47/11/07
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر/
التنبيه الثاني عشر: في حرمة الاضرار بالنفس
والكلام فيه يقع عن حرمة الاضرار بالنفس بعد الفراغ عن حرمة الاضرار بالغير، ويُفهم من كلامهم التفصيل بين الضرر البليغ وبين غيره، أما الضرر البليغ فلا خلاف في حرمته، وفُسِّر بما يصل الى حد القاء النفس في التهلكة، وإنما الخلاف في الضرر غير البليغ فهل يحرم أو لا؟
يُستدل للحرمة بقاعدة (لا ضرر)، وبغيرها حيث استدلوا بروايتين:
الأولى: رواية طلحة بن زيد المروية في الوسائل في باب أحياء الموات ب 12 الحديث 2، وهي في الكافي تحت عنوان (باب الضرار) الحديث1:
محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (ع) قال: (إن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم)[1]
ويروها الشيخ الكليني في موضع آخر كاملة، في الجزء5 ص 31 في باب اعطاء الأمان الحديث5:
بالسند السابق عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله، عن أبيه (عليه السلام) قال: (قرأتُ في كتاب لعلي عليه السلام أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتبَ كتاباً بين المهاجرين والانصار ومن لحق بهم من أهل يثرب، أنَّ كل غازية غزت بما يعقب بعضها بعضاً بالمعروف والقسط بين المسلمين، فإنه لا يجوز حرب إلا بإذن أهلها، وإن الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم، وحرمة الجار على الجار كحرمة امه وأبيه، لا يُسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على عدل وسواء.)
أما السند فلا يوجد من يُخدش فيه إلا طلحة بن زيد، إذ لا نص على وثاقته، ولكن يمكن تجاوز ذلك باعتبار أنَّ الشيخ الطوسي قال عند ذكره (إنَّ له كتاباً معتمداً) وهذا كافٍ في رأينا في إمكان الاعتماد عليه، فالرواية معتبرة سنداً.
وأما الدلالة أي فقرة (وأنَّ الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم) فـــ (الجار) فيه احتمالان الأول بمعنى المجاورة، والثاني بمعنى أعطاه الأمان، والمراد به إما المجُير (اسم فاعل) وإما المُجَار (اسم مفعول)، والظاهر من الشيخ الكليني في الموضع الثاني أنَّ المراد منه هو المعنى الثاني أي أعطاه الأمان، والظاهر أنَّ المقصود في الرواية هو المُجار لا المجير بقرينة تنزيله منزلة النفس، وهذا المعنى يصعب افتراضه في المجير، والمعنى حينئذٍ أنَّ المجار بمنزلة النفس لا يلحق به ضرر ولا إثم.
ويحتمل أيضاً أن يراد به المجير، ويكون المعنى أنه يجب أن يكون المجير غير مضار ولا آثم في حق المجار.
والاستدلال بالرواية بتقريب أنَّ ظاهر الرواية المفروغية عن حرمة الاضرار بالنفس، فكما يحرم الاضرار بالنفس يحرم الاضرار بالجار، وهذا يجري على كلا احتمالين في (الجار)، فتدل على حرمة الاضرار بالنفس.
وقد يناقش في هذا التقريب بأن يقال: إنّ الرواية لا ظهور لها في المفروغية عن حرمة الاضرار بالنفس، إذ يُحتمل أن تكون بصدد المفروغية عن عدم اضرار الانسان بنفسه، وأنَّ الجار كالنفس فكما أنَّ الانسان لا يضر بنفسه تكويناً فكذلك ينبغي أن لا يضر بجاره ومن أعطاه الأمان، وهذا المعنى يصح حتى إذا فرضنا عدم حرمة الاضرار بالنفس، وهذا الاحتمال إذا وصل الى حد الظهور فلا يصح الاستدلال بالرواية، وإن لم يصل الى ذلك فهو يوجب اجمالها ولا يصح الاستدلال بها أيضاً.
