ع) أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) عَلَّمَ أَصْحَابَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَرْبَعَمِائَةِ بَابٍ مِمَّا يُصْلِحُ لِلْمُسْلِمِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ...)[4]
والكلام في السند من جهة القاسم بن يحيى، وجده الحسن بن راشد، وأما باقي رجال السند فكلهم ثقات.