47/08/18
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
الوجه الثالث: دعوى المعارضة بين الضررين، أي بين جريان (لا ضرر) بحق الجار لنفي سلطنة المالك لكونها ضرراً على الجار، وبين جريانها بحق المالك لأنَّ منعه من التصرف في ملكه ضرر عليه، فتقع المعارضة لاستحالة شمول دليل (لا ضرر) لجواز تصرف المالك لكونه ضررياً على الجار، وشموله لحرمة الحفر على المالك باعتباره ضررياً عليه، كما أنه لا مرجح لأحدهما على الآخر فلا يكون حديث (لا ضرر) شاملاً للمقام حتى يكون نافياً لسلطنة المالك.
وصرَّح السيد الخوئي قده بأنَّ هذا الوجه يختص بما إذا كان منع المالك من الحفر ضرر عليه، وأما إذا فرضنا أنَّ منعه لا يترتب عليه ضرر وإنما مجرد حرمانه من المنفعة فلا تجري القاعدة لنفي المنع من التصرف.
وقد يقال: بتعميم هذا الوجه لفوات المنفعة فيما إذا فرضنا أنَّ سلطنة المالك الثابتة بدليلها - والمفروض كونها مطلقة لصورة لزوم الإضرار بالغير - حتى إذا لم يكن في ترك الحفر ضرر على المالك، فإنه حينئذٍ تدخل المسألة في تعارض الضررين، لأنه بعد ثبوت هذا الحق يكون منعه منه ضرراً عقلائياً عليه وإن لم يتضرر خارجاً.
وفيه: أنَّ المتيقن من السلطنة الثابتة بالسيرة أو الاجماع أو الارتكاز على التصرف المضر بالغير ما إذا تضرر المالك من منعه من التصرف، وأما إذا لم يتضرر المالك من ذلك فلا سيرة ولا ارتكاز ولا إجماع على سلطنته على التصرف المضر بالغير، وعليه فلا يثبت حق التصرف للمالك في هذه الصورة لأنَّ المفروض فيها عدم تضرر المالك خارجاً من منعه من التصرف المضر بالغير، فلا حق له عقلائياً حتى يقال أنَّ منعه من هذا الحق ضرر عليه فيتعارض الضرران!
وعليه فالصحيح هو اختصاص هذا الوجه بصورة ما إذا تضرر المالك من المنع.
جواب المحقق النائيني قده:
وأجاب المحقق النائيني عن هذا الوجه بأنه لا معنى لتعارض الضررين، لأنه لا يمكن أن يصدر حكمان متضادان - أي جواز تصرف المالك المضر بالجار وحرمته - من الشارع، فالحكم المجعول هو إما جواز التصرف وإما حرمته، وحينئذٍ إن فرضنا أنَّ الحكم المجعول هو جواز التصرف كما يقتضيه عموم السلطنة، وفرضنا أنه ضرري بالنسبة الى الجار فيكون مرفوعاً بقاعدة (لا ضرر) فيثبت المنع حتى إذا كان ذلك مستلزماً لتضرر المالك، لأنَّ هذا الضرر على المالك ناشئ من حكومة (لا ضرر) على قاعدة السلطنة، ولا يمكن أن يكون مشمولاً لقاعدة (لا ضرر).
ومقصوده أنَّ الضرر الوارد على المالك بمنعه من التصرف نشأ من حكومة قاعدة (لا ضرر) على قاعدة السلطنة لكونها ضررية بالنسبة الى الجار فترفع بـــ (لا ضرر)، أي أنَّ (لا ضرر) رفعت السلطنة على هذا التصرف فيثبت المنع والتحريم، ويترتب عليه وقوع المالك في الضرر، وهذا الضرر لا يمكن رفعه بــــ (لا ضرر) لأنَّ رفعه يكون برفع المنع في حين أنَّ المنع ثابت بقاعدة (لا ضرر) وحكومتها على قاعدة السلطنة، فلا يتعارض الضرران.
وأما إذا كان المجعول شرعاً هو التحريم، وهو ضرري بالنسبة الى المالك فتجري القاعدة لنفيه، فيثبت جواز التصرف ويترتب عليه الضرر على الجار، ولا يمكن أن يكون مشمولاً بقاعدة (لا ضرر) بالبيان السابق.