48/04/01
الموضوع: الأصول العملية/ الاستصحاب/ أدلة الاستصحاب / الأخبار- صحيحة زرارة الثانية
كان الكلام في الاحتمال الأول من الفقرة الثالثة في صحيحة زرارة الثانية، وقد فُرض فيه حصول العلم بعدم النجاسة بعد الفحص كما فرض فيه حصول الشك بعد الصلاة، وحاصل المناقشة فيه هي أنَّ الأمر الأول لا يُستفاد من الرواية، لأنَّ قوله: (فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً) أعم من حصول العلم بالطهارة ومن حصول الشك فيها.
وبناءً عليه لا يمكن تطبيق الرواية على قاعدة اليقين، ويمكن تطبيق الاستصحاب بلحاظ السؤال، ولا يمكن تطبيقه بلحاظ حال الصلاة، أما الأول فلعدم حصول اليقين بعد الفحص، وأما الثاني فلتوفر أركان الاستصحاب وهي اليقين السابق بطهارة الثوب والشك اللاحق في ارتفاعها، وأما الثالث فلعدم توفر أركان الاستصحاب حال الصلاة، لأنه يتوقف على حصول الشك حال الصلاة، وهو لا يُستفاد من قوله: (فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً)، وإنما مفادها هو عدم حصول العلم بالنجاسة، وهو أعم من العلم بعدم النجاسة ومن الشك فيها، فكما لا يدل على الأول كذلك لا يدل على الثاني.
وأما الأمر الثاني: - أي حصول الشك بعد الصلاة - فإنه يتم بناءً على نسخة التهذيب - (فَرَأَيْتُ فِيهِ) - دون نسخة العِلل - (فَرَأَيْتُهُ فِيهِ) - لظهورها في أنه رأى نفس النجاسة التي فحص عنها، وهذا يعني العلم بعد الصلاة بوقوعها بالثوب النجس، فلا شك بعد الصلاة في نجاسة الثوب حال الصلاة، فلا يجري الاستصحاب بلحاظ ما بعد الصلاة أيضاً، بل حتى بناءً على نسخة التهذيب يمكن دعوى استفادة حصول العلم بوقوع الصلاة مع النجاسة لجواز حذف المفعول مع تقدم ذكره، فقوله: (فَرَأَيْتُ فِيهِ) راجع الى ما تقدم ذكره، وهو نظير قوله تعالى: ﴿مَا هَـٰذَاۤ إِلَّا بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡ یَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَیَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ﴾ [المؤمنون ٣٣]، أي تشربون منه.
الأمر الثالث: إنَّ ظاهر الرواية بقرينة سؤال زرارة عن علة عدم الإعادة - أي قوله (لِمَ ذَلِكَ) - هو مشاركة السؤال الثالث مع الفرضين السابقين في العلم بوقوع الصلاة مع النجاسة، حتى يصح سؤال زرارة عن وجه تخصيصه بعدم وجوب الإعادة دون الفرضين السابقين، ومنه يظهر أنَّ المفروض في هذه الفقرة هو حصول العلم بعد الصلاة بوقوعها مع النجاسة للقرائن المتقدمة.
ويضاف إليه ما ورد في نسخة العِلل الذي هو صريح في رؤية نفس ما فحص عنه، فإنَّ الظاهر عدم التعارض بين النقلين، وإنما هما من قبيل المجمل والمبيَّن، بمعنى أنَّ ما في التهذيب مجمل وما في العِلل مبيّن له - أو بالعكس - هذا بعد الفراغ عن جواز النقل بالمعنى، هذا كله بلحاظ ما بعد الصلاة.
وأما في أثناء الصلاة فقد تقدم أنَّ قوله: (فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً) لا يُستفاد منه إلا عدم العلم بالنجاسة، وهو أعم من العلم بالعدم ومن الشك فيها، فلا يُستفاد منها حصول العلم بعدم النجاسة ولا حصول الشك في النجاسة، ولذا لا تنطبق على المقام قاعدة اليقين لعدم احراز حصوله بعد الفحص، ولا ينطبق الاستصحاب بلحاظ حال الصلاة لعدم احراز الشك كما تقدم.
وقد يقال: إنَّ هناك قرينة على عدم حصول اليقين بعدم النجاسة وحصول الشك فيها، وهي قوله في صدر الرواية (أَصَابَ ثَوْبِي دَمُ رُعَافٍ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مَنِيٍّ فَعَلَّمْتُ أَثَرَهُ إِلَى أَنْ أُصِيبَ لَهُ مِنَ اَلْمَاءِ..) فإنَّ المستفاد منه كون النجاسة المفروضة قليلة، وإلا تكون واضحة ولا تحتاج الى جعل علامة عليها، ومن الواضح أنَّ مثل هذه النجاسة لا يكون الفحص عنها وعدم العثور عليها موجباً لحصول اليقين بعدمها عادةً، بل يبقى الشك المعبَّر عنه في الرواية بظن الإصابة.
هذا مع أنَّ فرض حصول اليقين يحتاج الى مؤنة إثباتية لم يُشر إليها في السؤال، بخلاف فرض الشك المفروض وجوده قبل الفحص فإنَّ بقاؤه على حاله لا يحتاج الى مؤنة إثباتية.
ومنه يظهر أنَّ الأقرب في تفسير هذه الفقرة هو الاحتمال الثاني - في قبال الاحتمال الأول - وعلى هذا الاحتمال يكون المراد من اليقين - في قوله (ع): «لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ ثُمَّ شَكَكْتَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْقُضَ اَلْيَقِينَ بِالشَّكِّ أَبَداً» - هو اليقين السابق على ظن الإصابة، والمراد بالشك هو الشك حال الصلاة، فيكون مورداً للاستصحاب بلحاظ حال الصلاة.