47/11/03
/ قاعدة لا ضرر/الأصول العملية
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر/
الجواب الثاني: وهو دعوى أنَّ هذه الموارد - أي الأحكام الضررية بطبعها - خارجة عن القاعدة تخصصاً ولا محذور في ذلك ولو كانت هي الأكثر، أو قل القاعدة ناظرة الى الأحكام التي يطرأ عليها الضرر، وأما الأحكام التي هي بطبعها ضررية فلا تشملها القاعدة.
وأما إثبات أنها خارجة بالتخصص فتقريبه بوجوه:
الوجه الأول: ما عن المحقق النائيني وحاصله: أنّ القاعدة ناظرة إلى الأحكام الأولية وتكون مخصصة لها بلسان الحكومة، ولازم الحكومة وهو أن يكون المحكوم سنخ حكم لا يقتضي الضرر بطبعه، وذلك لأن المحكوم لو كان يقتضي الضرر بطبعه للزم التنافي والتعارض بين قاعدة (لا ضرر) وبين دليل ذلك الحكم، لأن تلك الأحكام تثبت الضرر والقاعدة تنفيه فيتعارضان، وتكون النسبة بينهما هي التباين، ويعتبر في الحكومة أن لا تكون النسبة بين الدليلين هي التباين.
الوجه الثاني: ما ذكره السيد الشهيد في مقام تفسير كلام المحقق النائيني، وحاصله:
إنّ حديث (لا ضرر) يكون حاكماً على أدلة الأحكام الأولية بملاك النظر إليها، والنظر الى الحكم فرع الفراغ عن ثبوت ذلك الحكم، فلابد أن يكون الحديث رافعاً لإطلاق ذلك الدليل لا نافياً لأصل الدليل، وبذلك يتبين أن الحديث يكون ناظراً إلى الأحكام التي لا تكون ضررية بطبعها، فيكون خروج الأحكام الضررية من باب التخصص والخروج الموضوعي لا من باب التخصيص، فلا يلزم محذور تخصيص الأكثر.
ثم أجاب عنه: بأننا نُسلم أنَّ الحكومة تكون بملاك النظر، وأن النظر يقتضي الفراغ عن فرض ثبوت المحكوم، لكن حديث (لا ضرر) هل يكون ناظراً إلى كل حكمٍ حكم من الأحكام الشرعية أو يكون ناظراً الى الشريعة ككل؟
الصحيح أنّ النظر في الحديث الى الشريعة بما هي مجموعة من الأحكام والقوانين، والحديث ينفي ثبوت الحكم الضرري في هذه الشريعة التي هي مفترضة وثابتة في المرحلة السابقة، ولا فرق في الحكم المنفي بين يكون إطلاقه ضررياً وبين أن يكون أصله ضررياً، ونكتة النظر والمفروغية عن ثبوت الدليل المحكوم صحيحة لكنها لا تقتضي الاختصاص بالضرر الطارئ، وعليه فالجواب المتقدم غير تام.
والتعليق عليه: إنّ هذا الجواب إذا تم عن الوجه الثاني لتقريب الخروج الموضوعي فكذلك يصلح أن يكون جواباً عن الوجه الأول، وذلك باعتبار أنّ حديث (لا ضرر) إذا كان ناظراً إلى الشريعة فتكون النسبة بينه وبينها هي نسبة العموم والخصوص المطلق فتصح الحكومة، من دون فرق بين أن يكون المنفي الضرر فيه طارئاً أو متأصلاً.
الوجه الثالث: وحاصله منع انعقاد ظهور الحديث في الإطلاق بنحو يشمل الأحكام الضررية بحسب طبعها فيكون خروجها تخصصياً، مع إضافة أنَّ القدر المتيقن من الحديث هو الأحكام التي يكون الضرر فيها طارئاً فيقتصر عليه، أما أنَّ ذلك هو القدر المتيقن فباعتبار أنّ مورد القاعدة هو الحكم الذي لا يكون ضررياً بطبعه، بشاهد مورد الحديث فإن ملكية النخلة في بستان الغير تستبع حق الاستطراق إليها، وأصل هذا الحق ليس ضررياً، وإنما الضرر في إطلاق هذا الحق، أي في الدخول والخروج بلا استئذان.
وأما منع إطلاق الحديث فباعتبار أنَّ الأحكام الضررية بطبعها هي من مشهورات أحكام الإسلام، وحيث أنّ أصحاب النبي كانوا حديثي العهد بالإسلام فتثقل عليهم هذه الأحكام، ولكن لم ينقل من أحد منهم تصور شمول الحديث لهذه الأحكام! وكأنَّ ذلك يكون قرينة متصلة تمنع من انعقاد ظهور إطلاق فيه بحيث يشمل مثل هذه الأحكام، على أنّ المنفي شرعاً هو خصوص الضرر الطارئ، فلا ينعقد له ظهور في الإطلاق.