الرواية الثانية: قوله عليه السلام: (وعلم ما يضرهم فنهاهم عنه وحرمه عليهم) فتدل على أنَّ كل ما يضر الانسان يكون منهياً عنه ومحرماً عليه، ومقتضى اطلاقها هو حرمة كل اضرار بالنفس، وهذه الفقرة من رواية طويلة أخرجها صاحب
الوسائل، في أبواب الأطعمة المحرمة، الباب 1 الحديث1:
(عن مفضّل بن عمر، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني جعلني الله فداك لمَ حرّم الله الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير؟ قال: إنَّ الله تبارك وتعالى لم يحرّم ذلك على عباده وأحلّ لهم ما سواه من رغبة منه فيما حرّم عليهم، ولا زُهدٍ فيما أحلّ لهم، ولكنّه خلق الخلق، فعلم ما تقوم به أبدانهم، وما يصلحهم، فأحلّه لهم وأباحه؛ تفضّلاً منه عليهم به لمصلحتهم، وعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه وحرّمه عليهم، ثمَّ أباحه للمضطرّ...) [2]
والرواية مروية بطرق عديدة، منها طرق الشيخ الكليني:
1. عن عدَّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد.
2. وعن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعاً، عن عمرو بن عثمان، عن محمّد بن عبد الله، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام.
3. وعن عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن أسلم - وليس (مسلم) كما في الوسائل - عن عبد الرحمان بن سالم، عن مفضّل بن عمر.
ومنها ما ذكره صاحب الوسائل:
1. ورواه الصدوق بإسناده عن محمد بن عذافر، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام.
2. ورواه في (الأمالي) عن محمّد بن الحسن، عن الصفّار، عن محمد ابن الحسين - يعني ابن أبي الخطاب -، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمد بن عذافر، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام.
3. ورواه في (العلل) بهذا الإِسناد عن محمد بن عذافر، عن بعض رجاله، عن أبي جعفر عليه السلام.
4. ورواه فيه أيضاً عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، وإبراهيم بن هاشم جميعاً، عن محمد بن اسماعيل بن بزيع، عن محمد بن عذافر، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام.
5. ورواه البرقي في (المحاسن) عن محمّد بن علي، عن محمد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن سالم، وعن محمد بن عليّ، عن عمرو بن عثمان.
6. ورواه العياشي في (تفسيره) عن محمد بن عبد الله، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (ع).
7. ورواه الشيخ بإسناده عن (محمد بن أحمد بن يحيى) عن أبي إسحاق، عن عمرو بن عثمان مثله.
ويلاحظ أنَّ كل هذه الطرق لا تخلو من خدشة، فالطريق الاول من طرق الكافي فيه سهل بن زياد، والثاني فيه (بعض أصحابنا) وهو إرسال، والثالث فيه (محمد بن أسلم) وهو مجهول، و(عبد الرحمن بن سالم) مجهول أيضاً.
وطريق الصدوق فيه (محمد بن عذافر) وهو منصوص على وثاقته، ولكن أبوه لا دليل على وثاقته، وهذا السند متكرر في باقي كتب الشيخ الصدوق، وكذا عن محمد بن عذافر (عن بعض رجاله) كما في (العلل) هو إرسال أيضاً.
نعم قد يُعتمد على تعدد هذه الطرق فيدعى أنه يحقق الاستفاضة، وهي توجب حصول الوثوق بتمامية السند وصحة الرواية، لكنه يحتاج الى تتبع، والظاهر أنَّ رواة الرواية اثنان هما أبو محمد بن عذافر والمفضل بن عمر، وهذا لا يحقق الاستفاضة التي توجب الاطمئنان بصحة الخبر وصدوره عن الامام عليه السلام.
وأما الدلالة، فهل الرواية ناظرة الى كل ضرر ولو كان طفيفاً أم هي ناظرة الى خصوص الضرر البليغ؟
قيل إنَّ الرواية ناظرة الى الضرر البليغ، ولا إطلاق فيها لشمول كل ضرر، لكن الظاهر أنها خالية عما يدل على ذلك، خصوصاً فقرة الاستدلال (.. وعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه وحرّمه عليهم..)، فلا يبعد أن تعم الرواية الضرر الذي هو محل الكلام، هذا كله في الاستدلال بالروايات.
الاستدلال بالقاعدة:
وأما الاستدلال بقاعدة (لا ضرر) على حرمة الاضرار بالنفس فالمُسلَّم عند الاصحاب أنَّ القاعدة تدل على حرمة الاضرار بالغير، وإنما الكلام في دلالتها على حرمة الاضرار بالنفس، فهل تدل عليه أو لا؟