« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الأصول

47/11/04

بسم الله الرحمن الرحيم



الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

الملاحظة على الوجه الثالث لتقريب الجواب الثاني:

إنَّ القرينة المتصلة التي ذكرها - والتي تقتضي اختصاص الحديث بالأحكام التي يكون الضرر فيها طارئاً - إن تمت فلا حاجة إلى التمسك بفكرة القدر المتيقن، نعم نحتاج الى ذلك فيما إذا فرضنا أنّ القرينة المتصلة ليست واضحة، وانما يحتمل أن تكون قرينة، فيدخل المورد في باب احتفاف الكلام بما يحتمل أن يكون قرينة، فيمنع من الإطلاق، لكنه لا ينفع لإثبات اختصاص الحديث بالأحكام التي يكون الضرر فيها طارئاً إلا بالاستعانة بكونه قدراً متيقناً من الحديث.

مع ملاحظة أنّ هذا الوجه يحتاج إلى اثبات أنّ هذه الأحكام كانت ثقيلة على المسلمين كما ذكر، وأنهم يتمسكون بما يكون سبباً شرعياً لرفعها، وأنه لم يُنقل عن أحد منهم التمسك بالحديث لنفي هذه الأحكام، فإن تم جميع ذلك فلا بأس به.

الوجه الرابع: وهو ما ذكر في الكفاية، وحاصله: إنّ الحكم المراد نفيه بقاعدة لا ضرر هو الحكم الثابت للأفعال بعناوينها الأولية، كوجوب الوضوء ووجوب الغسل ولزوم المعاملة، وأما الأحكام الثابتة للأفعال بعنوانها الثانوية - أي بعنوان الضرر - فلا تشملها القاعدة، وذلك باعتبار أنّ الضرر في القاعدة هو العلة لنفي الحكم، والحكم المراد نفيه إذا كان من النوع الثاني - أي كان ثابتاً بعنوان الضرر - فيقع التنافي بينه وبين القاعدة، ولا يمكن الجمع بينهما، وعليه يختص الحديث بالأحكام التي يكون الضرر فيها طارئاً، فيكون خروج هذا النوع من الأحكام خروجاً تخصصياً.

وفيه: منع أن يكون الحكم في باب الجهاد والخمس والزكاة ونحوها ثابتاً لها بعنوان الضرر، ومنع كون الضرر هو المقتضي لثبوت الحكم في هذه الموارد، بل هو ثابتٌ لها لا بعنوان الضرر، بل بعنوانه الأولي كالجهاد، كما أنّ المقتضي للحكم فيها هو المصالح المترتبة عليها، فلا محذور في كون الضرر مانعاً عن الحكم فيها كما في غيرها من الموضوعات غير الضررية بطبعها.

نعم قد يقال بأنَّ المحذور من شمول القاعدة لهذه الأحكام هو لغوية جعلها، لأن كونها ضررية دائماً -كما هو المفروض- يستلزم أن يكون جعلها في الشريعة ثم رفعها بحديث لا ضرر لغواً، إذ أي فائدة تترتب على جعل وجوب الجهاد ونحوه ثم رفعه بالحديث!

ويحتمل أن يكون هذا هو مراد المحقق الخراساني، وهو وجه لا بأس به لتخريج الخروج التخصصي من الحديث، وإذا تم هذا الوجه فيكون الجواب الثاني عن الاشكال تاماً.

الجواب الثالث: وهو دعوى عدم صدق الضرر في كثير من هذه الموارد، وتوضيح ذلك من خلال نقاط يُتعرض فيها لجملة من الأحكام ويبين فيها أنها ليست ضررية أصلاً:

أولاً: لا يراد من الضرر مطلق النقص في المال والبدن، بل المراد أن يكون المال مثلاً أنقص مما ينبغي أن يكون عليه، إما بلحاظ المالية وإما بلحاظ الكمية، وأما إذا نقص بصرفه على نفسه وعياله أو شأناً من شؤونه فإنه لا يعد ضرراً عليه، لأن المال ينبغي أن ينقص بصرفه في هذه الموارد، وهكذا إذا صرفه في الحقوق العرفية، فإذا ألزمه الشارع بذلك فلا يعد ضرراً، وعلى هذا الأساس يظهر عدم صدق الضرر على جملة من الموارد التي نُقضَ بها كالنفقات، بل حتى وجوب الخمس والزكاة التي تصرف في المصالح العامة ويعود نفعها على نفس المكلف.

ثانياً: إنّ قسماً من الأحكام المذكورة لا يوجب ضرراً بحسب الحقيقة وإنما هو مجرد عدم حصول النفع، كما في وجوب الخمس في الغنيمة بمعناها الواسع، وذلك بأن يقال إنّ الشارع جعل الاغتنام سبباً لملكية أربعة أخماس المال، وأما الخمس الخامس فلم يدخل في ملكه أصلا حتى يكون إخراجه ضرراً عليه، وهذا رأي مذكور في باب الخمس، وبناءً عليه يكون ذلك من قبيل عدم النفع لا من قبيل الضرر.

ثالثاً: إن إمضاء الشارع لما أقدم عليه المكلف من تحمل الضرر ليس ضرراً، كما لو اشترى شيئاً بمعاملة واسقط جميع خياراته، أو اشترى مع علمه بالغبن، أو لو نذر صرف مالٍ في شيء معين، فإذا حكمَ الشارع باللزوم وعدم الخيار، وحكم بوجوب الوفاء بالنذر، فلا يكون حكمه إلا إمضاءً لما أقدم عليه المكلف، وهذا لا يعد ضرراً.

logo