47/08/21
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
كان الكلام في أنَّ قاعدة (لا ضرر) هل تجري لنفي الضمان على المالك الذي أضرَّ بالغير بتصرفه في ملكه حتى لو قلنا بجواز ذلك تكليفاً أو لا؟
قلنا لا إشكال في كونه ضامناً لإتلاف مال الغير، ولا يحتمل جريان القاعدة لنفيه بدعوى أنه ضرر على المالك، وذلك لأنَّ الحكم بالضمان مبني على الضرر ولا تجري القاعدة في مثله.
والحكم بالضمان يكون واضحاً إذا فرضنا أنَّ التصرف أدى الى نقص في مال الغير في العين كتلف البئر أو في الصفة كتغير طعم الماء، وأما إذا أدى الى تَنفُّر الطبع من جهة قربه من البالوعة من دون أن يحدث فيه أي تغير - وهو ما يوجب قلة المالية وقلة الرغبة العقلائية في هذا الماء - فهل يوجب مثل هذا الضرر الضمان أو لا؟
المعروف عدم الضمان وذلك باعتبار أنه لم يُتلف مال الغير وإنما أتلف ماليته - بنقص قيمته - وهو ليس من موجبات الضمان، ولهذا لم يستشكل أحد فيما لو عرض تاجر بضاعة مماثلة لما في السوق وأدى ذلك الى قلة مالية المماثل فإنه لا يكون موجباً للضمان.
والحاصل: لا دليل على ضمان المالية، وإنما قام الدليل على ضمان المال، فإن فَعلَ ما يوجب نقصاً في مال الغير ذاتاً أو صفةً كان ضامناً للمالك ذلك النقص، وأما إذا أوجب نقصاً في ماليته وقيمته فلا ضمان.
ومن هذا القبيل ما لو غصب عباءةً صيفيةً في الصيف وأرجعها في الشتاء، أو غصب ثلجاً في الصيف وأرجع مثله في الشتاء، فإنه لا يكون ضامناً لأنه أرجع نفس المغصوب أو مثله، نعم القيمة تكون أقل في الزمان الثاني لكنه غير مضمون لعدم الدليل على ضمان المالية.
وذكر السيد الشهيد قده في محل الكلام أنه لابد من التمييز بين نقصان المالية من جهة نقصان القيمة الاستعمالية للشيء وبين نقصان المالية الناشئ من نقصان القيمة التبادلية للشيء، لأنَّ المال له قيمتان: قيمة استعمالية وهي الحاصلة من منافع المال وإشباعه حاجة الناس، بغض النظر عن عامل العرض والطلب، وقيمة تبادلية ويراد بها قوة تبادل هذا المال بمال آخر، هي القيمة الحاصلة من سعر السوق التي تعتمد على العرض والطلب.
والقيمة الاستعمالية دخيلة في تكوين القيمة التبادلية، ولكن يدخل فيها - أي التبادلية - أيضاً عامل العرض والطلب، وهذا العامل ليس مؤثراً في القيمة الاستعمالية، فالقيمة الاستعمالية للشيء هي وصف من الأوصاف القائمة بالشيء، فهي حيثية قائمة به كسائر الحيثيات الأخرى القائمة بالشيء، وهذه الحيثية تستند الى أمور خارجية وأخرى نفسية، أي أنها كما تستند الى سواد العباءة كذلك تستند الى الحاجة الى العباءة الصيفية أو الثلج باعتبار حرارة الجو، وكذا الكلام في ماء البئر فإنَّ قابلية الانتفاع به تستند الى عذوبته وصفائه كما تستند الى بُعده عن البالوعة بحيث ينشرح الطبع إليه ولا ينفر منه، وقيمته الاستعمالية تقل إذا حصل ما يوجب هذا التنفُّر، وحينئذٍ إذا كان النقصان في القيمة الاستعمالية والمنفعة الذاتية للشيء فلابد من الضمان، لأنَّ القيمة الاستعمالية وقابلية الانتفاع صفة واقعية قائمة بالشيء ويُعد نقصانها نقصاناً في المال، وأما إذا كان النقصان في القيمة التبادلية السوقية للشيء من جهة كثرة العرض فلا ضمان، لأنه ليس نقصاً ولا ضرراً في المال الموجود وإنما النقص أمر تقديري.
وهل يمكن تطبيق ذلك على الأوراق النقدية كما إذا غصب من شخص ألف دينار قبل خمسين عاماً ثم هبطت قيمة الدينار فهل يضمن نقصان المالية أو يضمن المثل؟
قد يقال بأنَّ مالية الأوراق النقدية وقيمتها هي من جملة خصائصها وصفاتها المعتبرة فيها عقلائياً، لأنها أُعدت لأن تكون أوراقاً نقدية، فإذا لزم من تأخير دفعها سقوط جزء من ماليتها كان ضامناً.
والحاصل: إنَّ الأوراق النقدية تختلف عن سائر الأموال الأخرى كالعباءة والقلم والدار التي تكون قيمتها الاستعمالية وقابلية الانتفاع بها باعتبار ما تتصف به من صفات خارجية أو نفسية فهي معدة لكي ينتفع بها بأعيانها، وأما الأوراق النقدية فإنَّ قيمتها الاستعمالية وقابلية الانتفاع بها ليس بأعيانها لوضوح أنها لا قيمة لها ولا منفعة بأعيانها، وإنما تكون منفعتها وقيمتها الاستعمالية بماليتها وقيمتها التبادلية، وهذا يعني أنَّ قيمة الأوراق النقدية التبادلية وماليتها هي القيمة الاستعمالية لها فتكون مضمونة.
نعم يمكن أن يُستشكل في تطبيق هذا الكلام على مثال العباءة، باعتبار أنَّ النقصان في المالية ناشئ من عامل الزمان، الراجع بحسب الحقيقة الى قانون العرض والطلب، فإنَّ العباءة الصيفية يقل الطلب عليها في الشتاء ويزداد الطلب عليها في الصيف، فالنقصان في مالية العباءة الصيفية في الشتاء لم ينشأ من فقدان صفة من صفاتها وخصوصية من خصوصياتها حتى يكون ذلك موجباً للضمان وإنما نشأ من قلة الطلب عليها.
هذا تمام الكلام في التنبيه التاسع، ثم يقع الكلام في التنبيه العاشر إن شاء الله تعالى.