48/04/25
الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /الاستدلال بالاخبار / صحيحة زرارة الثالثة
الموضوع: الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /الاستدلال بالاخبار / صحيحة زرارة الثالثة
الاعتراض الثاني: وهو ما ذكره الشيخ الأعظم[1] ، وحاصله:
قوله: (قَامَ فَأَضَافَ إِلَيْهَا أُخْرَى) هل المراد بذلك هو الركعة المنفصلة أم المتصلة؟ فإن اُريد بها المنفصلة فهذا على خلاف الاستصحاب لأنه يقتضي الاتيان بركعة متصلة، وإن اُريد بها المتصلة فهو خلاف مذهبنا، فلا بد من حملها على معنى آخر، كأن يراد من (اليقين) اليقين بالبراءة وبفراغ الذمة بالبناء على الأكثر ثم يأتي بركعة منفصلة، فإنه إن بنى على الأربع وجاء بركعة منفصلة يحصل له اليقين ببراءة الذمة، لأنه على تقدير الاتيان بثلاث ركعات تكون هذه متممة لها، وعلى تقدير الاتيان بأربع ركعات تكون الركعة زائدة وتقع نافلة، وهذا بخلاف ما إذا بنى على الأقل وأضاف إليها ركعة متصلة لاحتمال الاتيان حينئذٍ بخمس ركعات، وهكذا إذا بني على الأكثر ولم يأتِ بركعة منفصلة فلا يقين ببراءة الذمة لاحتمال النقصان.
والحاصل: إنَّ الحكم بالإتيان بركعة منفصلة لا يمكن أن يكون من باب الاستصحاب، فلا بد أن لا يراد بقوله (وَلَا يَنْقُضُ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ) كبرى الاستصحاب، بل يراد به لزوم تحصيل اليقين ببراءة الذمة.
واجيب عنه بوجوه:
الوجه الأول: ما أشار إليه الشيخ نفسه، وذكره المحققان النائيني والعراقي، وحاصله هو حمل الرواية على التقية، لكن التقية في تطبيق الكبرى على المورد لا في أصل الكبرى، وهذا التفكيك بين الكبرى والتطبيق متعارف في الروايات ومثلوا له بروايات مثل (ذَاكَ إِلَى اَلْإِمَامِ إِنْ صُمْتَ صُمْنَا وَإِنْ أَفْطَرْتَ أَفْطَرْنَا)[2] ، فإنَّ الكبرى لا تقية فيها ولكن في تطبيقها على السلطان، وهكذا في مسألة الحلف على الطلاق مكرهاً، وأنَّ الحلف مرفوع بحديث الرفع، مع أنَّ الحلف باطل من الأساس، فلا تقية في حديث الرفع وإنما التقية في التطبيق على الإكراه على الحلف، والمقام من هذا القبيل فكبرى الاستصحاب ليس فيها تقية وصدرت بداعي بيان الحكم الواقعي لكن تطبيقها فيه تقية.
وذُكرت ملاحظتان على الجواب:
الملاحظة الأولى: أنَّ حمل الرواية على التقية بعيد جداً ولو كان بلحاظ التطبيق، وذلك لظهور الرواية في أنَّ المراد بالركعتين هما المنفصلتان، وذلك بقرينتين:
القرينة الأولى: قوله (ع) في الجواب عن السؤال الأول: (يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ وأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وَهُوَ قَائِمٌ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) الظاهر في الركعتين المنفصلتين، وهو قرينة على أنَّ المراد من قوله في محل الكلام (قَامَ فَأَضَافَ إِلَيْهَا أُخْرَى) هو المنفصلة أيضاً.
ويضاف اليها ما تعرض له الامام (ع) من ذكر الخصوصيات في جواب السؤال الأول: (قَالَ: يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وَهُوَ قَائِمٌ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَيَتَشَهَّدُ ولَا شَيْءَ عَلَيْهِ) الذي يشهد أنَّ المراد هو الركعتين المنفصلتين، وهذا قرينة على أنَّ المراد في فقرة الاستدلال هو الركعة المنفصلة.
القرينة الثانية: الجمل المتكررة والمتعاطفة ذات المعنى الواحد (وَلَا يَنْقُضُ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ وَلَا يُدْخِلُ الشَّكَّ فِي الْيَقِينِ وَلَا يَخْلِطُ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ...) الذي يُفهم منه الإصرار على بيان الحكم، وهو عادة لا يكون إلا عند بيان الحكم الواقعي، وأما الحكم التقيتي فيُقتصر فيه على أقل ما يمكن من البيان.
ويلاحظ على هذه القرينة: بأنَّ هذه الجمل المتعاطفة تُشير الى الكبرى، والمجيب يُسلم أنَّها لم تصدر للتقية، وإنما التقية في التطبيق.
الملاحظة الثانية: وهي ما ذكره المحقق العراقي[3] ، وحاصله:
إنَّ أصالة الجهة في الكبرى معارضة بأصالة الجهة في التطبيق، فإنه كما يمكن إجراء أصالة الجهة في الكبرى وفرض كون التطبيق للتقية، كذلك يمكن فرض العكس أي إجراء أصالة الجهة في التطبيق مع كون التقية في الكبرى، فيكون تطبيق الكبرى الصورية على المورد حقيقياً، ولا يكمن إجراؤها فيهما معاً لأنه ينتج وجوب الاتيان بركعة متصلة، وهو على خلاف الضرورة من مذهبنا فيقع التعارض بين الأصلين، ومع التعارض يتساقطان ومعه لا مجال للاستدلال بالصحيحة على كبرى الاستصحاب.
وأجاب المحقق العراقي بنفسه عنها[4] بأنَّ تحقق المعارضة بين الأصلين فرع ثبوت أثر عملي لكل واحد من الأصلين، وفي محل الكلام جريان الأصلين فرع ثبوت أثر عملي على أصالة الجهة في التطبيق حتى في فرض صدور الكبرى تقية، وفرع ثبوت أثر عملي على أصالة الجهة في الكبرى حتى مع فرض كون التطبيق للتقية، وأما إذا فرضنا أنَّ أصالة الجهة في التطبيق لا يترتب عليها أي أثر في صورة صدور الكبرى تقية، وهو كذلك في المقام إذ لا أثر للتطبيق بعد فرض صدور الكبرى تقية، وأما العكس فليس كذلك إذ يترتب الأثر على جريان أصالة الجهة في الكبرى وهو إثبات كبرى الاستصحاب، ولذا لا تُعارض أصالةُ الجهة في التطبيق أصالةَ الجهة في الكبرى، فتبقى في الكبرى بلا معارض، وتثبت أنها صادرة بداعي بيان الحكم الواقعي، فيصح الاستدلال بالكبرى على الاستصحاب.